المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الحادي عشر
( وَأَمَّا ) اقْتِصَارُ الْمُصَنِّفِ فِي التَّرْجَمَةِ عَلَى الْمُصَرَّاةِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَسُكُوتُهُ عَلَى خِيَارِ الْخُلْفِ ، وَإِنْ كَانَ الْخُلْفُ لَيْسَ بِعَيْبٍ ، وَلَكِنَّهُ فَوَاتُ فَضِيلَةٍ فَلِأَجْلِ اسْتِوَائِهَا فِي النَّقْصِ فِيهِ بِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ ; وَلِأَنَّ التَّصْرِيَةَ وَالرَّدَّ بِالْعَيْبِ فَرْعَانِ لِأَصْلٍ بِالْمَعْنَى الَّذِي لَحَظَهُ الْغَزَالِيُّ كَمَا تَقَدَّمَ ، فَذِكْرُهُمَا فِي التَّرْجَمَةِ مُنَبِّهٌ عَلَى أَصْلِهِمَا بِطَرِيقٍ أَوْلَى ، وَوَضَعَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْبَابَ ; لِأَنَّهُ فَرْعٌ مِنْ الْأَبْوَابِ الْمُتَضَمِّنَةِ شُرُوطَ الْعَقْدِ مُطْلَقًا فِي بَابِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ ، وَشُرُوطُهُ فِي الرِّبَوِيَّاتِ وَبَيْعِ الثِّمَارِ أَخْذٌ فِي أَسْبَابِ الْفَسْخِ وَاسْتِدْرَاكُ مَا يَقَعُ فِي الْبَيْعِ مِنْ الْعَيْبِ بِالْفَسْخِ أَوْ بِالْأَرْشِ .
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ : " أَوْ بَقَرَةً " لِيَتَبَيَّنَ أَنَّ الْحُكْمَ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَى الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ اللَّذَيْنِ ضَمَّنَهُمَا الْحَدِيثَ الَّذِي ذَكَرَهُ ، بَلْ هُوَ شَامِلٌ إمَّا بِالْقِيَاسِ إذَا اقْتَصَرَ عَلَى الْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ ، وَذَلِكَ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى ; لِأَنَّ لَبَنَ الْبَقَرِ أَغْزَرُ وَأَكْثَرُ بَيْعًا مِنْ لَبَنِ الْإِبِلِ وَإِمَّا بِالنَّصِّ ، فَإِنَّ فِي الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ " مَنْ اشْتَرَى مُصَرَّاةً " ، وَقَالَ بَعْضُ شَارِحِي التَّنْبِيهِ : إنَّ ذَلِكَ لِلرَّدِّ عَلَى الظَّاهِرِيِّينَ الَّذِينَ 205 خَصُّوا الْحُكْمَ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ مِنْ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ ، وَهَذَا الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ الظَّاهِرِيِّينَ نَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ دَاوُد ، فَصَرَّحَ ابْنُ الْمُغَلِّسِ وَابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيَّانِ بِأَنَّ : شُمُولَ الْحُكْمِ تَمَسُّكٌ بِالنَّصِّ الْعَامِّ وَهُوَ قَوْلُهُ " مَنْ اشْتَرَى مُصَرَّاةً " وَلَمْ يَحْكِيَا فِي ذَلِكَ خِلَافًا ، وَهُوَ اللَّائِقُ بِمَذْهَبِهِمْ أَخْذًا بِعُمُومِ الْخَبَرِ ، وَلَا يَجِبُ تَقْيِيدُ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ بِالْآخَرِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمُطْلَقِ ، وَالْخَبَرُ هَهُنَا عَامٌّ لِصِيغَةِ " مَنْ " . لَكِنْ يَعْرِضُ هَهُنَا بَحْثَانِ . ( أَحَدُهُمَا ) : أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ الَّذِي فِيهِ " مَنْ اشْتَرَى مُصَرَّاةً " مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَتِهِ أَيْضًا " : مَنْ اشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً " ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ فِيهَا زِيَادَةٌ لَيْسَتْ فِي الْأُولَى ، وَزِيَادَةُ الْعَدْلِ مَقْبُولَةٌ ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا وَعَدَمُ الْقَوْلِ بِالْعُمُومِ ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ وَاحِدٌ وَمُخْرِجَهُ وَاحِدٌ .
وَوَجْهُ إدْرَاكِ الصَّوَابِ فِي هَذَا الْبَحْثِ أَنَّا نَظَرْنَا الرِّوَايَةَ الْعَامَّةَ الْمَذْكُورَةَ الَّتِي لَيْسَتْ فِيهَا الزِّيَادَةُ ، وَهِيَ قَوْلُهُ " مَنْ اشْتَرَى مُصَرَّاةً " فَوَجَدْنَاهَا مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ . وَذَلِكَ فِي مُسْلِمٍ ، وَمِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، وَذَلِكَ فِي ابْنِ مَاجَهْ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ ، وَمِنْ رِوَايَةِ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، وَذَلِكَ فِي التِّرْمِذِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ ، وَعَنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَذَلِكَ فِي التِّرْمِذِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ ، وَمِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَذَلِكَ فِي النَّسَائِيّ ، وَنَظَرْنَا الزِّيَادَةَ فَوَجَدْنَاهَا مِنْ طُرُقٍ : ( مِنْهَا ) عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ ، وَفِيهَا " مَنْ اشْتَرَى مِنْ الْغَنَمِ " ، وَهَذَا اخْتِلَافٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ سُفْيَانَ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ ، وَالرَّاوِي عَنْهُمَا شَخْصٌ وَاحِدٌ ، وَهُوَ الْعَدَنِيُّ .
( وَمِنْهَا ) قُرَّةُ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ وَفِيهَا " مَنْ اشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً " ، وَهَذَا اخْتِلَافٌ عَنْ قُرَّةَ أَيْضًا ، وَكَذَلِكَ مُوسَى بْنُ يَسَارٍ وَاخْتُلِفَ عَنْهُ أَيْضًا ، وَاخْتُلِفَ أَيْضًا عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، وَكِلَا السَّنَدَيْنِ إلَيْهِ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ ، فَلَمَّا رَأَيْنَا هَذِهِ الرِّوَايَاتِ وَالِاخْتِلَافَ نَظَرْنَا مَا يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ فِي ذَلِكَ فَقُلْنَا : جَمِيعُ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِينَ ذَكَرْنَاهُمْ هَهُنَا اُخْتُلِفَ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ إلَّا مُحَمَّدَ بْنَ زِيَادٍ وَالشَّعْبِيَّ ، فَإِنَّهُ لَمْ يُخْتَلَفْ مِنْهُمَا فِيمَا 206 عَلِمْنَا ، وَلَمْ يَرِدْ عَنْهُمَا إلَّا الصِّيغَةُ الْعَامَّةُ ، وَإِلَّا ثَابِتُ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَلَمْ يَرِدْ عَنْهُ إلَّا الطَّرِيقُ الْمُثْبِتَةُ الزِّيَادَةَ وَهِيَ قَوْلُهُ : " مَنْ اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً " فَقَدْ يُقَالُ : إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّعْبِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ أَجَلُّ مِنْ ثَابِتٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ أَجَلُّ وَأَحْفَظُ وَأَتْقَنُ مِمَّنْ خَالَفَهُ ، فَتُقَدَّمُ رِوَايَةُ الْعُمُومِ لِذَلِكَ .
وَقَدْ يُقَالُ : إنَّ جَانِبَ الزِّيَادَةِ هُنَا وَرَدَ مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ ، وَاحْتِمَالُ النَّقْصِ فِي رِوَايَةِ الْمُثْبَتِ الْمُتْقَنِ أَوْلَى مِنْ احْتِمَالِ الْخَطَأِ وَالْوَهْمِ بِالزِّيَادَةِ فِي حَقِّ الثِّقَةِ ، وَاَلَّذِي أَقُولهُ : إنَّ الْحُكْمَ بِالْخَطَأِ عَلَى رَاوِي الزِّيَادَةِ هَهُنَا بَعِيدٌ ، فَالْأَقْرَبُ أَنْ تُجْعَلَ الرِّوَايَتَانِ ثَابِتَتَيْنِ ، وَلَعَلَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكَلَّمَ بِهِمَا مَرَّتَيْنِ فَرَوَاهُمَا أَبُو هُرَيْرَةَ كَذَلِكَ ، وَيَكُونُ ذِكْرُ الْغَنَمِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ ، وَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ مَقْصُورًا عَلَيْهِ لَمَا ذُكِرَ فِي الْإِبِلِ ، وَقَدْ صَحَّ فِي الْإِبِلِ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ .
( وَالْبَحْثُ الثَّانِي ) : إذَا ثَبَتَتْ الرِّوَايَتَانِ عَنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَفْهُومُ الرِّوَايَةِ الَّتِي فِيهَا التَّقْيِيدُ لِمَ لَا يُخَصُّ بِهِ عُمُومُ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، كَمَا مَثَّلَهُ فِي قَوْلِهِ { إذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إلَى فَرْجِهِ } مَعَ قَوْلِهِ " مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ " حَيْثُ خَصُّوا عُمُومَ الثَّانِي بِمَفْهُومِ الْأَوَّلِ ، فَلَا يَنْتَقِضُ بِغَيْرِ الْإِفْضَاءِ الَّذِي هُوَ الْمَسُّ بِبَاطِنِ الْكَفِّ . وَذَلِكَ هَهُنَا ( إمَّا ) مِنْ مَفْهُومِ الشَّرْطِ لِقَوْلِهِ : " مَنْ اشْتَرَى " ( وَإِمَّا ) مِنْ مَفْهُومِ الصِّفَةِ لِقَوْلِهِ : { مَنْ اشْتَرَى مِنْ الْغَنَمِ } وَكِلَا الْمَفْهُومَيْنِ حُجَّةٌ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ ( مِنْهُمْ ) الشَّافِعِيُّ ، وَالْمَفْهُومُ يُخَصُّ بِهِ الْعُمُومُ كَمَا قُلْنَا فِي الْمَسِّ ، ( وَالْجَوَابُ ) عَنْ هَذَا : أَنَّ جَانِبَ الْمَفْهُومِ هَهُنَا ضَعُفَ بِثُبُوتِ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ فِي الْإِبِلِ صَرِيحًا بِحَدِيثِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَيُفْهَمُ الْمَعْنَى مِنْ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْأَحَادِيثِ ، فَإِنَّ مَبْنَاهَا عَلَى التَّعَبُّدِ ، فَهَذَانِ الْأَمْرَانِ أَضْعَفَا اعْتِبَارَ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ : { مَنْ اشْتَرَى شَاةً } وَقَوْلُهُ : { مَنْ اشْتَرَى مِنْ الْغَنَمِ } وَالثَّانِي وَحْدَهُ : يُضْعِفُ اعْتِبَارَ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ { إذَا اشْتَرَى أَحَدُكُمْ نَعْجَةً أَوْ شَاةً } وَأَمَّا الظَّاهِرِيَّةُ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ قَائِلِينَ بِالْمَفْهُومِ ، فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ ، وَيَحْتَجُّونَ بِالْعُمُومِ لِثُبُوتِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .
207 وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ " وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا مُصَرَّاةً " شَرْطٌ لَا بُدَّ مِنْهُ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، مِنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ ، وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ مَشْهُورٌ فِي الْمَذْهَبِ : إنَّ الْخِيَارَ يَثْبُتُ وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي عَالِمًا بِالتَّصْرِيَةِ حِينَ الْعَقْدِ ، وَيُعَبَّرُ عَنْ الْوَجْهَيْنِ : بِأَنَّ هَذَا الْخِيَارَ هَلْ هُوَ خِيَارُ عَيْبٍ أَوْ خِيَارٌ ثَابِتٌ بِالشَّرْعِ ؟ وَبَنَاهُمَا الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّ الْخِيَارَ هَلْ يَمْتَدُّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ يَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ ؟ ( فَإِنْ قُلْنَا ) بِالْأَوَّلِ ثَبَتَ مَعَ الْعِلْمِ ، وَإِلَّا فَلَا ، وَسَيَأْتِي الْوَجْهَانِ فِي كَوْنِهِ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
( وَالصَّحِيحُ ) عِنْدَ الرَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ : أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْفَوْرِ ، فَالْبِنَاءُ حِينَئِذٍ مُتَّجَهٌ . ( وَالْمُخْتَارُ ) : أَنْ يَمْتَدَّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى تَقْرِيرُهُ ، وَالْجُمْهُورُ هَهُنَا أَنَّ مَتَى عَلِمَ الْمُشْتَرِي بِالتَّصْرِيَةِ حَالَةَ الْعَقْدِ لَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ ، وَأَنَّ ذَلِكَ خِيَارٌ ثَبَتَ لِأَجْلِ النَّقْصِ . وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّ الظَّاهِرِيَّةَ لَمْ يُثْبِتُوا الْخِيَارَ هَهُنَا فِي حَالَةِ الْعِلْمِ ، وَيَحْتَاجُونَ إلَى دَلِيلٍ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّفْظَ مُتَأَوَّلٌ ، وَمَا ادَّعَيْنَا نَحْنُ مِنْ ظُهُورِ الْمَعْنَى وَفَهْمِهِ هُمْ لَا يَعْتَبِرُونَهُ .
وَقَوْلُهُ " : فَهُوَ بِالْخِيَارِ . . . إلَخْ " هَذَا هُوَ الْحُكْمُ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْفَصْلِ ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ فُتْيَاهُ ، صَحَّ ذَلِكَ عَنْهُمَا وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَنَقَلَ الْعَبْدَرِيُّ الْقَوْلَ بِهِ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ .
وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ مِنْ الْفُقَهَاءِ بَعْدَهُمْ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد وَأَبُو يُوسُفَ وَزُفَرُ وَمُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزِّنْجِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْحَدِيثِ .
( وَاتَّفَقَ ) جَمِيعُ أَصْحَابِنَا عَلَى ذَلِكَ تَبَعًا لِإِمَامِهِمْ ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ ، وَرُوِيَتْ رِوَايَةٌ غَرِيبَةٌ بِذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ ، ذَكَرَ الْعُتْبِيُّ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ ابْتَاعَ مُصَرَّاةً فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا إنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ } فَقَالَ : سَمِعْتُ ذَلِكَ وَلَيْسَ بِالثَّابِتِ وَلَا الْمُوَطَّأِ عَلَيْهِ ، وَلَئِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إنَّ لَهُ اللَّبَنَ بِمَا عَلَفَ وَضَمِنَ ( قِيلَ ) لَهُ : نَرَاكَ تُضَعِّفُ الْحَدِيثَ ( فَقَالَ ) : كُلُّ شَيْءٍ يُوضَعُ مَوْضِعَهُ وَلَيْسَ بِالْمُوَطَّأِ وَلَا الثَّابِتِ وَقَدْ سَمِعْتُهُ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : 208 هَذِهِ رِوَايَةٌ اللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهَا عَنْ مَالِكٍ وَمَا رَوَاهَا عَنْهُ إلَّا ثِقَةٌ ، وَلَكِنَّهُ عِنْدِي اخْتِلَافٌ مِنْ رَأْيِهِ . ( قُلْتُ ) : وَإِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَوَّلَ قَوْلُهُ " لَيْسَ بِالثَّابِتِ " عَلَى الْحُكْمِ لَا عَلَى الْحَدِيثِ ، فَإِنَّهُ صَحِيحٌ عِنْدَهُ بِلَا إشْكَالٍ ، وَقَدْ أَوْدَعَهُ الْمُوَطَّأَ الْمَشْهُورَ عَنْهُ خِلَافَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، فَالْقَوْلُ بِمُقْتَضَى الْحَدِيثِ .
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : قُلْتُ لِمَالِكٍ : أَتَأْخُذُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ مَالِكٌ : أَوَ لِأَحَدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ رَأْيٌ ؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَأَنَا أَخَذْتُهُ ، إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي : أَرَى لِأَهْلِ الْبُلْدَانِ إذَا أُنْزِلَ بِهِمْ هَذَا أَنْ يُعْطُوا الصَّاعَ مِنْ عَيْشِهِمْ ، ( قَالَ ) : وَأَهْلُ مِصْرَ عَيْشُهُمْ الْحِنْطَةُ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ : إنَّ الصَّحِيحَ عَنْ مَالِكٍ مَا رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَإِنَّ رِوَايَةَ أَشْهَبَ مُنْكَرَةٌ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
أَمَّا الِاسْتِدْلَال فَدَلِيلُنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأَخْبَارُ الْمُتَقَدِّمَةُ وَهِيَ صَرِيحَةٌ فِي الْمَقْصُودِ ، وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ مُسْتَقِيمٌ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْ الْأُصُولِ ، عَلَى مَا سَنُبَيِّنُ فِي أَجْوِبَةِ الْمُخَالِفِينَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَمِنْ الْقِيَاسِ عَلَى مَا لَوْ بَاعَ طَاحُونَةً حُبِسَ مَاؤُهَا زَمَانًا ثُمَّ أَرْسَلَهُ حَالَةَ الْبَيْعِ ، فَظَنَّ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ أَبَدًا كَذَلِكَ ، ثُمَّ عَلِمَ ، فَإِنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى ثُبُوتِ الْخِيَارِ ، وَاعْتَمَدَ الْمُخَالِفُونَ فِي الِاعْتِذَارِ عَنْ الْحَدِيثِ أُمُورًا ضَعِيفَةً تَرْجِعُ إلَى طَرِيقَتَيْنِ : طَرِيقَةُ الرَّدِّ وَطَرِيقَةُ التَّأْوِيلِ ، الْأَوَّلُ : أَنَّ هَذَا خَبَرٌ وَاحِدٌ مُخَالِفٌ لِقِيَاسٍ مِنْ الْأُصُولِ الْمَعْلُومَةِ ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ الْعَمَلُ بِهِ ، أَمَّا كَوْنُهُ مُخَالِفًا لِقِيَاسِ الْأُصُولِ الْمَعْلُومَةِ فَمِنْ وُجُوهٍ . ( أَحَدُهَا ) : أَنَّهُ أَوْجَبَ غُرْمَ اللَّبَنِ مَعَ إمْكَانِ رَدِّهِ . ( وَثَانِيهَا ) : أَنَّهُ أَوْجَبَ غُرْمَ قِيمَتِهِ مَعَ وُجُودِ مِثْلِهِ . ( وَثَالِثُهَا ) : أَنَّهُ جَعَلَ الْقِيمَةَ تَمْرًا ، ، وَهِيَ إنَّمَا تَكُونُ ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا . ( وَرَابِعُهَا ) : أَنَّهُ جَعَلَهَا مُقَدَّرَةً لَا تَزِيدُ بِزِيَادَةِ اللَّبَنِ وَلَا تَنْقُصُ بِنُقْصَانِهِ ، وَمِنْ حُكْمِ الضَّمَانِ أَنْ يَخْتَلِفَ بِاخْتِلَافِ الْمَضْمُونِ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ .
209 وَخَامِسُهَا ) : أَنَّ اللَّبَنَ إنْ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ الْعَقْدِ فَقَدْ ذَهَبَ جُزْءٌ مِنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ يَمْنَعُ الرَّدَّ ، وَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ حَادِثًا بَعْدَ الشِّرَاءِ فَقَدْ حَدَثَ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي ، فَلَا يَضْمَنُهُ وَإِنْ كَانَ مُخْتَلَطًا : فَمَا كَانَ مَوْجُودًا مَنَعَ الرَّدَّ ، وَمَا حَدَثَ لَمْ يَجِبْ ضَمَانُهُ . ( وَسَادِسُهَا ) : إثْبَاتُ الْخِيَارِ ثَلَاثًا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ مُخَالِفٍ لِلْأُصُولِ ، ، فَإِنَّ الْخِيَارَاتِ الثَّابِتَةَ بِأَصْلِ الشَّرْعِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ لَا تُقَدَّرُ بِالثَّلَاثِ . ( وَسَابِعُهَا ) : يَلْزَمُ مِنْ الْعَمَلِ بِظَاهِرِهِ الْجَمْعُ بَيْنَ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ لِلْبَائِعِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ ، وَهُوَ مَا إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الشَّاةِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ ، فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إلَيْهِ مَعَ الصَّاعِ الَّذِي هُوَ مِقْدَارُ ثَمَنِهَا .
( وَثَامِنُهَا ) : أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَاعِدَةِ الرِّبَا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ ، وَهُوَ مَا إذَا اشْتَرَى شَاةً بِصَاعٍ ، فَإِذَا اسْتَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ فَقَدْ اسْتَرْجَعَ الصَّاعَ الَّذِي هُوَ الثَّمَنُ ، فَيَكُونُ قَدْ بَاعَ شَاةً وَصَاعًا بِصَاعٍ ، وَذَلِكَ خِلَافُ قَاعِدَةِ الرِّبَا عِنْدَكُمْ ، فَإِنَّكُمْ تَمْنَعُونَ مِثْلَ ذَلِكَ . ( وَتَاسِعُهَا ) : أَنَّهُ أَثْبَتَ الرَّدَّ مِنْ غَيْرِ عَيْبٍ وَلَا شَرْطٍ ; لِأَنَّ نُقْصَانَ اللَّبَنِ لَيْسَ بِعَيْبٍ وَلَا الرَّدُّ بِهِ بِدُونِ التَّصْرِيَةِ . ( وَعَاشِرُهَا ) : أَنَّ اللَّبَنَ كَالْحَمْلِ لَا يَأْخُذُ قِسْطًا مِنْ الثَّمَنِ وَإِلَّا لَجَازَ إفْرَادُهُ بِالْعَقْدِ كَالثَّمَنِ ، وَإِذَا لَمْ يَأْخُذْ قِسْطًا مِنْ الثَّمَنِ لَا يَضْمَنُ .
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ : " أَوْ بَقَرَةً " لِيَتَبَيَّنَ أَنَّ الْحُكْمَ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَى الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ اللَّذَيْنِ ضَمَّنَهُمَا الْحَدِيثَ الَّذِي ذَكَرَهُ ، بَلْ هُوَ شَامِلٌ إمَّا بِالْقِيَاسِ إذَا اقْتَصَرَ عَلَى الْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ ، وَذَلِكَ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى ; لِأَنَّ لَبَنَ الْبَقَرِ أَغْزَرُ وَأَكْثَرُ بَيْعًا مِنْ لَبَنِ الْإِبِلِ وَإِمَّا بِالنَّصِّ ، فَإِنَّ فِي الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ " مَنْ اشْتَرَى مُصَرَّاةً " ، وَقَالَ بَعْضُ شَارِحِي التَّنْبِيهِ : إنَّ ذَلِكَ لِلرَّدِّ عَلَى الظَّاهِرِيِّينَ الَّذِينَ 205 خَصُّوا الْحُكْمَ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ مِنْ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ ، وَهَذَا الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ الظَّاهِرِيِّينَ نَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ دَاوُد ، فَصَرَّحَ ابْنُ الْمُغَلِّسِ وَابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيَّانِ بِأَنَّ : شُمُولَ الْحُكْمِ تَمَسُّكٌ بِالنَّصِّ الْعَامِّ وَهُوَ قَوْلُهُ " مَنْ اشْتَرَى مُصَرَّاةً " وَلَمْ يَحْكِيَا فِي ذَلِكَ خِلَافًا ، وَهُوَ اللَّائِقُ بِمَذْهَبِهِمْ أَخْذًا بِعُمُومِ الْخَبَرِ ، وَلَا يَجِبُ تَقْيِيدُ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ بِالْآخَرِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمُطْلَقِ ، وَالْخَبَرُ هَهُنَا عَامٌّ لِصِيغَةِ " مَنْ " . لَكِنْ يَعْرِضُ هَهُنَا بَحْثَانِ . ( أَحَدُهُمَا ) : أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ الَّذِي فِيهِ " مَنْ اشْتَرَى مُصَرَّاةً " مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَتِهِ أَيْضًا " : مَنْ اشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً " ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ فِيهَا زِيَادَةٌ لَيْسَتْ فِي الْأُولَى ، وَزِيَادَةُ الْعَدْلِ مَقْبُولَةٌ ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا وَعَدَمُ الْقَوْلِ بِالْعُمُومِ ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ وَاحِدٌ وَمُخْرِجَهُ وَاحِدٌ .
وَوَجْهُ إدْرَاكِ الصَّوَابِ فِي هَذَا الْبَحْثِ أَنَّا نَظَرْنَا الرِّوَايَةَ الْعَامَّةَ الْمَذْكُورَةَ الَّتِي لَيْسَتْ فِيهَا الزِّيَادَةُ ، وَهِيَ قَوْلُهُ " مَنْ اشْتَرَى مُصَرَّاةً " فَوَجَدْنَاهَا مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ . وَذَلِكَ فِي مُسْلِمٍ ، وَمِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، وَذَلِكَ فِي ابْنِ مَاجَهْ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ ، وَمِنْ رِوَايَةِ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، وَذَلِكَ فِي التِّرْمِذِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ ، وَعَنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَذَلِكَ فِي التِّرْمِذِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ ، وَمِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَذَلِكَ فِي النَّسَائِيّ ، وَنَظَرْنَا الزِّيَادَةَ فَوَجَدْنَاهَا مِنْ طُرُقٍ : ( مِنْهَا ) عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ ، وَفِيهَا " مَنْ اشْتَرَى مِنْ الْغَنَمِ " ، وَهَذَا اخْتِلَافٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ سُفْيَانَ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ ، وَالرَّاوِي عَنْهُمَا شَخْصٌ وَاحِدٌ ، وَهُوَ الْعَدَنِيُّ .
( وَمِنْهَا ) قُرَّةُ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ وَفِيهَا " مَنْ اشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً " ، وَهَذَا اخْتِلَافٌ عَنْ قُرَّةَ أَيْضًا ، وَكَذَلِكَ مُوسَى بْنُ يَسَارٍ وَاخْتُلِفَ عَنْهُ أَيْضًا ، وَاخْتُلِفَ أَيْضًا عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، وَكِلَا السَّنَدَيْنِ إلَيْهِ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ ، فَلَمَّا رَأَيْنَا هَذِهِ الرِّوَايَاتِ وَالِاخْتِلَافَ نَظَرْنَا مَا يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ فِي ذَلِكَ فَقُلْنَا : جَمِيعُ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِينَ ذَكَرْنَاهُمْ هَهُنَا اُخْتُلِفَ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ إلَّا مُحَمَّدَ بْنَ زِيَادٍ وَالشَّعْبِيَّ ، فَإِنَّهُ لَمْ يُخْتَلَفْ مِنْهُمَا فِيمَا 206 عَلِمْنَا ، وَلَمْ يَرِدْ عَنْهُمَا إلَّا الصِّيغَةُ الْعَامَّةُ ، وَإِلَّا ثَابِتُ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَلَمْ يَرِدْ عَنْهُ إلَّا الطَّرِيقُ الْمُثْبِتَةُ الزِّيَادَةَ وَهِيَ قَوْلُهُ : " مَنْ اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً " فَقَدْ يُقَالُ : إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّعْبِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ أَجَلُّ مِنْ ثَابِتٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ أَجَلُّ وَأَحْفَظُ وَأَتْقَنُ مِمَّنْ خَالَفَهُ ، فَتُقَدَّمُ رِوَايَةُ الْعُمُومِ لِذَلِكَ .
وَقَدْ يُقَالُ : إنَّ جَانِبَ الزِّيَادَةِ هُنَا وَرَدَ مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ ، وَاحْتِمَالُ النَّقْصِ فِي رِوَايَةِ الْمُثْبَتِ الْمُتْقَنِ أَوْلَى مِنْ احْتِمَالِ الْخَطَأِ وَالْوَهْمِ بِالزِّيَادَةِ فِي حَقِّ الثِّقَةِ ، وَاَلَّذِي أَقُولهُ : إنَّ الْحُكْمَ بِالْخَطَأِ عَلَى رَاوِي الزِّيَادَةِ هَهُنَا بَعِيدٌ ، فَالْأَقْرَبُ أَنْ تُجْعَلَ الرِّوَايَتَانِ ثَابِتَتَيْنِ ، وَلَعَلَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكَلَّمَ بِهِمَا مَرَّتَيْنِ فَرَوَاهُمَا أَبُو هُرَيْرَةَ كَذَلِكَ ، وَيَكُونُ ذِكْرُ الْغَنَمِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ ، وَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ مَقْصُورًا عَلَيْهِ لَمَا ذُكِرَ فِي الْإِبِلِ ، وَقَدْ صَحَّ فِي الْإِبِلِ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ .
( وَالْبَحْثُ الثَّانِي ) : إذَا ثَبَتَتْ الرِّوَايَتَانِ عَنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَفْهُومُ الرِّوَايَةِ الَّتِي فِيهَا التَّقْيِيدُ لِمَ لَا يُخَصُّ بِهِ عُمُومُ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، كَمَا مَثَّلَهُ فِي قَوْلِهِ { إذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إلَى فَرْجِهِ } مَعَ قَوْلِهِ " مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ " حَيْثُ خَصُّوا عُمُومَ الثَّانِي بِمَفْهُومِ الْأَوَّلِ ، فَلَا يَنْتَقِضُ بِغَيْرِ الْإِفْضَاءِ الَّذِي هُوَ الْمَسُّ بِبَاطِنِ الْكَفِّ . وَذَلِكَ هَهُنَا ( إمَّا ) مِنْ مَفْهُومِ الشَّرْطِ لِقَوْلِهِ : " مَنْ اشْتَرَى " ( وَإِمَّا ) مِنْ مَفْهُومِ الصِّفَةِ لِقَوْلِهِ : { مَنْ اشْتَرَى مِنْ الْغَنَمِ } وَكِلَا الْمَفْهُومَيْنِ حُجَّةٌ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ ( مِنْهُمْ ) الشَّافِعِيُّ ، وَالْمَفْهُومُ يُخَصُّ بِهِ الْعُمُومُ كَمَا قُلْنَا فِي الْمَسِّ ، ( وَالْجَوَابُ ) عَنْ هَذَا : أَنَّ جَانِبَ الْمَفْهُومِ هَهُنَا ضَعُفَ بِثُبُوتِ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ فِي الْإِبِلِ صَرِيحًا بِحَدِيثِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَيُفْهَمُ الْمَعْنَى مِنْ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْأَحَادِيثِ ، فَإِنَّ مَبْنَاهَا عَلَى التَّعَبُّدِ ، فَهَذَانِ الْأَمْرَانِ أَضْعَفَا اعْتِبَارَ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ : { مَنْ اشْتَرَى شَاةً } وَقَوْلُهُ : { مَنْ اشْتَرَى مِنْ الْغَنَمِ } وَالثَّانِي وَحْدَهُ : يُضْعِفُ اعْتِبَارَ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ { إذَا اشْتَرَى أَحَدُكُمْ نَعْجَةً أَوْ شَاةً } وَأَمَّا الظَّاهِرِيَّةُ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ قَائِلِينَ بِالْمَفْهُومِ ، فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ ، وَيَحْتَجُّونَ بِالْعُمُومِ لِثُبُوتِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .
207 وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ " وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا مُصَرَّاةً " شَرْطٌ لَا بُدَّ مِنْهُ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، مِنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ ، وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ مَشْهُورٌ فِي الْمَذْهَبِ : إنَّ الْخِيَارَ يَثْبُتُ وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي عَالِمًا بِالتَّصْرِيَةِ حِينَ الْعَقْدِ ، وَيُعَبَّرُ عَنْ الْوَجْهَيْنِ : بِأَنَّ هَذَا الْخِيَارَ هَلْ هُوَ خِيَارُ عَيْبٍ أَوْ خِيَارٌ ثَابِتٌ بِالشَّرْعِ ؟ وَبَنَاهُمَا الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّ الْخِيَارَ هَلْ يَمْتَدُّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ يَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ ؟ ( فَإِنْ قُلْنَا ) بِالْأَوَّلِ ثَبَتَ مَعَ الْعِلْمِ ، وَإِلَّا فَلَا ، وَسَيَأْتِي الْوَجْهَانِ فِي كَوْنِهِ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
( وَالصَّحِيحُ ) عِنْدَ الرَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ : أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْفَوْرِ ، فَالْبِنَاءُ حِينَئِذٍ مُتَّجَهٌ . ( وَالْمُخْتَارُ ) : أَنْ يَمْتَدَّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى تَقْرِيرُهُ ، وَالْجُمْهُورُ هَهُنَا أَنَّ مَتَى عَلِمَ الْمُشْتَرِي بِالتَّصْرِيَةِ حَالَةَ الْعَقْدِ لَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ ، وَأَنَّ ذَلِكَ خِيَارٌ ثَبَتَ لِأَجْلِ النَّقْصِ . وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّ الظَّاهِرِيَّةَ لَمْ يُثْبِتُوا الْخِيَارَ هَهُنَا فِي حَالَةِ الْعِلْمِ ، وَيَحْتَاجُونَ إلَى دَلِيلٍ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّفْظَ مُتَأَوَّلٌ ، وَمَا ادَّعَيْنَا نَحْنُ مِنْ ظُهُورِ الْمَعْنَى وَفَهْمِهِ هُمْ لَا يَعْتَبِرُونَهُ .
وَقَوْلُهُ " : فَهُوَ بِالْخِيَارِ . . . إلَخْ " هَذَا هُوَ الْحُكْمُ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْفَصْلِ ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ فُتْيَاهُ ، صَحَّ ذَلِكَ عَنْهُمَا وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَنَقَلَ الْعَبْدَرِيُّ الْقَوْلَ بِهِ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ .
وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ مِنْ الْفُقَهَاءِ بَعْدَهُمْ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد وَأَبُو يُوسُفَ وَزُفَرُ وَمُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزِّنْجِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْحَدِيثِ .
( وَاتَّفَقَ ) جَمِيعُ أَصْحَابِنَا عَلَى ذَلِكَ تَبَعًا لِإِمَامِهِمْ ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ ، وَرُوِيَتْ رِوَايَةٌ غَرِيبَةٌ بِذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ ، ذَكَرَ الْعُتْبِيُّ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ ابْتَاعَ مُصَرَّاةً فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا إنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ } فَقَالَ : سَمِعْتُ ذَلِكَ وَلَيْسَ بِالثَّابِتِ وَلَا الْمُوَطَّأِ عَلَيْهِ ، وَلَئِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إنَّ لَهُ اللَّبَنَ بِمَا عَلَفَ وَضَمِنَ ( قِيلَ ) لَهُ : نَرَاكَ تُضَعِّفُ الْحَدِيثَ ( فَقَالَ ) : كُلُّ شَيْءٍ يُوضَعُ مَوْضِعَهُ وَلَيْسَ بِالْمُوَطَّأِ وَلَا الثَّابِتِ وَقَدْ سَمِعْتُهُ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : 208 هَذِهِ رِوَايَةٌ اللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهَا عَنْ مَالِكٍ وَمَا رَوَاهَا عَنْهُ إلَّا ثِقَةٌ ، وَلَكِنَّهُ عِنْدِي اخْتِلَافٌ مِنْ رَأْيِهِ . ( قُلْتُ ) : وَإِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَوَّلَ قَوْلُهُ " لَيْسَ بِالثَّابِتِ " عَلَى الْحُكْمِ لَا عَلَى الْحَدِيثِ ، فَإِنَّهُ صَحِيحٌ عِنْدَهُ بِلَا إشْكَالٍ ، وَقَدْ أَوْدَعَهُ الْمُوَطَّأَ الْمَشْهُورَ عَنْهُ خِلَافَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، فَالْقَوْلُ بِمُقْتَضَى الْحَدِيثِ .
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : قُلْتُ لِمَالِكٍ : أَتَأْخُذُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ مَالِكٌ : أَوَ لِأَحَدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ رَأْيٌ ؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَأَنَا أَخَذْتُهُ ، إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي : أَرَى لِأَهْلِ الْبُلْدَانِ إذَا أُنْزِلَ بِهِمْ هَذَا أَنْ يُعْطُوا الصَّاعَ مِنْ عَيْشِهِمْ ، ( قَالَ ) : وَأَهْلُ مِصْرَ عَيْشُهُمْ الْحِنْطَةُ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ : إنَّ الصَّحِيحَ عَنْ مَالِكٍ مَا رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَإِنَّ رِوَايَةَ أَشْهَبَ مُنْكَرَةٌ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
أَمَّا الِاسْتِدْلَال فَدَلِيلُنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأَخْبَارُ الْمُتَقَدِّمَةُ وَهِيَ صَرِيحَةٌ فِي الْمَقْصُودِ ، وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ مُسْتَقِيمٌ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْ الْأُصُولِ ، عَلَى مَا سَنُبَيِّنُ فِي أَجْوِبَةِ الْمُخَالِفِينَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَمِنْ الْقِيَاسِ عَلَى مَا لَوْ بَاعَ طَاحُونَةً حُبِسَ مَاؤُهَا زَمَانًا ثُمَّ أَرْسَلَهُ حَالَةَ الْبَيْعِ ، فَظَنَّ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ أَبَدًا كَذَلِكَ ، ثُمَّ عَلِمَ ، فَإِنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى ثُبُوتِ الْخِيَارِ ، وَاعْتَمَدَ الْمُخَالِفُونَ فِي الِاعْتِذَارِ عَنْ الْحَدِيثِ أُمُورًا ضَعِيفَةً تَرْجِعُ إلَى طَرِيقَتَيْنِ : طَرِيقَةُ الرَّدِّ وَطَرِيقَةُ التَّأْوِيلِ ، الْأَوَّلُ : أَنَّ هَذَا خَبَرٌ وَاحِدٌ مُخَالِفٌ لِقِيَاسٍ مِنْ الْأُصُولِ الْمَعْلُومَةِ ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ الْعَمَلُ بِهِ ، أَمَّا كَوْنُهُ مُخَالِفًا لِقِيَاسِ الْأُصُولِ الْمَعْلُومَةِ فَمِنْ وُجُوهٍ . ( أَحَدُهَا ) : أَنَّهُ أَوْجَبَ غُرْمَ اللَّبَنِ مَعَ إمْكَانِ رَدِّهِ . ( وَثَانِيهَا ) : أَنَّهُ أَوْجَبَ غُرْمَ قِيمَتِهِ مَعَ وُجُودِ مِثْلِهِ . ( وَثَالِثُهَا ) : أَنَّهُ جَعَلَ الْقِيمَةَ تَمْرًا ، ، وَهِيَ إنَّمَا تَكُونُ ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا . ( وَرَابِعُهَا ) : أَنَّهُ جَعَلَهَا مُقَدَّرَةً لَا تَزِيدُ بِزِيَادَةِ اللَّبَنِ وَلَا تَنْقُصُ بِنُقْصَانِهِ ، وَمِنْ حُكْمِ الضَّمَانِ أَنْ يَخْتَلِفَ بِاخْتِلَافِ الْمَضْمُونِ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ .
209 وَخَامِسُهَا ) : أَنَّ اللَّبَنَ إنْ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ الْعَقْدِ فَقَدْ ذَهَبَ جُزْءٌ مِنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ يَمْنَعُ الرَّدَّ ، وَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ حَادِثًا بَعْدَ الشِّرَاءِ فَقَدْ حَدَثَ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي ، فَلَا يَضْمَنُهُ وَإِنْ كَانَ مُخْتَلَطًا : فَمَا كَانَ مَوْجُودًا مَنَعَ الرَّدَّ ، وَمَا حَدَثَ لَمْ يَجِبْ ضَمَانُهُ . ( وَسَادِسُهَا ) : إثْبَاتُ الْخِيَارِ ثَلَاثًا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ مُخَالِفٍ لِلْأُصُولِ ، ، فَإِنَّ الْخِيَارَاتِ الثَّابِتَةَ بِأَصْلِ الشَّرْعِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ لَا تُقَدَّرُ بِالثَّلَاثِ . ( وَسَابِعُهَا ) : يَلْزَمُ مِنْ الْعَمَلِ بِظَاهِرِهِ الْجَمْعُ بَيْنَ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ لِلْبَائِعِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ ، وَهُوَ مَا إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الشَّاةِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ ، فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إلَيْهِ مَعَ الصَّاعِ الَّذِي هُوَ مِقْدَارُ ثَمَنِهَا .
( وَثَامِنُهَا ) : أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَاعِدَةِ الرِّبَا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ ، وَهُوَ مَا إذَا اشْتَرَى شَاةً بِصَاعٍ ، فَإِذَا اسْتَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ فَقَدْ اسْتَرْجَعَ الصَّاعَ الَّذِي هُوَ الثَّمَنُ ، فَيَكُونُ قَدْ بَاعَ شَاةً وَصَاعًا بِصَاعٍ ، وَذَلِكَ خِلَافُ قَاعِدَةِ الرِّبَا عِنْدَكُمْ ، فَإِنَّكُمْ تَمْنَعُونَ مِثْلَ ذَلِكَ . ( وَتَاسِعُهَا ) : أَنَّهُ أَثْبَتَ الرَّدَّ مِنْ غَيْرِ عَيْبٍ وَلَا شَرْطٍ ; لِأَنَّ نُقْصَانَ اللَّبَنِ لَيْسَ بِعَيْبٍ وَلَا الرَّدُّ بِهِ بِدُونِ التَّصْرِيَةِ . ( وَعَاشِرُهَا ) : أَنَّ اللَّبَنَ كَالْحَمْلِ لَا يَأْخُذُ قِسْطًا مِنْ الثَّمَنِ وَإِلَّا لَجَازَ إفْرَادُهُ بِالْعَقْدِ كَالثَّمَنِ ، وَإِذَا لَمْ يَأْخُذْ قِسْطًا مِنْ الثَّمَنِ لَا يَضْمَنُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث