المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء العاشر
الصفحة 5892 · ص. المطبوع 316 · الشرح
( الشَّرْحُ ) الَّذِي لَا يُدَّخَرُ يَابِسُهُ فِي الْعَادَةِ كَالْأُتْرُجِّ وَالسَّفَرْجَلِ وَالتُّفَّاحِ وَالتُّوتِ وَالْبِطِّيخِ وَالْمَوْزِ وَالْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ وَالْبَاذِنْجَانِ وَالرُّمَّانِ الْحُلْوِ وَالْقَرْعِ وَالزَّيْتُونِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَالْكُرَّاثِ وَالْبَصَلِ وَجَمِيعِ الْبُقُولِ ، وَكُلُّ مَا غَالَبَ مَنَافِعُهُ فِي حَالِ رُطُوبَتِهِ ، سِوَى الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ ، وَكُلُّ رَطْبٍ لَا يَنْفَعُ إذَا يَبِسَ ، إمَّا مِنْ الْمَكِيلَاتِ أَوْ الْمَوْزُونَاتِ الَّتِي فِيهَا الرِّبَا قَوْلًا وَاحِدًا ، وَإِمَّا مِنْ غَيْرِهَا عَلَى الْجَدِيدِ وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا السَّفَرْجَلُ . وَقَالَ الْجُورِيُّ : إنَّهُ يُيَبَّسُ وَيُدَّخَرُ - وَهُوَ غَرِيبٌ - فَهَلْ يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ مَنْصُوصَانِ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ . وَقَدْ رَأَيْتُ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ فِي الْأُمِّ ، وَاَلَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ فِي بَابِ بَيْعِ الْآجَالِ الْمَنْعُ ، فَإِنَّهُ قَالَ : وَكَذَلِكَ كُلُّ مَأْكُولٍ لَا يُيَبَّسُ إذَا كَانَ مِمَّا يُيَبَّسُ ، فَلَا خَيْرَ فِي رَطْبٍ مِنْهُ بِرَطْبٍ كَيْلًا بِكَيْلٍ ، وَلَا وَزْنًا بِوَزْنٍ وَلَا عَدَدًا بِعَدَدٍ ، وَلَا خَيْرَ فِي أُتْرُجَّةٍ بِأُتْرُجَّةٍ وَلَا بِطِّيخَةٍ بِبِطِّيخَةٍ وَزْنًا وَلَا كَيْلًا وَلَا عَدَدًا . وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ : إذَا كَانَ مِمَّا يُيَبَّسُ احْتِرَازًا عَمَّا يَكُونُ رُطَبًا أَبَدًا ، الَّذِي تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِهِ وَفِي آخِرِ كَلَامِهِ هُنَا مَا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَيْضًا ; فَإِنَّهُ قَالَ : فَإِذَا كَانَ مِنْ الرُّطَبِ شَيْءٌ لَا يَيْبَسُ بِنَفْسِهِ أَبَدًا مِثْلَ الزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَالْعَسَلِ وَاللَّبَنِ فَلَا بَأْسَ بِبَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ إنْ كَانَ مِمَّا يُوزَنُ فَوَزْنًا ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُكَالُ فَكَيْلًا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، يَنْبَغِي أَنَّ الْأُولَى يُيَبَّسُ - بِيَاءٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ يَاءٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ بَاءٍ مُشَدَّدَةٍ - وَالثَّانِيَةَ - بِيَاءٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ يَاءٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ بَاءٍ مُخَفَّفَةٍ مَفْتُوحَةٍ - أَيْ هُوَ يَيْبَسُ بِنَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ يَبِسًا غَيْرَ آيِلٍ إلَى صَلَاحٍ لَكِنَّهُ لَا يُيَبِّسُهُ النَّاسُ ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي بَابِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ فِيهِ : وَهَكَذَا مَا كَانَ رُطَبًا فِرْسِكٌ وَتُفَّاحٌ وَتِينٌ وَعِنَبٌ وَإِجَّاصٌ وَكُمَّثْرَى وَفَاكِهَةٌ لَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْهَا بِشَيْءٍ رُطَبًا ، وَلَا رُطَبٌ مِنْهَا بِيَابِسٍ ، وَلَا جُزَافٌ مِنْهَا بِمَكِيلٍ .
ثُمَّ قَالَ فِيهِ أَيْضًا : وَهَكَذَا كُلُّ مَأْكُولٍ لَوْ تُرِكَ رَطْبًا يَيْبَسُ فَيَنْقُصُ ، وَهَكَذَا كُلُّ رُطَبٍ لَا يَعُودُ تَمْرًا بِحَالٍ ، وَكُلُّ رُطَبٍ مِنْ الْمَأْكُولِ لَا يَنْفَعُ يَابِسًا بِحَالٍ ، 316 مِثْلُ الْخِرْبِزِ وَالْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ وَالْفَقُّوسِ وَالْجَزَرِ وَالْأُتْرُجِّ ، لَا يُبَاعُ مِنْهُ شَيْءٌ بِشَيْءٍ مِنْ صِنْفِهِ وَزْنًا بِوَزْنٍ ، وَلَا كَيْلًا بِكَيْلٍ ، لِمَعْنًى مَا فِي الرُّطُوبَةِ مِنْ تَغَيُّرِهِ عِنْدَ الْيُبْسِ وَكَثْرَةِ مَا يَحْمِلُ بَعْضُهَا مِنْ الْمَاءِ فَيَثْقُلُ بِهِ وَيَعْظُمُ ، وَقِلَّةِ مَا يَحْمِلُ غَيْرُهَا فَيُضْمَرُ بِهِ وَيَخِفُّ ، وَإِذَا اخْتَلَفَ الصِّنْفَانِ مِنْهُ فَلَا بَأْسَ . وَقَالَ فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ : كُلُّ فَاكِهَةٍ يَأْكُلُهَا الْآدَمِيُّونَ فَلَا يَجُوزُ رَطْبٌ بِيَابِسٍ مِنْ صِنْفِهَا ، وَلَا رَطْبٌ بِرَطْبٍ مِنْ صِنْفِهَا ، لِمَا وَصَفْتُ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِالسُّنَّةِ . وَقَالَ فِي الْأُمِّ أَيْضًا فِي بَابِ الْآجَالِ فِي الصَّرْفِ بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ الْقَوْلَ الْجَدِيدَ : وَجَرَيَانُ الرِّبَا فِي غَيْرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ مِنْ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ ( قَالَ ) وَلَا يَصِحُّ عَلَى قِيَاسِ هَذَا رُمَّانَةٌ بِرُمَّانَتَيْنِ عَدَدًا وَلَا وَزْنًا ، وَلَا سَفَرْجَلَةٌ بِسَفَرْجَلَتَيْنِ ، وَلَا بِطِّيخَةٌ بِبِطِّيخَتَيْنِ ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُبَاعَ مِنْهُ جِنْسٌ بِمِثْلِهِ إلَّا وَزْنًا يَدًا بِيَدٍ ، وَظَاهِرُ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ جَوَازُ بَيْعِ السَّفَرْجَلِ وَالْبِطِّيخِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ وَزْنًا ، وَهُوَ أَيْضًا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي ذَلِكَ الْوَزْنُ دُونَ الْكَيْلِ ، لِأَنَّ كَلَامَهُ يَشْمَلُ مَا يُمْكِنُ كَيْلُهُ وَمَا لَا يُمْكِنُ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ : مِنْهُ ، أَيْ مِنْ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ غَيْرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ . وَكَذَلِكَ حَكَى أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ ، مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْمُصَنِّفُ وَأَتْبَاعُهُ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ ، وَبَعْضُهُمْ مِنْ الْمَرَاوِزَةِ يَجْعَلُهَا وَجْهَيْنِ . وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : إنَّ جُمْهُورَ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ رَطْبًا بِرَطْبٍ وَلَا رَطْبًا بِيَابِسٍ ، وَأَنَّ ابْنَ سُرَيْجٍ ذَهَبَ إلَى الْجَوَازِ وَأَنَّ ابْنَ أَبِي هُرَيْرَةَ كَانَ يَجْعَلُ مَذْهَبَ ابْنِ سُرَيْجٍ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ ، وَيُخَرِّجُ الْمَسْأَلَةَ عَلَى قَوْلَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) جَوَازُ ذَلِكَ وَهُوَ الْمَحْكِيُّ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ تَعْلِيقًا بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ : وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْبَقْلِ الْمَأْكُولِ مِنْ صِنْفٍ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ( قُلْتُ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ .
( وَالثَّانِي ) وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ بَيْعَ ذَلِكَ رَطْبًا لَا يَجُوزُ بِجِنْسِهِ ، فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ رُمَّانَةٌ بِرُمَّانَتَيْنِ ، وَلَا رُمَّانَةٌ بِرُمَّانَةٍ لِعَدَمِ التَّمَاثُلِ . وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ رُمَّانَةٍ بِرُمَّانَةٍ مُتَمَاثِلَيْنِ وَزْنًا ، حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ وَقَالَ : لَيْسَ بِمَشْهُورٍ . وَقَالَ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ قَرِيبًا مِمَّا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ ، فَجَعَلَ الْجَوَازَ مِنْ 317 تَخْرِيجِ ابْنِ سُرَيْجٍ بَعْدَ أَنْ جَزَمَ بِالْمَنْعِ ، وَجَعَلَ ذَلِكَ تَفْرِيعًا عَلَى قَوْلِهِ الْجَدِيدِ ، وَقَدْ أَطْبَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى حِكَايَةِ الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ كَمَا حَكَاهُمَا الْمُصَنِّفُ وَمِمَّنْ حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُمَا . وَذَكَرَ الرُّويَانِيُّ الْمَسْأَلَةَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي الْبُقُولِ خَاصَّةً تَفْرِيعًا عَلَى الْجَدِيدِ ، وَجَعَلَ الْمَنْعَ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ وَالْجَوَازَ قَوْلَ ابْنِ سُرَيْجٍ ، وَعَلَّلَ قَوْلَ ابْنِ سُرَيْجٍ بِالْقِيَاسِ عَلَى اللَّبَنِ ، وَهَذَا أَبْلَغُ لِأَنَّهُ لَا يُؤَوَّلُ إلَى صَلَاحٍ بِحَالٍ بِخِلَافِ اللَّبَنِ ، وَيُمْكِنُ لِلذَّاهِبِينَ إلَى تَرْجِيحِ الْمَنْعِ أَنْ يُؤَوِّلُوا نَصَّ الشَّافِعِيِّ الَّذِي حَكَيْتُهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بَيْعُهَا حَالَةَ الْجَفَافِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِأَنَّ ذَلِكَ مَعَ الرُّطُوبَةِ ، فَإِنَّ نُصُوصَهُ عَلَى الْمَنْعِ أَكْثَرُ مِنْ خِرَاصَتِهَا . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَالْأَصَحُّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الْحَاوِي ، وَعِنْدَ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ وَالرَّافِعِيِّ وَابْنِ دَاوُد شَارِحِ الْمُخْتَصَرِ الْأَوَّلِ ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ . وَجَزَمَ بِهِ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ خَيْرَانَ فِي اللَّطِيفِ ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ جَمَاعَةٍ الثَّانِي لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ . وَمِمَّنْ صَحَّحَ ذَلِكَ الرُّويَانِيُّ . وَقَالَ فِي الْبَحْرِ : إنَّهُ الْمَذْهَبُ ، وَالْجُرْجَانِيُّ فِي الشَّافِي وَابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ فِي الِانْتِصَارِ وَالْمُرْشِدِ . قَالَ الرُّويَانِيُّ : وَقِيلَ : الْقَوْلَانِ فِيمَا لَا يُنْتَفَعُ بِيَابِسِهِ كَالْقِثَّاءِ وَالْبِطِّيخِ ، فَأَمَّا فِيمَا يُنْتَفَعُ بِيَابِسِهِ - فَقَوْلًا وَاحِدًا - لَا يَجُوزُ رَطْبًا . قَالَ الرُّويَانِيُّ : وَهَذَا أَقْيَسُ ، قَالَ : قَالَ هَذَا الْقَائِلُ . وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ رَطْبِهِ بِرَطْبِهِ ، وَإِنَّمَا نَصَّ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْيَابِسِ بِالرَّطْبِ قَصْدًا لِأَظْهَرِ الْحَالَتَيْنِ وَأَوْضَحِ الْمَسْأَلَتَيْنِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث