المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء العاشر
الصفحة 5909 · ص. المطبوع 338 · الشرح
( وَالْمُرَاضَاةُ ) اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا فَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : ( بَيْعُ الرُّطَبِ خَرْصًا عَلَى النَّخْلِ بِمَكِيلِهِ تَمْرًا عَلَى الْأَرْضِ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَأَقَلَّ ، مَعَ تَعْجِيلِ الْقَبْضِ ) ، وَذَكَرَ مَذْهَبَ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَسَنَذْكُرُهُمَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَالرُّخْصَةُ إثْبَاتُ الْحُكْمِ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ ; وَقَدْ ذَكَرُوا فِي حَدِّهَا عِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةً أَحْسَنُهَا : الْإِطْلَاقُ مَعَ قِيَامِ الْمُقْتَضِي لِلْمَنْعِ لِغَرَضِ التَّوْسِيعِ ، فَقَوْلُنَا : الْإِطْلَاقُ نُرِيدُ بِهِ إبَاحَةَ الْأَقْدَامِ الَّتِي تَشْتَمِلُ الْوَاجِبَ وَالْمَنْدُوبَ وَالْمُبَاحَ ، وَقَوْلُنَا : مَعَ قِيَامِ الْمُقْتَضِي لِلْمَنْعِ احْتِرَازٌ مِنْ قَتْلِ قَاطِعِ الطَّرِيقِ وَشِبْهِهِ ، فَإِنَّهُ قَدْ يُقَالُ : إنَّهُ شُرِّعَ مَعَ الْإِسْلَامِ الْمُقْتَضِي لِلْمَنْعِ مِمَّا لَيْسَ كَذَلِكَ ، فَلَا يُسَمَّى ، رُخْصَةً ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ : فِي حَالِ حُرِّيَّتِهِ ، احْتِرَازٌ مِنْ الْقِصَاصِ فَإِنَّهُ قَاعِدَةٌ كُلِّيَّةٌ لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ السَّلَمُ وَالْإِجَارَةُ ، وَمَا أَشْبَهُهُمَا . ثُمَّ الرُّخْصَةُ قَدْ يَكُونُ سَبَبُهَا الضَّرُورَةُ كَأَكْلِ الْمُضْطَرِّ الْمَيْتَةَ ، وَقَدْ يَكُونُ سَبَبُهَا الْحَاجَةُ كَالْعَرَايَا ، فَلَمَّا كَانَ الدَّلِيلُ قَائِمًا عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ .
338 وَوَرَدَتْ الْعَرَايَا عَلَى خِلَافِهِ ، سُمِّيَ ذَلِكَ رُخْصَةً ، وَالْخِرْصُ بِكَسْرِ الْخَاءِ نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ فَارِسٍ وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْمَخْرُوصُ وَأَمَّا الْخَرْصُ بِالْفَتْحِ فَهُوَ الْمَصْدَرِ وَهُوَ الْحَزْرُ يُقَالُ خَرَصَ الْعَبْدَ يَخْرِصُهُ وَيَخْرُصُهُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا فِي الْمُضَارِعِ خَرْصًا وَخِرْصًا بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ حَزَرَهُ قَالَهُ ابْنُ سِيدَهْ ثُمَّ قَالَ : وَقِيلَ : الْخَرْصُ الْمَصْدَرُ وَالْخِرْصُ الِاسْمُ ، وَالْخِرَاصُ الْحَزَارُ . وَأَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَذَلِكَ مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ فِي الْمَذْهَبِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَهْلُ الشَّامِ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَدَاوُد وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، كُلُّهُمْ ذَهَبُوا إلَى أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ ، وَجَعَلُوهُ مُسْتَثْنًى مِنْ جِهَةِ نَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ وَعَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ ، كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَلِمَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ بَعْضُ مُخَالَفَةٍ سَأَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ وَهُوَ فِي الْجُزْءِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ الْأُمِّ : " خَالَفُونَا مَعًا فِي الْعَرَايَا فَقَالُوا : لَا نُجِيزُ بَيْعَهَا وَقَالُوا : نَرُدُّ إجَازَةَ بَيْعِهَا بِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُزَابَنَةِ وَنَهْيِهِ عَنْ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ ، وَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي الْمَعْنَيَيْنِ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : فَقِيلَ لِبَعْضِ مَنْ قَالَ هَذَا مِنْهُمْ : فَإِنْ أَجَازَ إنْسَانٌ بَيْعَ الْمُزَابَنَةِ بِالْعَرَايَا لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَجَازَ بَيْعَ الْعَرَايَا قَالَ : لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ ، قُلْنَا : هَلْ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ إلَّا كَهِيَ عَلَيْكُمْ فِي أَنْ يُطَاعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُحِلُّ مَا أَحَلَّ وَيُحَرِّمُ مَا حَرَّمَ " وَبَحَثَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ إلَى أَنْ قَالَ : قَالَ : " فَكَيْفَ تَقُولُ ؟ قُلْتُ : أُحِلُّ مَا أَحَلَّ مِنْ بَيْعِ الْعَرَايَا وَأُحَرِّمُ مَا حَرَّمَ مِنْ بَيْعِ الْمُزَابَنَةِ ، وَبَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ عَنْ الْعَرَايَا ، وَأَزْعُمُ أَنْ لَمْ يُرِدْ بِمَا 339 حَرَّمَ مَا أَحَلَّ وَلَا بِمَا أَحَلَّ مَا حَرَّمَ فَأُطِيعُهُ فِي الْأَمْرَيْنِ ، وَمَا عَلِمْتُك إلَّا عَطَّلْت نَصَّ قَوْلِهِ فِي الْعَرَايَا وَعَامَّةُ مَنْ رَوَى النَّهْيَ عَنْ الْمُزَابَنَةِ رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْخَصَ فِي الْعَرَايَا فَلَمْ يَكُنْ لِلتَّوَهُّمِ هَاهُنَا مَوْضِعٌ ، فَنَقُولُ : الْحَدِيثَانِ مُخْتَلِفَانِ " انْتَهَى كَلَامُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى .
وَقَالَ فِي الْإِمْلَاءِ : " فَلَا مَوْضِعَ لِلتَّوَهُّمِ فِي أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ قَبْلَ الْآخَرِ فَيُقَالُ : أَحَدُهُمَا نَاسِخٌ يَعْنِي لِأَنَّ رُوَاةَ أَحَدِهِمَا هُمْ رُوَاةُ الْآخَرِ " . وَقَالَ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ مِنْ الْأُمِّ مَا مُلَخَّصُهُ : " إنَّ الْعَرَايَا دَاخِلَةٌ فِي بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ وَالْمُزَابَنَةِ ، وَذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، وَخَارِجَةٌ مِنْهُ مُنْفَرِدَةً ، بِخِلَافِ حُكْمِهِ ، إمَّا بِأَنْ لَمْ يَقْصِدْ بِالنَّهْيِ قَصْدَهَا وَإِمَّا بِأَنْ أَرْخَصَ فِيهَا مِنْ جُمْلَةِ مَا نَهَى عَنْهُ " وَكَأَنَّ الشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَشَارَ بِهَذَا التَّأْوِيلِ فِي كَلَامِهِ إلَى النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ ، وَعَنْ الْمُزَابَنَةِ هَلْ هُوَ عَامٌّ مَخْصُوصٌ ؟ أَوْ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ ؟ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا : أَنَّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ وَيَكُونُ الْمُرَادُ فِيهِ مُتَقَدِّمًا عَلَى اللَّفْظِ ، وَيَكُونُ مَا لَيْسَ بِمُرَادٍ مُتَأَخِّرًا . وَالْعَامُّ الْمَخْصُوصُ يَكُونُ مُتَأَخِّرًا عَنْ اللَّفْظِ أَوْ مُقَارِنًا ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِاللَّفْظِ أَكْثَرَ مِمَّا لَيْسَ بِمُرَادٍ ، ذَكَرَ ذَلِكَ الْمَاوَرْدِيُّ ، وَأَطْلَقَ عَلَى الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ : أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ ، وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَتَى أُرِيدَ عُمُومُهُ كَانَ الْإِخْرَاجُ بَعْدَ ذَلِكَ نَسْخًا لِأَنَّ الْمُرَادَ إرَادَةُ الْعُمُومِ بِاللَّفْظِ ، ثُمَّ الْإِخْرَاجُ مِنْهُ ، كَمَا يَقُولُ : لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً ، فَإِنَّ الْعَشَرَةَ مُرَادَةٌ ، وَلَيْسَ كَقَوْلِكَ سَبْعَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَشَارَ الْجُورِيُّ إلَى أَنَّ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ لَمْ يُقْصَدْ بِالنَّهْيِ قَصْدُهَا أَنَّهَا لَيْسَتْ دَاخِلَةً فِي الْمُزَابَنَةِ يَعْنِي وَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعًا وَهُوَ خِلَافُ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فَإِنَّهُ صَرَّحَ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهَا دَاخِلَةٌ ، وَقَالَ فِي بَابٍ آخَرَ مِنْ الْأُمِّ أَيْضًا : 340 إنَّهَا - يَعْنِي الْمُزَابَنَةَ - جُمْلَةُ عَامَّةِ الْمَخْرَجِ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّرَدُّدُ الْمَذْكُورُ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فِي أَنَّ الرُّخْصَةَ هَلْ وَرَدَتْ مَعَ النَّهْيِ عَنْ الْمُزَابَنَةِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِثْنَاءِ ؟ وَوَرَدَتْ وَحْدَهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا سَنَذْكُرُ فِي ذَلِكَ احْتِمَالَيْنِ لِلْأَصْحَابِ ، وَعَلَى ذَلِكَ حَمَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ ، وَعَلَى ذَلِكَ يَدُلُّ كَلَامُهُ فِي الرِّسَالَةِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : إنَّ أَوْلَى الْوَجْهَيْنِ عِنْدَهُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ مَا سِوَى الْعَرَايَا وَأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَخَّصَ فِيمَا بَعْدَ دُخُولِهَا فِي جُمْلَةِ النَّهْيِ ، وَإِنْ كَانَ مُرَادُ الشَّافِعِيِّ ذَلِكَ فَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ حَدِيثُ زَيْدٍ الثَّابِتُ فِي مُسْلِمٍ أَنَّ الرُّخْصَةَ كَانَتْ بَعْدَ ذَلِكَ . وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ : إنَّ أَوْلَى الْوَجْهَيْنِ عِنْدَهُ أَنْ يَكُونَ مَا نَهَى عَنْهُ جُمْلَةً أَرَادَ بِهِ مَا سِوَى الْعَرَايَا ، وَحَدِيثُ زَيْدٍ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الثَّانِي هُوَ الْأَوْلَى ، بَلْ الْمُتَعَيِّنَ وَعَلَى مَا حَمَلْتُهُ عَلَيْهِ لَا يَدْفَعُهُ حَدِيثُ زَيْدٍ ، لِأَنَّهُ تَكُونُ الرُّخْصَةُ بَعْدَ ذَلِكَ مُبَيِّنَةً لِلْعَامِّ الْمُتَقَدِّمِ ، وَقَدْ أَعَادَ الشَّافِعِيُّ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ فِي اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ ، وَهُوَ فِي الْجُزْءِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ الْأُمِّ فِي بَابِ بَيْعِ الرَّطْبِ مِنْ الطَّعَامِ بِالْيَابِسِ ، وَجَزَمَ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْمُزَابَنَةَ مِنْ الْعَامِّ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ ، وَالْعَرَايَا لَمْ تَدْخُلْ فِي نَهْيهِ ، يَعْنِي لَمْ تَدْخُلْ فِي الْإِرَادَةِ ، وَجَزَمَ هُنَاكَ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا أَقَلُّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ وَأَنَّ الزَّائِدَ مَنَعَهُ مِنْ مَفْهُومِ الْحَدِيثِ وَالتَّوْقِيتِ فِيهِ ، قَالَ : وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ : هُوَ دَاخِلٌ فِي الْمُزَابَنَةِ لَكَانَ مَذْهَبًا يَصِحُّ عِنْدَنَا .
وَاعْتَلَّتْ الْحَنَفِيَّةُ بِأُمُورٍ ( مِنْهَا ) حَمْلُ الْعَرِيَّةِ عَلَى الْهِبَةِ كَمَا هُوَ التَّفْسِيرُ الثَّانِي الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ شِعْرُ شَاعِرِ الْأَنْصَارِ ، قَالُوا : فَكَأَنَّهُ رَخَّصَ لِمَنْ وَهَبَ ثَمَرَ نَخْلَةٍ لِرَجُلٍ وَلَمْ يَقْبِضْ أَنْ يُعْطِيَهُ عِوَضَ ذَلِكَ تَمْرًا ، وَيَرْجِعُ فِيهَا ، وَسَمَّاهُ بَيْعًا لِأَنَّ مَا دُفِعَ إلَيْهِ مِنْ التَّمْرِ كَالْعِوَضِ عَمَّا وَهَبَ بِهِ ، فَتُحْمَلُ الْعَرِيَّةُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالْبَيْعُ عَلَى الْمَجَازِ ، وَاخْتَلَفُوا عَلَى هَذَا فِي الرُّخْصَةِ ، فَقِيلَ : إنَّهَا عَائِدَةٌ إلَى الْمُعْرِي لِأَنَّهُ وَعَدَ فَأَخْلَفَ قَالَ الدَّيْنِينِيُّ الْحَنَفِيُّ : يُعْزَى ذَلِكَ إلَى عِيسَى بْنِ أَبَانَ ، وَقِيلَ : إنَّهَا عَائِدَةٌ إلَى الْمُعْرَى ، لِأَنَّهُ أَخَذَ الْعِوَضَ عَمَّا لَمْ يَمْلِكْهُ ، قَالُوا : وَأَنْتُمْ تَحْمِلُونَ الْبَيْعَ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالْعَرِيَّةَ عَلَى الْمَجَازِ ، وَهَذَا مَمْنُوعٌ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ أَنَّ لِلْعَرِيَّةِ تَفْسِيرَيْنِ ، فَلَا مَجَازَ ، وَلَوْ سَلَّمَ لَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى مَا قُلْنَاهُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي النُّكَتِ لِوُجُوهٍ : 341 أَحَدُهَا ) أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ فِي أَوَّلِ الْجُزْءِ الْبَيْعُ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى أَيْضًا بَيْعًا .
( وَالثَّانِي ) أَنَّ الرُّخْصَةَ لَا تَكُونُ إلَّا عَنْ حَظْرٍ وَالْحَظْرُ فِي الْبَيْعِ لَا فِي الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ ( وَالثَّالِثُ ) أَنَّهُ قُدِّرَ بِخَمْسَةِ أَوْسُقٍ وَمَا قَالُوهُ لَا يَخْتَصُّ ( وَالرَّابِعُ ) مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ، وَاعْتَلُّوا أَيْضًا بِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ بِالْخَرْصِ وَهُوَ عَلَى الْأَرْضِ فَعَلَى النَّخْلِ أَوْلَى ، لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْغَرَرِ .
( وَأَجَابَ ) الْمُصَنِّفُ فِي النُّكَتِ بِأَنَّهُ مِمَّا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ وَفِي الْأَرْضِ لَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْكُلَ الرُّطَبَ مَعَ النَّاسِ ، وَقَدْ يَجُوزُ مَعَ كَثْرَةِ الْغَرَرِ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ وَمَا لَا يَجُوزُ مَعَ قِلَّةِ الْغَرَرِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ ، كَمَا قَالَ فِي السَّلَمِ الْمُؤَجَّلِ : يَجُوزُ مَعَ كَثْرَةِ الْغَرَرِ ، وَلَا يَجُوزُ الْحَالُّ مَعَ قِلَّةِ الْغَرَرِ ، وَقَالَ الشَّيْخُ : " وَلِأَنَّ فِي الْأَرْضِ لَمْ يُجْعَلْ الْخَرْصُ طَرِيقًا لِمَعْرِفَةِ الْمِقْدَارِ ، وَفِي الشَّجَرِ جُعِلَ الْخَرْصُ طَرِيقَةً لِمَعْرِفَةِ الْمِقْدَارِ ، وَيُعْرَفُ مِنْهَا التَّسَاوِي فِي حَالِ الِادِّخَارِ " وَهَذَا الْجَوَابُ مِنْ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّهُ قَائِلٌ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ فِي الْأَرْضِ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ ، وَفِيهِ خِلَافٌ تَقَدَّمَ عَنْ صَاحِبِ التَّتِمَّةِ ، وَسَأَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَاعْتَلُّوا أَيْضًا بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّبَا ، وَيُبْطِلُهُ اسْتِثْنَاؤُهَا مِنْ الْمُزَابَنَةِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بَعْدَ تَحْرِيمِ الرِّبَا ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُحْتَجْ إلَى الْخَرْصِ وَاعْتَلُّوا أَيْضًا بِأُمُورٍ أُخَرَ لَا مُتَعَلِّقَ لَهُمْ بِهَا . " وَأَمَّا مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَهُوَ - وَإِنْ وَافَقَ عَلَى مُقْتَضَى الْحَدِيثِ - يُفَسِّرُ الْعَرَايَا بِتَفْسِيرٍ أَخَصَّ مِمَّا يَقُولُهُ الشَّافِعِيُّ : وَهُوَ أَنْ يَهَبَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ تَمْرَ نَخْلَةٍ أَوْ نَخْلَاتٍ ثُمَّ يَتَضَرَّرُ بِمُدَاخَلَةِ الْمَوْهُوبِ لَهُ ، فَيَشْتَرِيهَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ عِنْدَنَا مِنْ جُمْلَةِ الْعَرَايَا ، لَكِنَّ الْخِلَافَ مَعَهُ فِي قَصْرِهَا عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ : إنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا مِنْ غَيْرِ صَاحِبِ الْبُسْتَانِ إلَّا بِعَرَضٍ أَوْ نَقْدٍ ، وَنَحْنُ نَقُولُ : يَجُوزُ ، وَقَالَ : إنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ نَسِيئَةً وَزَادَ حَتَّى قَالَ : لَا يَجُوزُ نَقْدًا عَلَى مَا حُكِيَ عَنْهُ ، وَعَلَى هَذَا لَا تَبْقَى صُورَةٌ فِي الْعَرَايَا يَحْصُلُ فِيهَا اتِّفَاقٌ 342 بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ لِأَنَّ مَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ نُجِيزُهُ نَحْنُ نَقْدًا وَلَا نُجِيزُهُ نَسِيئًا ، وَهُوَ لَا يُجِيزُهُ وَيُجِيزُهُ نَسْئًا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ ، وَجَوَّزَ شِرَاءَهَا لِمُعْرِيهَا وَلِوَرَثَتِهِ ، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ عِنْدَهُ شِرَاءُ ثَمَرَةِ نَخْلَةٍ أَصْلُهَا لِغَيْرِهِ فِي حَائِطِهِ ، قَالَ : وَلَيْسَ بِقِيَاسٍ وَلَكِنَّهُ مَوْضِعُ تَخْفِيفٍ وَنَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ جَبْرًا ، وَيُجْرِيهِ مَجْرَى الشُّفْعَةِ خَوْفًا مِنْ سُوءِ الْمُشَارَكَةِ .
وَاخْتَلَفَتْ الْمَالِكِيَّةُ فِي عِلَّةِ الْجَوَابِ فِي مَنْعِهَا مِنْ الْمُعْرَى فَقِيلَ : لِوَجْهَيْنِ ، إمَّا لِدَفْعِ ضَرَرِ دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ أَوْ لِمِرْفَقٍ فِي الْكِفَايَةِ وَقَالَ بَعْضُ كِبَارِ أَصْحَابِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : لَا يَجُوزُ إلَّا لِدَفْعِ الضَّرَرِ خَاصَّةً ، وَأَنَّهُ إذَا أَعْرَى خَمْسَةَ أَوْسُقٍ أَوْ دُونَهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْتَرِيَ بَعْضَ عَرِيَّتِهِ لِأَنَّ الضَّرَرَ الَّذِي أُرْخِصَ بِهِ قَائِمٌ ، قَالَهُ فِي تَهْذِيبِهِمْ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ : وَوَافَقْنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي جُمْلَةِ قَوْلِنَا فِي بَيْعِ الْعَرَايَا ثُمَّ عَادَ فَقَالَ : لَا تُبَاعُ إلَّا مِنْ صَاحِبِهَا الَّذِي أَعْرَاهَا إذَا تَأَذَّى بِدُخُولِ الرَّجُلِ عَلَيْهِ بِتَمْرٍ إلَى الْجَذَاذِ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : كَمَا عَلَيْهِ أَجَلُهَا فَتَحِلُّ لِكُلِّ مُشْتَرٍ وَلَا أُحَرِّمُهَا فَنَقُولُ قَوْلَ مَنْ حَرَّمَهَا ، وَزَادَ فَقَالَ : تُبَاعُ بِتَمْرٍ نَسِيئَةً ، وَالنَّسِيئَةُ عِنْدَهُ فِي الطَّعَامِ حَرَامٌ ، وَزَادَ أَنَّ أَجَلَهَا إلَى الْجَذَاذِ فَجَعَلَ الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ إلَى أَجَلٍ وَإِلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ لِأَنَّ الْجَذَاذَ مَجْهُولٌ . وَاحْتَجَّ الْمُنْتَصِرُونَ لِمَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي تَفْسِيرِ الْعَرِيَّةِ بِذَلِكَ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ : " كَانَتْ الْعَرَايَا أَنْ يُعْرِيَ الرَّجُلُ فِي مَالِهِ النَّخْلَةَ وَالنَّخْلَتَيْنِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : وَقَالَ يَزِيدُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ الْعَرَايَا : نَخْلٌ كَانَتْ تُوهَبُ لِلْمَسَاكِينِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَنْتَظِرُوا بِهَا ، رُخِّصَ لَهُمْ أَنْ يَبِيعُوا بِمَا شَاءُوا مِنْ التَّمْرِ ، وَبِشِعْرِ شَاعِرِ الْأَنْصَارِ الْمُتَقَدِّمِ ( قُلْتُ ) وَقَدْ وَجَدْتُ لَهُمْ مَا هُوَ أَوْلَى بِأَنْ يَتَعَلَّقُوا بِهِ فَمِنْ ذَلِكَ الْحَدِيثُ الَّذِي تَقَدَّمَ قَرِيبًا عَنْ مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : " { ۝ رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعَرَايَا النَّخْلَةَ وَالنَّخْلَتَيْنِ يُوهَبَانِ لِلرَّجُلِ فَيَبِيعُهَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا } وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَخُصَّ أَنَّ الْوَاهِبَ هُوَ الَّذِي يَبْتَاعُ كَمَا تَقَدَّمَ وَكَمَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْفَتْحِ بْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ : 343 وَيَشْهَدُ لِتَأْوِيلِ مَالِكٍ أَمْرَانِ ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ الْعَرِيَّةَ مَشْهُورَةٌ بَيْنَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مُتَدَاوَلَةٌ بَيْنَهُمْ وَقَدْ نَقَلَهَا مَالِكٌ هَكَذَا ( وَالثَّانِي ) قَوْلُهُ : " رُخِّصَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا " فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِاخْتِصَاصِهِ بِصِفَةٍ يَتَمَيَّزُ بِهَا عَنْ غَيْرِهِ ، وَهِيَ الْهِبَةُ الْوَاقِعَةُ .
( قُلْتُ ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنَّهُ مُعَارَضٌ بِقَوْلِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ أَحَدِ شُيُوخِ مَالِكٍ ، وَهُوَ أَيْضًا مَدَنِيٌّ عَالِمٌ . فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ : الْعَرِيَّةُ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ تَمْرَ النَّخَلَاتِ بِطَعَامِ أَهْلِهِ رُطَبًا بِخَرْصِهَا تَمْرًا ، وَهَذَا هُوَ قَوْلُنَا ، وَأَمَّا الثَّانِي فَإِنَّ الْهِبَةَ هِيَ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِهَا عَنْ غَيْرِهِ مُخْتَصَّةٌ بِمُشْتَرِي الْعَرِيَّةِ لَا بِبَائِعِهَا ، فَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَالَ : رُخِّصَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ أَنْ يَشْتَرِيَهَا ، وَالْحَدِيثُ إنَّمَا قَالَ أَنْ يَبِيعَهَا وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَحَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَهُ فَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدْفَعُ قَوْلَنَا ، وَنَحْنُ نُسَلِّمُ أَنَّ الْعَرِيَّةَ كَانَتْ تُطْلَقُ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ الِاشْتِقَاقَ حَاصِلٌ فِيهَا وَهُوَ كَوْنُهَا مُفْرَدَةً وَأَكْثَرُ مَا كَانَ يَقَعُ الْإِفْرَادُ بِذَلِكَ السَّبَبِ ، وَلِذَلِكَ جَاءَتْ الرُّخْصَةُ لِأَصْحَابِ الْعَرَايَا عَلَى مَا هُوَ الْغَالِبُ ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ مُعْرِيهَا بَلْ أَطْلَقَ فَيَبْقَى عَلَى إطْلَاقِهِ ، وَلَهُ أَنْ يَبِيعَهَا مِمَّنْ شَاءَ وَلِهَذَا فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ الَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ أَنَّهُ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ النَّخْلَةَ وَالنَّخْلَتَيْنِ يَأْخُذُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا } " فَقَوْلُهُ : أَهْلُ الْبَيْتِ مُطْلَقٌ ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِبَيْعِهَا مِنْ الْمُعْرِي ، فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ جَوَازُ الْبَيْعِ مُطْلَقًا مِنْ كُلِّ أَحَدٍ وَلَا يَضُرُّنَا أَنْ نُسَلِّمَ أَنَّ أَصْحَابَ الْعَرَايَا هُمْ الَّذِينَ وُهِبَتْ لَهُمْ النَّخَلَاتُ وَوَرَدَتْ الرُّخْصَةُ لَهُمْ فِي الْبَيْعِ .
( فَإِنْ قُلْتَ ) فَعَلَى هَذَا لَا تَكُونُ الرُّخْصَةُ لِلْبَائِعِ ، وَالظَّاهِرُ مِنْ حَدِيثِ زَيْدٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ الرُّخْصَةَ لِلْمُشْتَرِي الَّذِي لَا نَقْدَ بِيَدِهِ ، رَخَّصَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ الرُّطَبَ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ بِالتَّمْرِ ( قُلْتُ ) : الرُّخْصَةُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا رَخَّصَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَشْتَرِيَ كَذَلِكَ ، وَرَخَّصَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَبِيعَ ، لِأَنَّهُ كَانَ مَمْنُوعًا قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ ، وَسَبَبُ الرُّخْصَةِ فِي حَقِّهِ أَمْرَانِ : 344 أَحَدُهُمَا ) حَاجَةُ الْمُشْتَرِي إلَيْهِ وَهُوَ الَّذِي لَا رُطَبَ عِنْدَهُ أَعْنِي الَّذِي تَقْتَضِي الْعَادَةُ أَنَّهُ يَطْلُبُ شِرَاءَ الرُّطَبِ وَيُرْشِدُ إلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا " .
( وَالثَّانِي ) أَنَّ أَصْحَابَ الْعَرَايَا هُمْ الْمَسَاكِينُ الَّذِينَ وُهِبَتْ مِنْهُمْ ، وَظَاهِرُ حَالِهِمْ الْحَاجَةُ ، وَقَدْ لَا تَصْبِرُ النَّفْسُ عَلَى أَكْلِ الرُّطَبِ دَائِمًا ، وَتَطْلُبُ التَّمْرَ الَّذِي هُوَ الْقُوتُ الْمُعْتَادُ عِنْدَهُمْ ، وَلَا كَذَلِكَ أَصْحَابُ النَّخِيلِ الَّذِينَ لَيْسُوا مِنْ الْمَسَاكِينِ ، فَإِنَّهُمْ مُسْتَغْنُونَ عَنْ الْبَيْعِ فِي الْحَالِ جُمْلَةً وَظَاهِرُ حَالِهِمْ الْغِنَى عَنْ شِرَاءِ الرُّطَبِ وَالتَّمْرِ مَعًا ، فَلِذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - وَرَدَتْ الرُّخْصَةُ فِي حَقِّ أَصْحَابِ الْعَرَايَا لِأَنَّهُمْ مَظِنَّةُ الْبَيْعِ ، لَا لِأَنَّ فِيهِمْ مَعْنًى مُصَحِّحًا لِلْبَيْعِ لَيْسَ فِي غَيْرِهِمْ ، فَأَصْحَابُ الْعَرَايَا هُمْ الْبَائِعُونَ . وَالْمُشْتَرَى لَمْ يَرِدْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ فِيهِ تَقْيِيدٌ إلَّا فِي حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ عَنْ زَيْدٍ مِنْ ذِكْرِ الْمَحَاوِيجِ ، وَلَيْسَ أُولَئِكَ بِمَقْصُودِينَ بِأَصْحَابِ الْعَرَايَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَمِمَّا يَبْعُدُ مَا ذَهَبَتْ إلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الرُّخْصَةُ فِي ذَلِكَ لِأَجْلِ ضَرَرِ الْمُدَاخَلَةِ لَمْ تَفْتَرِقْ الْحَالُ بَيْنَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ وَمَا فَوْقَهَا ، وَقَدْ سَلَّمَتْ الْمَالِكِيَّةُ اخْتِصَاصَهَا بِالْخَمْسَةِ الْأَوْسُقِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَاشْتَرَطَ الْخِرَقِيُّ مِنْ الْحَنْبَلِيَّةِ كَوْنَ الْعَرِيَّةِ مَوْهُوبَةً مِنْ بَائِعِهَا ، كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ ، وَالظَّاهِرُ عِنْدَهُمْ خِلَافُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ جَمَعَ الْمَاوَرْدِيُّ مُرَجِّحَاتِ الْمَذْهَبِ فِي خَمْسَةِ أَوْجُهٍ : اسْتِثْنَاؤُهَا عَنْ الْمُزَابَنَةِ ، وَإِثْبَاتُهَا بِلَفْظِ الرُّخْصَةِ الْمُشْعِرِ بِتَقَدُّمِ الْحَظْرِ ، وَبِلَفْظِ الْبَيْعِ الْمُقْتَضِي عِوَضَهَا ، وَاعْتِبَارُ الْمُسَاوَاةِ بِالْخَرْصِ ، وَتَقْدِيرُهَا بِقَدْرٍ مَخْصُوصٍ ، وَبَسْطُ ذَلِكَ مَعْلُومٌ مِمَّا تَقَدَّمَ . قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ : وَالْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى السُّنَّةِ وَلَا قِيَاسَ فِيهَا يُتَعَوَّلُ عَلَيْهِ ، وَقَدْ أَفَادَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي التَّصْوِيرِ شُرُوطًا كُلُّهَا مَوْجُودَةٌ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ : ( أَحَدُهَا ) أَنْ يَخْرُصَ مَا عَلَى النَّخِيلِ مِنْ الرُّطَبِ ، أَيْ رُطَبًا ، وَيَخْرِصُ مَا يَجِيءُ مِنْهُ إذَا جَفَّ فَيَأْتِي الْمُتَبَايِعَانِ إلَى النَّخْلِ وَيَحْزِرَانِهَا وَيَقُولَانِ : فِيهَا 345 الْآنَ وَهِيَ رُطَبُ سِتَّةِ أَوْسُقٍ مَثَلًا ، وَإِذَا يَبِسَتْ وَجَفَّتْ صَارَتْ أَرْبَعَةَ أَوْسُقٍ ، فَتُبَاعُ بِأَرْبَعَةِ أَوْسُقٍ تَمْرًا فَإِنْ زَادَهُ عَلَى الْأَرْبَعَةِ مُدًّا أَوْ نَقَصَهُ مُدًّا لَمْ يَجُزْ لِظُهُورِ التَّفَاضُلِ ، وَلَا يَضُرُّ كَوْنُ الرُّطَبِ الْآنَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ . فَأَمَّا خَرْصُهُ رُطَبًا فَلَا بُدَّ مِنْهُ ، وَإِنْ خُرِصَ مَا يَجِيءُ مِنْهُ جَافًّا فَسَيَأْتِي فِيهِ شَيْءٌ عَنْ أَحْمَدَ فِي الشَّرْطِ الثَّالِثِ مِمَّا نَحْنُ نَتَكَلَّمُ فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كَيْفِيَّةِ الْخَرْصِ مُسْتَوْفًى مِنْ بَابِ زَكَاةِ النَّبَاتِ .
( الثَّانِي ) أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ الَّذِي يُبَاعُ بِهِ مَعْلُومًا بِالْكَيْلِ ، لِقَوْلِهِ : ثُمَّ يَبِيعُ ذَاكَ بِقَدْرِهِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِإِبَاحَةِ بَيْعِ الْعَرَايَا ، وَمُسْتَنَدُهُ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " { ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيْلًا } " هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ جَمِيعًا ، قَالَ الْبُخَارِيُّ : " وَقَالَ ابْنُ إدْرِيسَ : لَا يَكُونُ إلَّا بِالْكَيْلِ مِنْ التَّمْرِ يَدًا بِيَدٍ ، لَا يَكُونُ بِالْجُزَافِ ، وَمِمَّا يُقَوِّيهِ قَوْلُ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ بِالْأَوْسُقِ الْمُوسَقَةِ " هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ ، يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّ الْأَوْسُقَ لَا تَكُونُ إلَّا كَيْلًا ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ اعْتِبَارُ الْكَيْلِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ ، سَقَطَ فِي أَحَدِهِمَا لِلتَّعَذُّرِ ، فَيَجِبُ فِي الْآخَرِ عَلَى الْأَصْلِ ، وَإِنْ تُرِكَ الْكَيْلُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ بِكَثْرَةِ الْغَرَرِ ، وَفِي تَرْكِهِ مِنْ أَحَدِهِمَا تَقْلِيلُ الْغَرَرِ ، وَلَا حَاجَةَ إلَى التَّطْوِيلِ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ تَمْرٍ جُزَافًا ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ ، وَالرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ . وَابْنُ إدْرِيسَ الَّذِي نَقَلَ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ الْأَوْدِيُّ ، وَعَلَى ذِهْنِي أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ : إنَّهُ الشَّافِعِيُّ ، وَلَمْ يَحْضُرْنِي مَوْضِعُهُ الْآنَ ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ .
( الثَّالِثُ ) أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ بِقَدْرِ مَا يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرًا ، وَلَا يَضُرُّ كَوْنُ الرُّطَبِ الْآنَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ كَمَا تَقَدَّمَ تَمْثِيلُهُ ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالْعَرَايَا ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ بِخَرْصِهَا رُطَبًا ، وَيُعْطَى تَمْرًا خِرْصَهُ قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ مِنْهُمْ : وَهَذَا يَحْتَمِلُ الْأَوَّلُ ، أَنَّهُ يَشْتَرِيهَا بِتَمْرٍ مِثْلِ الرُّطَبِ الَّذِي عَلَيْهَا ، لِأَنَّهُ بَيْعٌ اُشْتُرِطَتْ الْمُمَاثَلَةُ فِيهِ ، فَاعْتُبِرَتْ حَالَ الْبَيْعِ كَسَائِرِ الْبُيُوعِ ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ اعْتِبَارُ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْحَالِ ، وَأَنْ لَا يُبَاعَ الرُّطَبُ بِالتَّمْرِ ، خُولِفَ 346 الْأَصْلُ فِي بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ ، فَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى قِصَّةِ الدَّلِيلِ ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ خِلَافُ هَذَا ، وَالْجَوَابُ عَنْ الدَّلِيلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لَا يَخْفَى ، وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الْآخَرِ يَكُونُ خَرْصُهَا تَمْرًا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ عِنْدَهُمْ ، قَالَ الْقَاضِي وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى خَرْصِ الثِّمَارِ فِي الْعَشْرِ وَالصَّحِيحُ ثَمَّ - خَرْصُهُ تَمْرًا .
( الرَّابِعُ ) أَنْ يَتَقَابَضَا فَمَتَى تَفَرَّقَا قَبْلَ التَّقَابُضِ فَسَدَ الْعَقْدُ ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَالْأَصْحَابُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ فِيهِ ، وَالتَّقَابُضُ فِي التَّمْرِ ظَاهِرٌ بِالْكَيْلِ وَالنَّقْلِ ( وَأَمَّا ) فِي الرُّطَبِ الَّذِي عَلَى النَّخْلِ فَبِالتَّخْلِيَةِ بَيْنَ الْمُشْتَرَى وَبَيْنَ النَّخْلَةِ ، هَكَذَا نَصَّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأُمِّ : وَهَذَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : وَلِيُسَلِّمَ إلَيْهِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأُمِّ : وَلَا يَجُوزُ الْبَيْعُ فِيهَا حَتَّى تُقْبَضَ النَّخْلَةُ بِثَمَرِهَا ، وَيَقْبِضَ صَاحِبُ النَّخْلَةِ التَّمْرَ بِكَيْلِهِ . وَلَا خِلَافَ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ حِكَايَةِ الشَّافِعِيِّ وَعَنْ مَالِكٍ جَوَازُ ذَلِكَ إلَى الْجَذَاذِ وَبَحْثُهُ فِي ذَلِكَ كَافٍ . وَاسْتَشْكَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ الِاكْتِفَاءَ بِالتَّخْلِيَةِ إذَا قُلْنَا بِالْقَدِيمِ ، وَهُوَ أَنَّ الثَّمَرَةَ تَكُونُ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ إلَى أَنْ [ يَحِينَ ] الْقَطْعُ ، وَلَا يُشْتَرَطُ حُضُورُ التَّمْرِ عِنْدَ تَمْرِ النَّخِيلِ ، بَلْ لَوْ تَبَايَعَا بَعْدَ رُؤْيَةِ التَّمْرِ وَالثَّمَرَةِ ثُمَّ خُلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّمَرَةِ ، ثُمَّ مَشْيًا إلَى التَّمْرِ فَسَلَّمَهُ جَازَ ، قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَيُشْتَرَطُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ أَنْ لَا يَفْتَرِقَا ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : فَإِذَا افْتَرَقَا لَزِمَتْ الْعَرِيَّةُ ، وَلَا خِيَارَ ، ثُمَّ لِلْمُشْتَرِي بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَجْتَنِيَ ثَمَرَةَ النَّخْلَةِ حَالًا بَعْدَ حَالٍ عِنْدَ إدْرَاكِهَا .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث