المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء العاشر
الصفحة 5890 · ص. المطبوع 312 · الشرح
( فَرْعٌ ) قَالَ الشَّافِعِيُّ : كُلُّ مَا لَمْ يَجُزْ التَّفَاضُلُ فِيهِ فَالْقَسْمُ فِيهِ كَالْبَيْعِ ، فَذَكَرَ الْأَصْحَابُ لِذَلِكَ فُرُوعًا ( مِنْهَا ) لَوْ كَانَتْ ثَمَرَةٌ عَلَى أُصُولِهَا مُشْتَرَكَةً بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَاقْتَسَمَاهَا خَرْصًا ( وَقُلْنَا ) الْقِسْمَةُ بَيْعٌ وَهُوَ الْقَوْلُ الَّذِي 312 ادَّعَى الْمَاوَرْدِيُّ هُنَا أَنَّهُ الْأَشْهَرُ وَقَالَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ : إنَّهُ الْأَصَحُّ ، لَمْ يَصِحَّ ، ( وَإِنْ قُلْنَا ) إفْرَازٌ فَإِنْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ مِمَّا لَا زَكَاةَ فِيهِ لَمْ يَصِحَّ ، لِأَنَّ خَرْصَهُ لَا يَجُوزُ ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ كَالرُّطَبِ وَالْعِنَبِ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ لَمْ يَجُزْ ، قَالَهُ الْمَحَامِلِيُّ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ فَقَوْلَانِ ( نَقَلُوا ) عَنْ نَصِّهِ فِي الصَّرْفِ الْجَوَازَ ، لِأَنَّهُ إذَا جَازَ خَرْصُهَا لِمَعْرِفَةِ حَقِّ الْفُقَرَاءِ وَتَضْمِينِهِ جَازَ لِتَمْيِيزِ أَحَدِ الْحَقَّيْنِ عَنْ الْآخَرِ ، نَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ . وَنَقَلَ الْمَحَامِلِيُّ عَنْ نَصِّهِ فِي سَائِرِ كُتُبِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ، وَغَيْرُ الْمَحَامِلِيِّ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ مَا بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ وَقَبْلِهِ ، وَرَجَّحَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ، وَإِنْ فَرَّعْنَا عَلَى أَنَّ الْقِسْمَةَ إفْرَازٌ ، لِأَنَّ الْخَرْصَ ظَنٌّ لَا يُعْلَمُ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، وَفِي الزَّكَاةِ جَوَّزْنَا الْخَرْصَ . لِأَنَّ الْخَرْصَ لِلْمَسَاكِينِ فِيهِ حَقِيقَةُ الشَّرِكَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَدَاءُ حَقِّهِمْ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَقَالَ فِي الْإِبَانَةِ : وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ قَوْلًا وَاحِدًا يَصِحُّ ( وَإِنْ قُلْنَا ) إنَّهَا بَيْعٌ لِأَنَّ هَذَا مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ .
( قُلْتُ ) فَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا ثَلَاثُ طُرُقٍ فَكُلُّ رِبَوِيٍّ لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ لَا يَجُوزُ قِسْمَتُهُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْقِسْمَةَ بَيْعٌ ، وَيَجُوزُ عَلَى قَوْلِ الْإِفْرَازِ ، وَهَلْ تَجُوزُ قِسْمَةُ أَمْوَالِ الرِّبَا الْمَكِيلِ وَزْنًا ، وَالْمَوْزُونُ كَيْلًا ( إنْ قُلْنَا ) الْقِسْمَةُ إفْرَازٌ جَازَ ( وَإِنْ قُلْنَا ) بَيْعٌ فَلَا ; اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ ; فَعَلَى الْأَوَّلِ يَجُوزُ قِسْمَةُ الرُّطَبِ وَنَحْوِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَلَا يَجُوزُ قِسْمَةُ الطَّعَامِ وَلَا غَيْرِهِ جُزَافًا ، صَرَّحَ بِهِ الْمَحَامِلِيُّ ، يَعْنِي عَلَى الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا ; وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْقِسْمَةَ بَيْعٌ أَوْ إفْرَازٌ اخْتِلَافُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ كَمَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ هُنَا فِي خَرْصِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثِمَارَ الْمَدِينَةِ ; هَلْ كَانَ لِمَعْرِفَةِ قَدْرِ الزَّكَاةِ ؟ أَوْ لِإِفْرَازِ حُقُوقِ أَهْلِ السَّهْمَانِ ، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَجُوزُ قِسْمَةُ الثِّمَارِ خَرْصًا وَتَكُونُ الْقِسْمَةُ بَيْعًا ، وَعَلَى الثَّانِي يَجُوزُ قِسْمَةُ الثِّمَارِ ، وَتَكُونُ إفْرَازَ حَقٍّ ، وَتَمْيِيزَ نَصِيبٍ ( فَرْعٌ ) فَإِذَا قُلْنَا : الْقِسْمَةُ بَيْعٌ وَتَقَاسَمَا مَالًا رِبَوِيًّا مِمَّا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : لِهَذِهِ الْقِسْمَةِ خَمْسَةُ شُرُوطٍ ( أَحَدُهَا ) الْكَيْلُ 313 فِي الْمَكِيلِ وَالْوَزْنُ فِي الْمَوْزُونِ ، فَإِذَا كَانَتْ الصُّبْرَةُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَأَرَادَ قِسْمَتَهَا أَخَذَ هَذَا قَفِيزًا وَهَذَا قَفِيزًا ، وَإِنْ كَانَتْ أَثْلَاثًا أَخَذَ هَذَا قَفِيزًا وَهَذَا قَفِيزَيْنِ ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَسْتَوْفِيَ جَمِيعَ حِصَّتِهِ مِنْ الصُّبْرَةِ ثُمَّ يُكَالُ لِلْآخَرِ مَا بَقِيَ ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَتْلَفَ الْبَاقِي قَبْلَ أَنْ يَكْتَالَهُ الشَّرِيكُ الْآخَرُ ، وَلِأَنَّهُمَا قَدْ اسْتَوَيَا فِي الْمِلْكِ فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي الْقَبْضِ فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْمُبْتَدِئِ مِنْهُمَا بِأَخْذِ الْقَفِيزِ الْأَوَّلِ وَإِلَّا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا فِي أَخْذِهِ . وَيَكُونُ اسْتِقْرَارُ مِلْكِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا أَخَذَهُ مَوْقُوفًا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ الْآخَرُ مِلْكَهُ . فَلَوْ أَخَذَ الْأَوَّلُ قَفِيزًا فَهَلَكَتْ الصُّبْرَةُ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ الثَّانِي مِثْلَهُ لَمْ يَسْتَقِرَّ مِلْكُ الْأَوَّلِ عَلَى الْقَفِيزِ ، وَكَانَ الثَّانِي شَرِيكًا لَهُ .
( الشَّرْطُ الثَّانِي ) أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي قَبْضِ حُقُوقِهِمَا مِنْ غَيْرِ تَفَاضُلٍ ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا أَخَذَ هَذَا الثُّلُثَيْنِ ، وَهَذَا الثُّلُثَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَزْدَادَ شَيْئًا أَوْ يَنْقُصُ شَيْئًا .
( الشَّرْطُ الثَّالِث ) أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَوْ وَكِيلُهُ قَابِضًا لِنَصِيبِهِ مُقْبِضًا لِنَصِيبِ شَرِيكِهِ ، فَلَا يَصِحُّ انْفِرَادُ أَحَدِهِمَا ، وَلَا أَنْ يَأْذَنَا لِشَخْصٍ وَاحِدٍ يَتَوَلَّى الْقَبْضَ وَالْإِقْبَاضَ .
( الشَّرْطُ الرَّابِعُ ) أَنْ يَتَقَابَضَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ ، وَتَقَابُضُهُمَا بِالْكَيْلِ وَحْدَهُ دُونَ النَّقْلِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ ، حَيْثُ كَانَ النَّقْلُ فِيهِ مُعْتَبَرًا ، فَإِنَّ الْمَبِيعَ مَضْمُونٌ عَلَى بَائِعِهِ بِالْيَدِ ، فَاعْتُبِرَ فِي قَبْضِهِ النَّقْلُ لِتَرْتَفِعَ الْيَدُ فَيَسْقُطُ الضَّمَانُ ، وَلَيْسَ فِي الْقِسْمَةِ ضَمَانٌ يَسْقُطُ بِالْقَبْضِ ، وَإِنَّمَا هِيَ مَوْضُوعَةٌ لِلْإِجَازَةِ وَبِالْكَيْلِ تَحْصُلُ ; فَلَوْ تَقَابَضَا بَعْضَ الصُّبْرَةِ وَلَمْ يَتَقَابَضَا الْبَاقِي صَحَّ فِيمَا تَقَابَضَا قَوْلًا وَاحِدًا وَكَانَتْ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا فِيمَا بَقِيَ .
( الشَّرْطُ الْخَامِسُ ) وُقُوعُ الْقِسْمَةِ نَاجِزَةً مِنْ غَيْرِ خِيَارٍ لَا بِالشَّرْطِ وَلَا بِالْمَجْلِسِ ، وَإِنْ كَانَتْ بَيْعًا لِانْتِفَاءِ الْمُحَابَاةِ وَالْغَبْنِ عَنْهَا . هَذَا كَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ ، وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : وَهَذَا ظَاهِرٌ فِيمَا يُخَيَّرُ عَلَيْهِ دُونَ مَا لَا يُخَيَّرُ عَلَيْهِ ، وَلَا جَرَمَ . قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ بِثُبُوتِهِمَا يَعْنِي الْخِيَارَيْنِ إذَا اقْتَسَمَا بِأَنْفُسِهِمَا ، وَالْغَزَالِيُّ حَكَى فِي ثُبُوتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَجْهَيْنِ . قَالَ : وَدَعْوَى الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ لَا يَدَ مُضَمَّنَةٌ 314 فِي الْقِسْمَةِ فِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ يَدَ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى حِصَّتِهِ فَقَطْ ، فَلَا فَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَ يَدِ الْقَاسِمِ وَالْبَائِعِ فِيمَا نَظُنُّهُ ( قُلْتُ ) هَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ هُوَ الَّذِي يَتَرَجَّحُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) إذَا أَرَادَ قِسْمَةَ الثِّمَارِ وَقَدْ قُلْنَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : فَالْوَجْهُ فِي ارْتِفَاعِ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا أَنْ يَجْعَلَا ذَلِكَ حِصَّتَيْنِ مُتَمَيِّزَتَيْنِ ثُمَّ يَبِيعُ أَحَدُهُمَا حَقَّهُ مِنْ إحْدَى الْحِصَّتَيْنِ عَلَى شَرِيكِهِ بِدِينَارٍ وَيَبْتَاعُ مِنْهُ حَقَّهُ مِنْ الْحِصَّةِ الْأُخْرَى بِدِينَارٍ ثُمَّ يَتَقَاصَّانِ فَيَكُونُ هَذَا بَيْعًا يَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْبُيُوعِ .
( فَرْعٌ ) مِنْ الْحَاوِي أَيْضًا ( فَإِنْ قُلْنَا ) بِأَنَّ الْقِسْمَةَ إفْرَازٌ يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِأَخْذِ حِصَّتِهِ عَنْ إذْنِ شَرِيكِهِ ; بِخِلَافِ مَا تَخْتَلِفُ أَجْزَاؤُهُ كَالثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ لِأَنَّ ذَلِكَ يَفْتَقِرُ إلَى اجْتِهَادٍ ; فَلَمْ يَجُزْ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَنْفَرِدَ وَإِنْ أَذِنَ الشَّرِيكُ ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا قُلْنَا بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ . لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَنْفَرِدُ بِهِ أَحَدُهُمَا ، وَلَوْ انْفَرَدَ بِأَخْذِ نَصِيبِهِ مِنْ غَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ فَوَجْهَانِ ( أَحَدُهُمَا ) لَا يَجُوزُ لِلْإِشَاعَةِ ، فَعَلَى هَذَا مَا أَخَذَهُ مُشْتَرَكٌ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ حِصَّةُ شَرِيكِهِ فِيهِ ( وَالثَّانِي ) يَجُوزُ ، لِأَنَّهُ لَوْ اسْتَأْذَنَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُهُ . قَالَ الرُّويَانِيُّ : وَعِنْدِي الْأَصَحُّ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ ( وَإِنْ قُلْنَا ) الْقِسْمَةُ بَيْعٌ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِحَالٍ لَا بِالْإِذْنِ وَلَا بِغَيْرِ الْإِذْنِ ، قَالَهُ الرُّويَانِيُّ . وَذَكَرَ جَمِيعَ مَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ .
( فَرْعٌ ) جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامٍ وَخِلَافِ الْعُلَمَاءِ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ . وَالْبُسْرِ بِالْبُسْرِ يَمْتَنِعُ عِنْدَنَا ، وَجَائِزٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمَالِكٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ الْبُسْرُ بِالرُّطَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَهُوَ قَوْلُ دَاوُد . وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : لَا يَجُوزُ الرُّطَبُ بِالْبُسْرِ عَلَى حَالٍ . نَقَلَ ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث