المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الحادي عشر
( الشَّرْحُ ) حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا الْأَوَّلُ رَوَاهُ بِلَفْظِهِ الْمَذْكُورِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ : الثَّمَرَةُ ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَتَبَايَعُوا الثَّمَرَةَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا } زَادَ مُسْلِمٌ { وَتَذْهَبَ عَنْهُ الْآفَةُ } ( وَأَمَّا ) حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الثَّانِي فَرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَلَفْظُهُ : " { عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ ، وَعَنْ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ وَيَأْمَنَ الْعَاهَةَ ، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ } وَفِي رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ الرَّاوِي : { فَقُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ : مَتَى ذَلِكَ ؟ قَالَ : طُلُوعُ الثُّرَيَّا } وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَفِي غَيْرِهِمَا فِي الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ ( مِنْهَا ) حَدِيثُ ابْنُ عُمَرَ الْمَذْكُورُ ( وَمِنْهَا ) عَنْ أَنَسٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهْي عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تَزْهُوَ } ، قَالَ الرَّاوِي : { فَقُلْنَا لِأَنَسَ : مَا زَهْوُهَا ؟ قَالَ : تَحْمَرُّ وَتَصْفَرُّ ، قَالَ : أَرَأَيْتَ إذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ فَبِمَ يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ ؟ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ . وَقَدْ كَثُرَ الزَّهْوُ فِي الْحَدِيثِ يُقَالُ : زَهَا النَّخْلُ يَزْهُو ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : 116 هَكَذَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ " يَزْهُوَ " ، وَالصَّوَابُ فِي الْعَرَبِيَّةِ : يُزْهِي وَقَالَ غَيْرُهُ : لَيْسَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ ، فَإِنَّ اللُّغَتَيْنِ قَدْ جَاءَا عِنْدَ بَعْضِهِمْ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : زَهَا النَّخْلُ إذَا طَالَ وَاكْتَهَلَ ، وَهَذَا الْقَوْلُ مُخَالِفٌ لِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ تَفْسِيرِ أَنَسٍ الْعَارِفِ بِالْعَرَبِيَّةِ ، وَلِمَعْنَى الْحَدِيثِ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الشَّافِعِيِّ لِهَذَا الْحَدِيثِ : { قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ . وَمَا تُزْهِي ، قَالَ : حَتَّى تَحْمَرَّ } وَالزَّهْوُ - بِفَتْحِ الزَّايِ - وَذَكَرَ ابْنُ مَعِينٍ أَنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ يَضُمُّونَ الزَّايَ وَهُوَ غَرِيبٌ ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَتَبَايَعُوا الثَّمَرَةَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا ، وَلَا تَتَبَايَعُوا الثَّمَرَ بِالثَّمَرِ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَقَوْلُهُ : " يَبْدُوَ " أَيْ " يَظْهَرَ " ، يُقَالُ : بَدَا يَبْدُو ، مِثْلَ : دَعَا يَدْعُو ، فَأَمَّا بَدَأَ يَبْدَأُ - بِالْهَمْزِ - فَمِنْ الِابْتِدَاءِ .
وَعَنْ جَابِرٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ تُبَاعَ الثَّمَرَةُ حَتَّى يُشْقَحَ ، قِيلَ : وَمَا يُشْقَحُ ؟ قَالَ : تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ وَيُؤْكَلُ مِنْهَا } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَقَوْلُهُ يُشْقَحُ - بِضَمِّ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتٍ وَإِسْكَانِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ - وَبَعْدَ الْقَافِ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ ، وَيُرْوَى - بِفَتْحِ الشِّينِ وَتَشْدِيدِ الْقَافِ - يُقَالُ : أَشْقَحَ وَشَقِحَ ، وَرُوِيَ يُشْقَهُ بِإِبْدَالِ الْحَاءِ هَاءً ، وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي الْحَدِيثِ قَالَ : وَالْإِشْقَاهُ أَنْ يَحْمَرَّ أَوْ يَصْفَرَّ ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : { حَتَّى يُطْعَمَ } وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : { حَتَّى يَطِيبَ } ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَأْكُلَ مِنْهُ أَوْ يُؤْكَلَ ، وَحَتَّى يُوزَنَ ، قَالَ : فَقُلْتُ : مَا يُوزَنُ ؟ فَقَالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ : حَتَّى يُحْرَزَ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ .
وَعَنْ أَنَسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ ، وَعَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالْحَبُّ الطَّعَامُ ، وَاشْتِدَادُهُ قُوَّتُهُ وَصَلَابَتُهُ . فَهَذِهِ أَحَادِيثُ مِنْ رِوَايَةِ خَمْسَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ تَمْنَعُ مِنْ بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ ، وَعَنْ عَمْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا أَنَّهُ { : نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تَنْجُوَ مِنْ الْعَاهَةِ } رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَأَلْفَاظُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مُخْتَلِفَةٌ ، وَمَعَانِيهَا مُتَّفِقَةٌ .
قَالَ الْعُلَمَاءُ : إمَّا أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهَا فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ وَنَقَلَ كُلُّ وَاحِدٍ 117 مِنْ الرُّوَاةِ مَا سَمِعَ ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَالَ لَفْظًا فِي وَقْتٍ وَنَقَلَهُ الرُّوَاةُ بِالْمَعْنَى ، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : { كَانَ النَّاسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَبَايَعُونَ الثِّمَارَ ، فَإِذَا جَذَّ النَّاسُ وَحَضَرَ تَقَاضِيَهُمْ قَالَ الْمُبْتَاعُ : إنَّهُ أَصَابَ الثَّمَرَ الذَّمَانُ أَصَابَهُ مُرَاضٌ أَصَابَهُ قُشَامٌ - عَاهَاتٌ يَحْتَجُّونَ بِهَا - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا كَثُرَتْ عِنْدَهُ الْخُصُومَةُ فِي ذَلِكَ : إمَّا لَا فَلَا تَتَبَايَعُوا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُ الثَّمَرَةِ } كَالْمَشُورَةِ يُشِيرُ بِهَا لِكَثْرَةِ خُصُومَتِهِمْ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ " الذَّمَانُ - بِفَتْحِ الذَّالِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ - عَفَنٌ يُصِيبُ النَّخْلَ فَيَنْشَقُّ أَوَّلَ مَا يَبْدُو مِنْ عَفَنٍ وَسَوَادٍ ، وَالْمُرَاضُ - بِضَمِّ الْمِيمِ - دَاءٌ يَقَعُ فِي الثَّمَرَةِ فَتَهْلِكُ ، وَالْقُشَامُ - بِضَمِّ الْقَافِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ - : أَنْ يُنْتَقَصَ ثَمَرُ النَّخْلِ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ بَلَحًا .
( وَقَوْلُهُ ) : إمَّا لَا ، أَيْ إنْ لَمْ تَفْعَلُوا هَذَا ، فَلْيَكُنْ هَذَا ، وَأَصْلُهَا : إنْ الشَّرْطِيَّةُ زِيدَتْ عَلَيْهَا مَا وَأُدْغِمَتْ فِيهَا ، وَأُدْخِلَتْ عَلَى لَا النَّافِيَةِ ، وَقَدْ يُقَالُ : إنَّ حَدِيثَ زَيْدٍ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا النَّهْيَ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ التَّحْرِيمِ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إمَّا لَا } ، وَلِقَوْلِ الرَّاوِي كَالْمَشُورَةِ لَهُمْ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَحَتِّمٍ ، وَالتَّمَسُّكُ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ الرَّاوِي كَالْمَشُورَةِ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، فَإِنَّ كُلَّ أَوَامِرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَوَاهِيهِ لِمَصَالِحِهِمْ الْأُخْرَوِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ ، وَأَمَّا التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ : { إمَّا لَا } ، فَلِأَنَّهُ يَقْضِي : أَنَّ النَّهْيَ مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطٍ وَهُوَ الَّذِي نُقَدِّرُهُ ، وَاَلَّذِي يَلِيقُ بِهَذَا الْمَوْضِعِ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ إنْ لَا تَرَاجَعُوا عَنْ الْخُصُومَةِ أَوْ مَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ ، فَذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ صُورَتُهُ صُورَةَ التَّعْلِيقِ ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ التَّعْلِيقَ ، فَإِنَّ رُجُوعَهُمْ عَنْ الْخُصُومَةِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ لَا يُعْلَمُ ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَبْقَى الْحُكْمُ مَوْقُوفًا عَلَى ذَلِكَ ، فَالْمُرَادُ : - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْشَأَ النَّهْيَ لِأَجْلِ ذَلِكَ ، وَكَأَنَّهُ اُسْتُعْمِلَ بِمَعْنَى إذْ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ لِلتَّعْلِيلِ ، وَمِمَّا يُرْشِدُ إلَى أَنَّ النَّهْيَ حَتْمٌ قَوْلُهُ : { نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ } ، فَإِنَّهُ تَأْكِيدٌ لِلْمَنْعِ ، وَإِنْ كَانَ لِمَصْلَحَةِ الْمُشْتَرِي .
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِجُمْلَةِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَالَ أَبُو الْفَتْحِ الْقُشَيْرِيُّ : أَكْثَرُ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ نَهْيُ تَحْرِيمٍ ، وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ : { أَرَأَيْتَ إنْ مَنَعَ اللَّهُ تَعَالَى الثَّمَرَةَ فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ ؟ } ، وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ بَيَانُ أَنَّهُ 118 مِنْ كَلَامِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - والدراوردي ، وَخَالَفَهُمَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ ، فَجَعَلَاهُ مِنْ كَلَامِ أَنَسٍ ، وَإِتْقَانُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَضَبْطُهُ مَعَ كَوْنِهِ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا رَوَاهُ سُفْيَانُ يَقْتَضِي الْحُكْمَ بِكَوْنِ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَكُونُ أَنَسٌ قَالَهُ مِنْ كَلَامِهِ لَمْ يَأْتِ فِيهِ بِالرَّفْعِ ، وَأَنَّ عِنْدَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَوَى عَنْهُ كَذَلِكَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ ، وَيَثْبُتُ كَوْنُهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ شَارِحِي التَّنْبِيهِ : أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ انْفَرَدَ عَنْ جُمْهُورِ الْمُحَدِّثِينَ بِرَفْعِهِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، فَقَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ مَالِكٍ غَيْرُ الشَّافِعِيِّ ، وَرَوَاهُ مَعَ مَالِكٍ عَنْ حُمَيْدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ كَمَا رَأَيْتَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( أَمَّا الْأَحْكَامُ ) فَقَدْ قَسَّمَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ بَيْعَ الثَّمَرَةِ إلَى قِسْمَيْنِ : ( الْقِسْمُ الْأَوَّلُ ) أَنْ يَبِيعَهَا قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ وَذَلِكَ عَلَى قِسْمَيْنِ ( الْأَوَّلُ ) : أَنْ تُبَاعَ مُفْرَدَةً عَنْ الْأَشْجَارِ وَذَلِكَ عَلَى قِسْمَيْنِ ( الْأَوَّلُ ) : أَنْ تَكُونَ الْأَشْجَارُ لِلْبَائِعِ أَوْ لِغَيْرِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ ، فَبَيْعُ الثَّمَرَةِ حِينَئِذٍ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ ، وَهَذَا التَّقْسِيمُ أَحْسَنُ ، وَإِنْ شِئْتَ تَقُولُ - وَهُوَ أَقْرَبُ إلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ : إنَّ بَيْعَ الثَّمَرَةِ عَلَى قِسْمَيْنِ ( الْأَوَّلُ ) : أَنْ يَبِيعَهَا قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ ، وَذَلِكَ عَلَى قِسْمَيْنِ ( الْأَوَّلُ ) : أَنْ تُبَاعَ مِنْ غَيْرِ مَالِكِ الْأَصْلِ ، وَذَلِكَ عَلَى قِسْمَيْنِ ( الْأَوَّلُ ) : أَنْ تَكُونَ مُفْرَدَةً عَنْ الْأَشْجَارِ وَذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ ( الْأَوَّلُ ) : أَنْ يَبِيعَهَا بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ ، فَبَيْعُهَا بَاطِلٌ بِلَا خِلَافٍ لِلْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ .
( الثَّانِي ) : أَنْ يَبِيعَهَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ بِلَا خِلَافٍ ; لِأَنَّهُ بِالْقَطْعِ يَزُولُ الْمَحْذُورُ مِنْ الْآفَةِ وَالْعَاهَةِ ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِالْإِجْمَاعِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا ، وَنَقَلَ ابْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِهِ الْمُحَلَّى عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى مَنْعَ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا جُمْلَةً ، لَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ وَلَا بِغَيْرِهِ ، وَالشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَخَذَ جَوَازَ بَيْعِهَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " { أَرَأَيْتَ إذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ ؟ } كَذَلِكَ 119 قَالَ فِي الْأُمِّ ، فَإِنَّ الثَّمَرَةَ الَّتِي تُقْطَعُ لِآفَةٍ تَأَتِّي عَلَيْهَا ، فَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ مَا يُتْرَكُ مُدَّةً تَكُونَ فِيهَا الْآفَةُ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِعِلَّةٍ مُسْتَنْبَطَةٍ مِنْهُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ فِيهِ خِلَافٌ . وَأَمَّا هَذِهِ الْعِلَّةُ فَمَنْصُوصَةٌ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ اسْتِفَادَةَ التَّعْلِيلِ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ ظَاهِرَةٌ ، وَهُوَ مِنْ أَقْوَى دَرَجَاتِ الْإِيمَاءِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ أَدِلَّةِ الْعِلَّةِ ، وَلَعَلَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنَّمَا مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّ التَّعْلِيلَ الْمَذْكُورَ مِنْ كَلَامِ أَنَسٍ كَمَا قَدَّمْتُهُ ، فَلَعَلَّهُ لِذَلِكَ لَمْ يَأْخُذْ بِهِ ، لَكِنْ فِي الْحَدِيثِ أَلْفَاظٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ( مِنْهَا ) قَوْلُهُ : { حَتَّى تَنْجُوَ مِنْ الْعَاهَةِ } ، ( وَمِنْهَا ) قَوْلُهُ : { حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا } ، يَعْنِي : أَنَّهَا بَعْدَ الصَّلَاحِ تَأْمَنُ مِنْ الْعَاهَاتِ وَالْجَوَائِحِ غَالِبًا لِكِبَرِهَا ، وَغِلَظِ نَوَاهَا ، وَقَبْلَ الصَّلَاحِ تُسْرِعُ إلَيْهَا الْعَاهَاتُ لِضَعْفِهَا ، فَإِذَا تَلِفَتْ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ فِي مُقَابَلَةِ الثَّمَنِ ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ .
فَإِذَا شَرَطَ الْقَطْعَ عُرِفَ أَنَّ غَرَضَهُ هُوَ الْحِصْرِمُ وَهُوَ حَاصِلٌ ، وَقِيلَ مَعْنًى آخَرُ ضَعِيفٌ نَقَلَهُ الْإِمَامُ ، وَهُوَ - أَنَّهَا قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ - أَجْزَاؤُهَا كِبَرًا ظَاهِرًا مِنْ أَجْزَاءِ الشَّجَرَةِ ، وَقَدْ اتَّفَقَ عَلَى الْقَوْلِ بِالْجَوَازِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ
وَعَنْ جَابِرٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ تُبَاعَ الثَّمَرَةُ حَتَّى يُشْقَحَ ، قِيلَ : وَمَا يُشْقَحُ ؟ قَالَ : تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ وَيُؤْكَلُ مِنْهَا } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَقَوْلُهُ يُشْقَحُ - بِضَمِّ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتٍ وَإِسْكَانِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ - وَبَعْدَ الْقَافِ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ ، وَيُرْوَى - بِفَتْحِ الشِّينِ وَتَشْدِيدِ الْقَافِ - يُقَالُ : أَشْقَحَ وَشَقِحَ ، وَرُوِيَ يُشْقَهُ بِإِبْدَالِ الْحَاءِ هَاءً ، وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي الْحَدِيثِ قَالَ : وَالْإِشْقَاهُ أَنْ يَحْمَرَّ أَوْ يَصْفَرَّ ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : { حَتَّى يُطْعَمَ } وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : { حَتَّى يَطِيبَ } ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَأْكُلَ مِنْهُ أَوْ يُؤْكَلَ ، وَحَتَّى يُوزَنَ ، قَالَ : فَقُلْتُ : مَا يُوزَنُ ؟ فَقَالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ : حَتَّى يُحْرَزَ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ .
وَعَنْ أَنَسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ ، وَعَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالْحَبُّ الطَّعَامُ ، وَاشْتِدَادُهُ قُوَّتُهُ وَصَلَابَتُهُ . فَهَذِهِ أَحَادِيثُ مِنْ رِوَايَةِ خَمْسَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ تَمْنَعُ مِنْ بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ ، وَعَنْ عَمْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا أَنَّهُ { : نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تَنْجُوَ مِنْ الْعَاهَةِ } رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَأَلْفَاظُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مُخْتَلِفَةٌ ، وَمَعَانِيهَا مُتَّفِقَةٌ .
قَالَ الْعُلَمَاءُ : إمَّا أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهَا فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ وَنَقَلَ كُلُّ وَاحِدٍ 117 مِنْ الرُّوَاةِ مَا سَمِعَ ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَالَ لَفْظًا فِي وَقْتٍ وَنَقَلَهُ الرُّوَاةُ بِالْمَعْنَى ، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : { كَانَ النَّاسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَبَايَعُونَ الثِّمَارَ ، فَإِذَا جَذَّ النَّاسُ وَحَضَرَ تَقَاضِيَهُمْ قَالَ الْمُبْتَاعُ : إنَّهُ أَصَابَ الثَّمَرَ الذَّمَانُ أَصَابَهُ مُرَاضٌ أَصَابَهُ قُشَامٌ - عَاهَاتٌ يَحْتَجُّونَ بِهَا - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا كَثُرَتْ عِنْدَهُ الْخُصُومَةُ فِي ذَلِكَ : إمَّا لَا فَلَا تَتَبَايَعُوا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُ الثَّمَرَةِ } كَالْمَشُورَةِ يُشِيرُ بِهَا لِكَثْرَةِ خُصُومَتِهِمْ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ " الذَّمَانُ - بِفَتْحِ الذَّالِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ - عَفَنٌ يُصِيبُ النَّخْلَ فَيَنْشَقُّ أَوَّلَ مَا يَبْدُو مِنْ عَفَنٍ وَسَوَادٍ ، وَالْمُرَاضُ - بِضَمِّ الْمِيمِ - دَاءٌ يَقَعُ فِي الثَّمَرَةِ فَتَهْلِكُ ، وَالْقُشَامُ - بِضَمِّ الْقَافِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ - : أَنْ يُنْتَقَصَ ثَمَرُ النَّخْلِ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ بَلَحًا .
( وَقَوْلُهُ ) : إمَّا لَا ، أَيْ إنْ لَمْ تَفْعَلُوا هَذَا ، فَلْيَكُنْ هَذَا ، وَأَصْلُهَا : إنْ الشَّرْطِيَّةُ زِيدَتْ عَلَيْهَا مَا وَأُدْغِمَتْ فِيهَا ، وَأُدْخِلَتْ عَلَى لَا النَّافِيَةِ ، وَقَدْ يُقَالُ : إنَّ حَدِيثَ زَيْدٍ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا النَّهْيَ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ التَّحْرِيمِ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إمَّا لَا } ، وَلِقَوْلِ الرَّاوِي كَالْمَشُورَةِ لَهُمْ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَحَتِّمٍ ، وَالتَّمَسُّكُ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ الرَّاوِي كَالْمَشُورَةِ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، فَإِنَّ كُلَّ أَوَامِرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَوَاهِيهِ لِمَصَالِحِهِمْ الْأُخْرَوِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ ، وَأَمَّا التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ : { إمَّا لَا } ، فَلِأَنَّهُ يَقْضِي : أَنَّ النَّهْيَ مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطٍ وَهُوَ الَّذِي نُقَدِّرُهُ ، وَاَلَّذِي يَلِيقُ بِهَذَا الْمَوْضِعِ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ إنْ لَا تَرَاجَعُوا عَنْ الْخُصُومَةِ أَوْ مَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ ، فَذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ صُورَتُهُ صُورَةَ التَّعْلِيقِ ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ التَّعْلِيقَ ، فَإِنَّ رُجُوعَهُمْ عَنْ الْخُصُومَةِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ لَا يُعْلَمُ ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَبْقَى الْحُكْمُ مَوْقُوفًا عَلَى ذَلِكَ ، فَالْمُرَادُ : - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْشَأَ النَّهْيَ لِأَجْلِ ذَلِكَ ، وَكَأَنَّهُ اُسْتُعْمِلَ بِمَعْنَى إذْ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ لِلتَّعْلِيلِ ، وَمِمَّا يُرْشِدُ إلَى أَنَّ النَّهْيَ حَتْمٌ قَوْلُهُ : { نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ } ، فَإِنَّهُ تَأْكِيدٌ لِلْمَنْعِ ، وَإِنْ كَانَ لِمَصْلَحَةِ الْمُشْتَرِي .
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِجُمْلَةِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَالَ أَبُو الْفَتْحِ الْقُشَيْرِيُّ : أَكْثَرُ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ نَهْيُ تَحْرِيمٍ ، وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ : { أَرَأَيْتَ إنْ مَنَعَ اللَّهُ تَعَالَى الثَّمَرَةَ فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ ؟ } ، وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ بَيَانُ أَنَّهُ 118 مِنْ كَلَامِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - والدراوردي ، وَخَالَفَهُمَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ ، فَجَعَلَاهُ مِنْ كَلَامِ أَنَسٍ ، وَإِتْقَانُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَضَبْطُهُ مَعَ كَوْنِهِ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا رَوَاهُ سُفْيَانُ يَقْتَضِي الْحُكْمَ بِكَوْنِ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَكُونُ أَنَسٌ قَالَهُ مِنْ كَلَامِهِ لَمْ يَأْتِ فِيهِ بِالرَّفْعِ ، وَأَنَّ عِنْدَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَوَى عَنْهُ كَذَلِكَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ ، وَيَثْبُتُ كَوْنُهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ شَارِحِي التَّنْبِيهِ : أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ انْفَرَدَ عَنْ جُمْهُورِ الْمُحَدِّثِينَ بِرَفْعِهِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، فَقَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ مَالِكٍ غَيْرُ الشَّافِعِيِّ ، وَرَوَاهُ مَعَ مَالِكٍ عَنْ حُمَيْدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ كَمَا رَأَيْتَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( أَمَّا الْأَحْكَامُ ) فَقَدْ قَسَّمَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ بَيْعَ الثَّمَرَةِ إلَى قِسْمَيْنِ : ( الْقِسْمُ الْأَوَّلُ ) أَنْ يَبِيعَهَا قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ وَذَلِكَ عَلَى قِسْمَيْنِ ( الْأَوَّلُ ) : أَنْ تُبَاعَ مُفْرَدَةً عَنْ الْأَشْجَارِ وَذَلِكَ عَلَى قِسْمَيْنِ ( الْأَوَّلُ ) : أَنْ تَكُونَ الْأَشْجَارُ لِلْبَائِعِ أَوْ لِغَيْرِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ ، فَبَيْعُ الثَّمَرَةِ حِينَئِذٍ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ ، وَهَذَا التَّقْسِيمُ أَحْسَنُ ، وَإِنْ شِئْتَ تَقُولُ - وَهُوَ أَقْرَبُ إلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ : إنَّ بَيْعَ الثَّمَرَةِ عَلَى قِسْمَيْنِ ( الْأَوَّلُ ) : أَنْ يَبِيعَهَا قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ ، وَذَلِكَ عَلَى قِسْمَيْنِ ( الْأَوَّلُ ) : أَنْ تُبَاعَ مِنْ غَيْرِ مَالِكِ الْأَصْلِ ، وَذَلِكَ عَلَى قِسْمَيْنِ ( الْأَوَّلُ ) : أَنْ تَكُونَ مُفْرَدَةً عَنْ الْأَشْجَارِ وَذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ ( الْأَوَّلُ ) : أَنْ يَبِيعَهَا بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ ، فَبَيْعُهَا بَاطِلٌ بِلَا خِلَافٍ لِلْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ .
( الثَّانِي ) : أَنْ يَبِيعَهَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ بِلَا خِلَافٍ ; لِأَنَّهُ بِالْقَطْعِ يَزُولُ الْمَحْذُورُ مِنْ الْآفَةِ وَالْعَاهَةِ ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِالْإِجْمَاعِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا ، وَنَقَلَ ابْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِهِ الْمُحَلَّى عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى مَنْعَ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا جُمْلَةً ، لَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ وَلَا بِغَيْرِهِ ، وَالشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَخَذَ جَوَازَ بَيْعِهَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " { أَرَأَيْتَ إذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ ؟ } كَذَلِكَ 119 قَالَ فِي الْأُمِّ ، فَإِنَّ الثَّمَرَةَ الَّتِي تُقْطَعُ لِآفَةٍ تَأَتِّي عَلَيْهَا ، فَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ مَا يُتْرَكُ مُدَّةً تَكُونَ فِيهَا الْآفَةُ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِعِلَّةٍ مُسْتَنْبَطَةٍ مِنْهُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ فِيهِ خِلَافٌ . وَأَمَّا هَذِهِ الْعِلَّةُ فَمَنْصُوصَةٌ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ اسْتِفَادَةَ التَّعْلِيلِ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ ظَاهِرَةٌ ، وَهُوَ مِنْ أَقْوَى دَرَجَاتِ الْإِيمَاءِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ أَدِلَّةِ الْعِلَّةِ ، وَلَعَلَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنَّمَا مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّ التَّعْلِيلَ الْمَذْكُورَ مِنْ كَلَامِ أَنَسٍ كَمَا قَدَّمْتُهُ ، فَلَعَلَّهُ لِذَلِكَ لَمْ يَأْخُذْ بِهِ ، لَكِنْ فِي الْحَدِيثِ أَلْفَاظٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ( مِنْهَا ) قَوْلُهُ : { حَتَّى تَنْجُوَ مِنْ الْعَاهَةِ } ، ( وَمِنْهَا ) قَوْلُهُ : { حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا } ، يَعْنِي : أَنَّهَا بَعْدَ الصَّلَاحِ تَأْمَنُ مِنْ الْعَاهَاتِ وَالْجَوَائِحِ غَالِبًا لِكِبَرِهَا ، وَغِلَظِ نَوَاهَا ، وَقَبْلَ الصَّلَاحِ تُسْرِعُ إلَيْهَا الْعَاهَاتُ لِضَعْفِهَا ، فَإِذَا تَلِفَتْ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ فِي مُقَابَلَةِ الثَّمَنِ ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ .
فَإِذَا شَرَطَ الْقَطْعَ عُرِفَ أَنَّ غَرَضَهُ هُوَ الْحِصْرِمُ وَهُوَ حَاصِلٌ ، وَقِيلَ مَعْنًى آخَرُ ضَعِيفٌ نَقَلَهُ الْإِمَامُ ، وَهُوَ - أَنَّهَا قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ - أَجْزَاؤُهَا كِبَرًا ظَاهِرًا مِنْ أَجْزَاءِ الشَّجَرَةِ ، وَقَدْ اتَّفَقَ عَلَى الْقَوْلِ بِالْجَوَازِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث