المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الحادي عشر
( الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ ) مَا فِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ فِيهَا خِلَافٌ ، وَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ ، مِنْهُ مَا مَثَارُ الْخِلَافِ فِيهِ مِنْ ضَعْفِ الظَّنِّ ، وَمِنْهُ مَا مَثَارُ الْخِلَافِ فِيهِ مِنْ خُرُوجِهِ عَلَى أَكْمَلِ مِمَّا ظَنَّهُ وَلْنُقَدِّمْ الْكَلَامَ فِي هَذَا ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ إذَا سَبَطَ شَعْرَ الْجَارِيَةِ ثُمَّ بَانَ أَنَّهَا جَعْدَةُ الشَّعْرِ ، فَلَا شَكَّ أَنَّ الْجَعْدَ أَشْرَفُ ، وَقَدْ يَكُونُ السَّبْطُ أَشْهَى إلَى بَعْضِ النَّاسِ فَفِي الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَتَانِ ( إحْدَاهُمَا ) مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَارْتَضَاهُ الْإِمَامُ وَاقْتَصَرَ الرَّافِعِيُّ عَلَيْهَا ، أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَيْنِ كَالْوَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا اشْتَرَطَ أَنَّهَا سَبْطَةُ الشَّعْرِ فَبَانَتْ جَعْدَةً فَفِي الْخِيَارِ بِالْخُلْفِ فِي هَذَا الشَّرْطِ الْوَجْهَانِ الْمَذْكُورَانِ فِيمَا إذَا شَرَطَ أَنَّهَا ثَيِّبٌ فَخَرَجَتْ بِكْرًا ( أَصَحُّهُمَا ) فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ أَنَّهُ لَا خِيَارَ ، وَاَلَّذِي حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ فِي شَرْطِ السُّبُوطَةِ .
( وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ ) أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ فِي التَّدْلِيسِ بِالسُّبُوطَةِ وَجْهًا وَاحِدًا وَإِنْ ثَبَتَ فِي الْخُلْفِ بِاشْتِرَاطِهَا ، قَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ وَجَعَلَ 287 ذَلِكَ ضَابِطًا عَامًا : إنَّ كُلَّ مَا لَوْ كَانَ مَشْرُوطًا وَاتَّصَلَ الْخُلْفُ بِهِ اقْتَضَى خِيَارًا ، وَجْهًا وَاحِدًا فَالتَّدْلِيسُ الظَّاهِرُ فِيهِ كَالشَّرْطِ ، فَإِذَا جَعَّدَ شَعْرَ الْمَمْلُوكِ ثُمَّ بَانَ سَبْطًا ثَبَتَ الْخِيَارُ وَكُلُّ مَا لَوْ فُرِضَ مَشْهُورًا وَصُوِّرَ الْخُلْفُ فِيهِ فَكَانَ فِي الْخِيَارِ وَجْهَانِ ، فَإِذَا فُرِضَ التَّدْلِيسُ فِيهِ ثُمَّ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ خُلْفُ الظَّنِّ ، قَالَ : لَا خِيَارَ وَجْهًا وَاحِدًا ، لِضَعْفِ الْمَظْنُونِ أَوَّلًا وَقُصُورِ الْفِعْلِ فِي الْبَابِ عَنْ الْقَوْلِ .
قَالَ الْإِمَامُ : وَهَذَا تَحَكُّمٌ لَا يُسَاعِدُ عَلَيْهِ ، وَالتَّدْلِيسُ فِي ظَاهِرِ الْفِعْلِ كَالْقَوْلِ فِي مَجَالِ الْوِفَاقِ وَالْخِلَافُ عَلَى الِاطِّرَادِ وَالِاسْتِوَاءِ ، فَإِذَا سَبَطَ الرَّجُلُ شَعْرَ الْجَارِيَةِ ثُمَّ بَانَ أَنَّ شَعْرَهَا جَعْدٌ فَفِي الْخِيَارِ الْوَجْهَانِ عِنْدَنَا . قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : وَلَكَ أَنْ تَعْجَبَ مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ : إنَّ مَا ذَكَرَهُ الصَّيْدَلَانِيُّ تَحَكُّمٌ عَجَبًا ظَاهِرًا مِنْ جِهَةِ أَنَّ مَأْخَذَ إثْبَاتِ الْخِيَارِ عِنْدَ التَّغْرِيرِ بِالْفِعْلِ التَّصْرِيَةُ بِلَا نِزَاعٍ وَقَدْ حَكَى أَنَّ مَأْخَذَ إثْبَاتِ الْخِيَارِ فِي الْمُصَرَّاةِ عِنْدَ بَعْضِ الْأَصْحَابِ إلْحَاقُ ذَلِكَ بِالْعَيْبِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَحْسُنْ إثْبَاتُهُ إذَا خَرَجَ الْمَبِيعُ أَجْوَدَ مِمَّا رَآهُ ; لِأَنَّهُ لَا عَيْبَ وَيَكُونُ حِينَئِذٍ الصَّيْدَلَانِيُّ فِي قَطْعِهِ نَاظِرًا لِلْمَعْنَى الْمَذْكُورِ ، وَلَعَلَّهُ هُوَ قَائِلُهُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ قَائِلُهُ اسْتَفَدْنَا مِنْ كَلَامِهِ هَذَا أَنَّهُ مُوَافِقٌ لَهُ .
( قُلْتُ : ) وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَمْرَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ الصَّيْدَلَانِيَّ إنَّمَا عَلَّلَ انْتِفَاءَ الْخِيَارِ لِضَعْفِ الظَّنِّ وَقُصُورِ الْفِعْلِ عَنْ الْقَوْلِ . وَهَذَا الْمَعْنَى لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْجُعُودَةِ وَالسُّبُوطَةِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْفِعْلُ وَالظَّنُّ مُعْتَبَرًا فِي الثَّانِي لَمْ يَكُنْ مُعْتَبَرًا فِي الْأَوَّلِ ، فَلَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَإِنْ قِيلَ بِمُسَاوَاةِ ذَلِكَ الْقَوْلِ فَيَثْبُتُ فِيهِمَا ، وَإِنْ قِيلَ بِاعْتِبَارِهِ مَعَ انْحِطَاطِهِ عَنْ رُتْبَةِ الْقَوْلِ حَتَّى يُجْرَى الْخِلَافُ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الصُّورَتَيْنِ . أَمَّا الْحُكْمُ بِثُبُوتِ الْخِيَارِ فِي الْأُولَى قَطْعًا كَالْقَوْلِ وَعَدَمِهِ فِي الثَّانِيَةِ قَطْعًا لَا وَجْهَ لَهُ . وَلَوْ كَانَ الصَّيْدَلَانِيُّ سَكَتَ عَنْ التَّعْلِيلِ لَأَمْكَنَ تَحَمُّلُ ذَلِكَ وَأَنَّ الْخِيَارَ ثَابِتٌ فِي الْأُولَى بِالْعَيْبِ وَمُنْتَفٍ فِي الثَّانِيَةِ لِعَدَمِ الْعَيْبِ ، لَكِنَّ كَلَامَهُ نَاصٌّ عَلَى أَنَّ التَّدْلِيسَ كَالشَّرْطِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى ، وَعَلَى انْتِفَاءِ الثَّانِيَةِ لِضَعْفِ الظَّنِّ وَقُصُورِ الْفِعْلِ فَلَا جَرَمَ قَالَ الْإِمَامُ : إنَّ ذَلِكَ تَحَكُّمٌ .
( الثَّانِي ) أَنَّ الْقَائِلِينَ مِنْ الْأَصْحَابِ بِأَنَّ إثْبَاتَ الْخِيَارِ فِي التَّصْرِيَةِ 288 مَأْخَذُهُ الْإِلْحَاقُ بِالْعَيْبِ ، مَعْنَاهُ الِاكْتِفَاءُ فِي ثُبُوتِهِ بِفَوَاتِ الَّذِي وَطَّنَ الْمُشْتَرِي نَفْسَهُ عَلَيْهِ بِرُؤْيَتِهِ لِلْمَبِيعِ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ ، حَتَّى يَثْبُتَ فِيمَا إذَا تَحَفَّلَتْ الشَّاةُ بِنَفْسِهَا وَمُقَابَلَةُ الْقَوْلِ الَّذِي يَلْحَقُ ذَلِكَ بِخِيَارِ الْخُلْفِ حَتَّى لَا يَثْبُتَ الْخِيَارُ إلَّا إذَا كَانَ حَاصِلًا بِتَدْلِيسٍ مِنْ الْبَائِعِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَمْكَنَ أَنْ يَقُولَ بِثُبُوتِ الْخِيَارِ هَهُنَا ; لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ وَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَى السُّبُوطَةِ لَمَّا رَآهَا ، وَقَدْ يَكُونُ لَهُ فِيهَا غَرَضٌ فَلَيْسَ مَعْنَى إلْحَاقِ ذَلِكَ بِالْعَيْبِ إلَّا جَعْلَ دَلَالَةِ الرُّؤْيَةِ عَلَى هَذَا الْوَصْفِ كَدَلَالَةِ الْغَلَبَةِ عَلَى وَصْفِ السَّلَامَةِ ، فَخُرُوجُهَا عَلَى غَيْرِ الْوَصْفِ الَّذِي رَآهُ هُوَ الْعَيْبُ ، وَلَيْسَ الْوَصْفُ الَّذِي رَآهُ مِنْ السُّبُوطَةِ أَوْ كِبَرِ الضَّرْعَ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ بِالتَّصْرِيَةِ عَيْبًا ، وَاَلَّذِي يَقُولُ بِأَنَّ الْغَرَضَ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِالشَّعْرِ السَّبْطِ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَجْعَلَ خُرُوجَهُ جَعْدًا بِمَنْزِلَةِ الْعَيْبِ ، إذَا كَانَ الْغَرَضُ قَدْ تَعَلَّقَ بِسُبُوطَتِهِ بِاشْتِرَاطٍ أَوْ بِرُؤْيَةٍ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا ، وَيَدُلُّكَ عَلَى هَذَا أَنَّ الصَّحِيحَ - كَمَا تَقَدَّمَ - أَنَّ التَّصْرِيَةَ مُلْحَقَةٌ بِالْعَيْبِ ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالْعِرَاقِيِّينَ وَلِذَلِكَ كَانَ الصَّحِيحُ ثُبُوتَ الْخِيَارِ فِيمَا إذَا تَحَفَّلَتْ بِنَفْسِهَا ، وَالطَّرِيقَةُ الصَّحِيحَةُ هَهُنَا جَرَيَانُ الْوَجْهَيْنِ ، فَلَوْ كَانَ الْمَأْخَذُ فِي ذَلِكَ إلْحَاقُهُ بِالْعَيْبِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَقَطَعُوا بِعَدَمِ الْخِيَارِ هَهُنَا .
وَأَمَّا كَوْنُ الصَّحِيحِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ هَهُنَا أَنَّهُ لَا خِيَارَ ; فَلِأَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا أَخْلَفَ الشَّرْطَ لِصِفَةٍ أَكْمَلَ كَذَلِكَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَبِمَا ذَكَرْنَاهُ يَظْهَرُ لَكَ أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ مُتَّفَقٌ عَلَى إلْحَاقِهِ بِالتَّصْرِيَةِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الرَّدِّ بِحُكْمِ ذَلِكَ فَعَلَى وَجْهٍ يُرَدُّ كَمَا فِي التَّصْرِيَةِ ، وَعَلَى الصَّحِيحِ لَا يُرَدُّ لِخُرُوجِهِ أَكْمَلَ وَهُوَ لَوْ شَرَطَ وَصْفًا فَخَرَجَ أَكْمَلَ لَمْ يُرَدَّ عَلَى الصَّحِيحِ . وَبِهَذَا التَّحْقِيقِ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقِسْمُ مِنْ الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى وَلَا يَكُونُ مِنْ الْمَرْتَبَةِ الْمُتَوَسِّطَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهَا فِي كَلَامِ الْإِمَامِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ لِكَوْنِهِ مِنْ صُوَرِ الْخِلَافِ فِي الْجُمْلَةِ نَعَمْ كَلَامُ الصَّيْدَلَانِيِّ وَمَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ ضَعْفِ الظَّنِّ وَتَصَوُّرِ الْفِعْلِ يَقْتَضِي التَّرَدُّدَ فِي إلْحَاقِهِ بِالتَّصْرِيَةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ . ثُمَّ إنَّ الْمُصَنِّفَ رَحِمَهُ اللَّهُ رَدَّ الْوَجْهَ الثَّانِيَ بِأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِهِ أَيْ لَا اعْتِبَارَ بِغَرَضِ الْمُشْتَرِي ، وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِمَا يَزِيدُ فِي الثَّمَنِ ; لِأَنَّهُ الْمُعْتَبَرُ لِعُمُومِ النَّاسِ ، وَهَذَا سَيَأْتِي مِثْلُهُ أَيْضًا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا إذَا شَرَطَ أَنَّهَا ثَيِّبٌ فَخَرَجَتْ 289 بِكْرًا ، وَقَدْ حَكَى الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ أَنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِاشْتِرَاطِ السُّبُوطَةِ فَخَرَجَتْ جَعْدَةً ، قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِخُرَاسَانَ : يَثْبُتُ الْخِيَارُ وَجْهًا وَاحِدًا لِأَجْلِ التَّصْرِيحِ ، وَقِيلَ : فِيهِ وَجْهَانِ . فَحَصَلَ فِي كُلٍّ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ طَرِيقَانِ ( الصَّحِيحُ فِيهِمَا ) إجْرَاءُ الْوَجْهَيْنِ وَقِيلَ فِي الْمَسْأَلَةِ الشَّرْطُ يَثْبُتُ قَطْعًا ، وَقِيلَ فِي مَسْأَلَةِ التَّدْلِيسِ لَا يَثْبُتُ قَطْعًا .
( الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ ) الَّتِي هِيَ مَحَلُّ الْخِلَافِ مَا يَضْعُفُ الظَّنُّ فِيهِ . وَالْخِلَافُ فِي هَذَا الْقِسْمِ فِي إلْحَاقِهِ بِالتَّصْرِيَةِ لِأَجْلِ التَّغْرِيرِ وَالظَّنِّ ، أَوَّلًا لِضَعْفِ الظَّنِّ فِي هَذَا الْقِسْمِ وَقُصُورِهِ عَلَى الشَّرْطِ وَالظَّنِّ الْمُسْنَدِ إلَى أَمْرٍ غَالِبٍ ، فَمِنْ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ هَذَا يَقْرُبُ اكْتِشَافُهُ وَجَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ بِخِلَافِ تَسْوِيدِ الشَّعْرِ وَنَحْوِهِ ، وَكَذَلِكَ الْخِلَافُ فِي هَذَا الْقِسْمِ ، فَمِنْ ذَلِكَ لَوْ لَطَخَ ثَوْبَ الْعَبْدِ بِالْمِدَادِ أَوْ أَلْبَسَهُ ثَوْبَ الْكَتَبَةِ وَالْخَبَّازِينَ ، أَوْ سَوَّدَ أَنَامِلَهُ وَخُيِّلَ كَوْنُهُ كَاتِبًا أَوْ خَبَّازًا فَبَانَ خِلَافَهُ فَوَجْهَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلتَّلْبِيسِ ( وَأَصَحُّهُمَا ) عِنْدَ الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ لَا خِيَارَ وَبِهِ جَزَمَ الْجُرْجَانِيُّ ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَلْبِسُ ثَوْبَ غَيْرِهِ عَارِيَّةً فَالذَّنْبُ لِلْمُشْتَرِي حَيْثُ اغْتَرَّ بِمَا لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ تَغْرِيرٍ ، وَعَلَى هَذَا لَوْ أَلْبَسَهُ ثَوْبَ الْأَتْرَاكِ فَظَنَّ الْمُشْتَرِي أَنَّ الْمَمْلُوكَ تُرْكِيٌّ وَكَانَ رُومِيًّا ، فَالْحُكْمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، قَالَهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَكْثَرَ عَلْفَ الْبَهِيمَةِ حَتَّى انْتَفَخَ بَطْنُهَا ، فَتَخَيَّلَ الْمُشْتَرِي كَوْنَهَا حَامِلًا قَالَهُ الْإِمَامُ وَالْمُتَوَلِّي قَوْلًا عَنْ الْأَصْحَابِ وَالرَّافِعِيِّ .
كَذَلِكَ لَوْ أَرْسَلَ الزُّنْبُورَ فِي ضَرْعِهَا حَتَّى انْتَفَخَ ، وَظَنَّهَا الْمُشْتَرِي لَبُونًا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَالرَّافِعِيُّ أَيْضًا ; لِأَنَّ الْحَمْلَ لَا يَكَادُ يَلْتَبِسُ عَلَى الْخَبِيرِ وَمَعْرِفَةُ اللَّبَنِ مُتَيَسِّرَةٌ بِعَصْرِ الثَّدْيِ ، بِخِلَافِ صُورَةِ التَّصْرِيَةِ ، وَكَثْرَةِ اللَّبَنِ ، فَإِنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهَا ، وَقِيلَ إثْبَاتُ الْخِيَارِ فِي مَسْأَلَةِ تَحَمُّلِ الْحَمْلِ مَنْسُوبٌ إلَى أَبِي حَامِدٍ ، وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فِي ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ فِي الدَّوَابِّ لَيْسَ بِعَيْبٍ كَمَا هُوَ أَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ فِي الرَّافِعِيِّ فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ وَالْمَوْجُودُ فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ . أَمَّا إذَا قُلْنَا : إنَّهُ عَيْبٌ ، وَهُوَ مَا أَوْرَدَهُ فِي التَّهْذِيبِ ، فَيَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِيمَا إذَا سَبَطَ شَعْرَ الْجَارِيَةِ ثُمَّ بَانَ أَنَّهَا جَعْدَةٌ 290 لِأَنَّ الْأَغْرَاضَ تَخْتَلِفُ بِهِ وَإِنْ كَانَ يَعُدُّهُ وَصْفَ كَمَالٍ ، وَقَدْ أَسْلَفْتُ مَا فِيهِ .
( قُلْتُ : ) وَكَانَ مُرَادُهُ بِذَلِكَ أَنْ يَأْتِيَ فِيهِ عَلَى طَرِيقَةٍ قَاطِعَةٍ بِعَدَمِ الْخِيَارِ . كَمَا قَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ هُنَاكَ ، وَانْتَصَرَ لَهُ . وَإِنْ كُنْتُ قَدْ بَيَّنْتُ هُنَاكَ مَا يَرُدُّهُ مِنْ كَلَامِ الصَّيْدَلَانِيِّ أَمَّا هَهُنَا فَلَا يَأْتِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ الِاعْتِرَاضِ بِكَلَامِ الصَّيْدَلَانِيِّ ، وَلَكِنْ قَدْ يُقَالُ : الْحَمْلُ وَإِنْ كَانَ عَيْبًا فَقَدْ يَقْصِدُهُ بَعْضُ الْعُقَلَاءِ ، وَيَتَعَلَّقُ الْغَرَضُ بِهِ ، وَلِهَذَا يَصِحُّ اشْتِرَاطُهُ فِي الْجَارِيَةِ عَلَى الْأَصَحِّ وَإِنْ كَانَ عَيْبًا فِيهَا ، وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ بِعَدَمِهِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ . ( وَالطَّرِيقَةُ الصَّحِيحَةُ ) إجْرَاءُ الْقَوْلَيْنِ فِي اشْتِرَاطِ حَمْلِ الْجَارِيَةِ . وَالطَّرِيقَةُ الْقَاطِعَةُ بِالصِّحَّةِ فِيهَا لِأَجْلِ أَنَّ الْحَمْلَ فِي الْآدَمِيَّاتِ عَيْبٌ ، وَأَنَّ شَرْطَهُ إعْلَامٌ بِالْعَيْبِ ضَعِيفٌ . وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْحَمْلَ فِي الْجَارِيَةِ وَالْبَهِيمَةِ زِيَادَةٌ وَنَقْصٌ كَمَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ ، فَلَيْسَ نَقْصًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، حَتَّى يَكُونَ عَدَمُهُ كَعَدَمِ الْعَيْبِ ، بَلْ عَدَمُهُ يَفُوتُ بِهِ مَا فِيهِ مِنْ الزِّيَادَةِ ; فَلِذَلِكَ يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ .
وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ : إنَّا إذَا قُلْنَا : إنَّهُ عَيْبٌ فَأَخْلَفَ فَلَا خِيَارَ لَهُ كَمَا إذَا شَرَطَ أَنَّهُ سَارِقٌ فَخَرَجَ غَيْرَ سَارِقٍ . وَفِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا يَقْتَضِي أَنَّ هَذِهِ طَرِيقَةً لَيْسَتْ الْمَذْهَبَ ، وَلَكِنْ مَعَ ذَلِكَ إنَّمَا يَأْتِي إذَا قُلْنَا الْحَمْلُ عَيْبٌ وَنَقْصٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، وَهُوَ بَعِيدٌ . فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَقْصُودًا لِلْعُقَلَاءِ وَيَرْغَبُ فِيهِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لِأَغْرَاضٍ صَحِيحَةٍ بِخِلَافِ الْعَيْبِ الْمَحْضِ .
( وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ ) أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ فِي التَّدْلِيسِ بِالسُّبُوطَةِ وَجْهًا وَاحِدًا وَإِنْ ثَبَتَ فِي الْخُلْفِ بِاشْتِرَاطِهَا ، قَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ وَجَعَلَ 287 ذَلِكَ ضَابِطًا عَامًا : إنَّ كُلَّ مَا لَوْ كَانَ مَشْرُوطًا وَاتَّصَلَ الْخُلْفُ بِهِ اقْتَضَى خِيَارًا ، وَجْهًا وَاحِدًا فَالتَّدْلِيسُ الظَّاهِرُ فِيهِ كَالشَّرْطِ ، فَإِذَا جَعَّدَ شَعْرَ الْمَمْلُوكِ ثُمَّ بَانَ سَبْطًا ثَبَتَ الْخِيَارُ وَكُلُّ مَا لَوْ فُرِضَ مَشْهُورًا وَصُوِّرَ الْخُلْفُ فِيهِ فَكَانَ فِي الْخِيَارِ وَجْهَانِ ، فَإِذَا فُرِضَ التَّدْلِيسُ فِيهِ ثُمَّ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ خُلْفُ الظَّنِّ ، قَالَ : لَا خِيَارَ وَجْهًا وَاحِدًا ، لِضَعْفِ الْمَظْنُونِ أَوَّلًا وَقُصُورِ الْفِعْلِ فِي الْبَابِ عَنْ الْقَوْلِ .
قَالَ الْإِمَامُ : وَهَذَا تَحَكُّمٌ لَا يُسَاعِدُ عَلَيْهِ ، وَالتَّدْلِيسُ فِي ظَاهِرِ الْفِعْلِ كَالْقَوْلِ فِي مَجَالِ الْوِفَاقِ وَالْخِلَافُ عَلَى الِاطِّرَادِ وَالِاسْتِوَاءِ ، فَإِذَا سَبَطَ الرَّجُلُ شَعْرَ الْجَارِيَةِ ثُمَّ بَانَ أَنَّ شَعْرَهَا جَعْدٌ فَفِي الْخِيَارِ الْوَجْهَانِ عِنْدَنَا . قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : وَلَكَ أَنْ تَعْجَبَ مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ : إنَّ مَا ذَكَرَهُ الصَّيْدَلَانِيُّ تَحَكُّمٌ عَجَبًا ظَاهِرًا مِنْ جِهَةِ أَنَّ مَأْخَذَ إثْبَاتِ الْخِيَارِ عِنْدَ التَّغْرِيرِ بِالْفِعْلِ التَّصْرِيَةُ بِلَا نِزَاعٍ وَقَدْ حَكَى أَنَّ مَأْخَذَ إثْبَاتِ الْخِيَارِ فِي الْمُصَرَّاةِ عِنْدَ بَعْضِ الْأَصْحَابِ إلْحَاقُ ذَلِكَ بِالْعَيْبِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَحْسُنْ إثْبَاتُهُ إذَا خَرَجَ الْمَبِيعُ أَجْوَدَ مِمَّا رَآهُ ; لِأَنَّهُ لَا عَيْبَ وَيَكُونُ حِينَئِذٍ الصَّيْدَلَانِيُّ فِي قَطْعِهِ نَاظِرًا لِلْمَعْنَى الْمَذْكُورِ ، وَلَعَلَّهُ هُوَ قَائِلُهُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ قَائِلُهُ اسْتَفَدْنَا مِنْ كَلَامِهِ هَذَا أَنَّهُ مُوَافِقٌ لَهُ .
( قُلْتُ : ) وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَمْرَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ الصَّيْدَلَانِيَّ إنَّمَا عَلَّلَ انْتِفَاءَ الْخِيَارِ لِضَعْفِ الظَّنِّ وَقُصُورِ الْفِعْلِ عَنْ الْقَوْلِ . وَهَذَا الْمَعْنَى لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْجُعُودَةِ وَالسُّبُوطَةِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْفِعْلُ وَالظَّنُّ مُعْتَبَرًا فِي الثَّانِي لَمْ يَكُنْ مُعْتَبَرًا فِي الْأَوَّلِ ، فَلَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَإِنْ قِيلَ بِمُسَاوَاةِ ذَلِكَ الْقَوْلِ فَيَثْبُتُ فِيهِمَا ، وَإِنْ قِيلَ بِاعْتِبَارِهِ مَعَ انْحِطَاطِهِ عَنْ رُتْبَةِ الْقَوْلِ حَتَّى يُجْرَى الْخِلَافُ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الصُّورَتَيْنِ . أَمَّا الْحُكْمُ بِثُبُوتِ الْخِيَارِ فِي الْأُولَى قَطْعًا كَالْقَوْلِ وَعَدَمِهِ فِي الثَّانِيَةِ قَطْعًا لَا وَجْهَ لَهُ . وَلَوْ كَانَ الصَّيْدَلَانِيُّ سَكَتَ عَنْ التَّعْلِيلِ لَأَمْكَنَ تَحَمُّلُ ذَلِكَ وَأَنَّ الْخِيَارَ ثَابِتٌ فِي الْأُولَى بِالْعَيْبِ وَمُنْتَفٍ فِي الثَّانِيَةِ لِعَدَمِ الْعَيْبِ ، لَكِنَّ كَلَامَهُ نَاصٌّ عَلَى أَنَّ التَّدْلِيسَ كَالشَّرْطِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى ، وَعَلَى انْتِفَاءِ الثَّانِيَةِ لِضَعْفِ الظَّنِّ وَقُصُورِ الْفِعْلِ فَلَا جَرَمَ قَالَ الْإِمَامُ : إنَّ ذَلِكَ تَحَكُّمٌ .
( الثَّانِي ) أَنَّ الْقَائِلِينَ مِنْ الْأَصْحَابِ بِأَنَّ إثْبَاتَ الْخِيَارِ فِي التَّصْرِيَةِ 288 مَأْخَذُهُ الْإِلْحَاقُ بِالْعَيْبِ ، مَعْنَاهُ الِاكْتِفَاءُ فِي ثُبُوتِهِ بِفَوَاتِ الَّذِي وَطَّنَ الْمُشْتَرِي نَفْسَهُ عَلَيْهِ بِرُؤْيَتِهِ لِلْمَبِيعِ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ ، حَتَّى يَثْبُتَ فِيمَا إذَا تَحَفَّلَتْ الشَّاةُ بِنَفْسِهَا وَمُقَابَلَةُ الْقَوْلِ الَّذِي يَلْحَقُ ذَلِكَ بِخِيَارِ الْخُلْفِ حَتَّى لَا يَثْبُتَ الْخِيَارُ إلَّا إذَا كَانَ حَاصِلًا بِتَدْلِيسٍ مِنْ الْبَائِعِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَمْكَنَ أَنْ يَقُولَ بِثُبُوتِ الْخِيَارِ هَهُنَا ; لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ وَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَى السُّبُوطَةِ لَمَّا رَآهَا ، وَقَدْ يَكُونُ لَهُ فِيهَا غَرَضٌ فَلَيْسَ مَعْنَى إلْحَاقِ ذَلِكَ بِالْعَيْبِ إلَّا جَعْلَ دَلَالَةِ الرُّؤْيَةِ عَلَى هَذَا الْوَصْفِ كَدَلَالَةِ الْغَلَبَةِ عَلَى وَصْفِ السَّلَامَةِ ، فَخُرُوجُهَا عَلَى غَيْرِ الْوَصْفِ الَّذِي رَآهُ هُوَ الْعَيْبُ ، وَلَيْسَ الْوَصْفُ الَّذِي رَآهُ مِنْ السُّبُوطَةِ أَوْ كِبَرِ الضَّرْعَ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ بِالتَّصْرِيَةِ عَيْبًا ، وَاَلَّذِي يَقُولُ بِأَنَّ الْغَرَضَ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِالشَّعْرِ السَّبْطِ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَجْعَلَ خُرُوجَهُ جَعْدًا بِمَنْزِلَةِ الْعَيْبِ ، إذَا كَانَ الْغَرَضُ قَدْ تَعَلَّقَ بِسُبُوطَتِهِ بِاشْتِرَاطٍ أَوْ بِرُؤْيَةٍ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا ، وَيَدُلُّكَ عَلَى هَذَا أَنَّ الصَّحِيحَ - كَمَا تَقَدَّمَ - أَنَّ التَّصْرِيَةَ مُلْحَقَةٌ بِالْعَيْبِ ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالْعِرَاقِيِّينَ وَلِذَلِكَ كَانَ الصَّحِيحُ ثُبُوتَ الْخِيَارِ فِيمَا إذَا تَحَفَّلَتْ بِنَفْسِهَا ، وَالطَّرِيقَةُ الصَّحِيحَةُ هَهُنَا جَرَيَانُ الْوَجْهَيْنِ ، فَلَوْ كَانَ الْمَأْخَذُ فِي ذَلِكَ إلْحَاقُهُ بِالْعَيْبِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَقَطَعُوا بِعَدَمِ الْخِيَارِ هَهُنَا .
وَأَمَّا كَوْنُ الصَّحِيحِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ هَهُنَا أَنَّهُ لَا خِيَارَ ; فَلِأَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا أَخْلَفَ الشَّرْطَ لِصِفَةٍ أَكْمَلَ كَذَلِكَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَبِمَا ذَكَرْنَاهُ يَظْهَرُ لَكَ أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ مُتَّفَقٌ عَلَى إلْحَاقِهِ بِالتَّصْرِيَةِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الرَّدِّ بِحُكْمِ ذَلِكَ فَعَلَى وَجْهٍ يُرَدُّ كَمَا فِي التَّصْرِيَةِ ، وَعَلَى الصَّحِيحِ لَا يُرَدُّ لِخُرُوجِهِ أَكْمَلَ وَهُوَ لَوْ شَرَطَ وَصْفًا فَخَرَجَ أَكْمَلَ لَمْ يُرَدَّ عَلَى الصَّحِيحِ . وَبِهَذَا التَّحْقِيقِ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقِسْمُ مِنْ الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى وَلَا يَكُونُ مِنْ الْمَرْتَبَةِ الْمُتَوَسِّطَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهَا فِي كَلَامِ الْإِمَامِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ لِكَوْنِهِ مِنْ صُوَرِ الْخِلَافِ فِي الْجُمْلَةِ نَعَمْ كَلَامُ الصَّيْدَلَانِيِّ وَمَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ ضَعْفِ الظَّنِّ وَتَصَوُّرِ الْفِعْلِ يَقْتَضِي التَّرَدُّدَ فِي إلْحَاقِهِ بِالتَّصْرِيَةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ . ثُمَّ إنَّ الْمُصَنِّفَ رَحِمَهُ اللَّهُ رَدَّ الْوَجْهَ الثَّانِيَ بِأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِهِ أَيْ لَا اعْتِبَارَ بِغَرَضِ الْمُشْتَرِي ، وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِمَا يَزِيدُ فِي الثَّمَنِ ; لِأَنَّهُ الْمُعْتَبَرُ لِعُمُومِ النَّاسِ ، وَهَذَا سَيَأْتِي مِثْلُهُ أَيْضًا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا إذَا شَرَطَ أَنَّهَا ثَيِّبٌ فَخَرَجَتْ 289 بِكْرًا ، وَقَدْ حَكَى الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ أَنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِاشْتِرَاطِ السُّبُوطَةِ فَخَرَجَتْ جَعْدَةً ، قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِخُرَاسَانَ : يَثْبُتُ الْخِيَارُ وَجْهًا وَاحِدًا لِأَجْلِ التَّصْرِيحِ ، وَقِيلَ : فِيهِ وَجْهَانِ . فَحَصَلَ فِي كُلٍّ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ طَرِيقَانِ ( الصَّحِيحُ فِيهِمَا ) إجْرَاءُ الْوَجْهَيْنِ وَقِيلَ فِي الْمَسْأَلَةِ الشَّرْطُ يَثْبُتُ قَطْعًا ، وَقِيلَ فِي مَسْأَلَةِ التَّدْلِيسِ لَا يَثْبُتُ قَطْعًا .
( الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ ) الَّتِي هِيَ مَحَلُّ الْخِلَافِ مَا يَضْعُفُ الظَّنُّ فِيهِ . وَالْخِلَافُ فِي هَذَا الْقِسْمِ فِي إلْحَاقِهِ بِالتَّصْرِيَةِ لِأَجْلِ التَّغْرِيرِ وَالظَّنِّ ، أَوَّلًا لِضَعْفِ الظَّنِّ فِي هَذَا الْقِسْمِ وَقُصُورِهِ عَلَى الشَّرْطِ وَالظَّنِّ الْمُسْنَدِ إلَى أَمْرٍ غَالِبٍ ، فَمِنْ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ هَذَا يَقْرُبُ اكْتِشَافُهُ وَجَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ بِخِلَافِ تَسْوِيدِ الشَّعْرِ وَنَحْوِهِ ، وَكَذَلِكَ الْخِلَافُ فِي هَذَا الْقِسْمِ ، فَمِنْ ذَلِكَ لَوْ لَطَخَ ثَوْبَ الْعَبْدِ بِالْمِدَادِ أَوْ أَلْبَسَهُ ثَوْبَ الْكَتَبَةِ وَالْخَبَّازِينَ ، أَوْ سَوَّدَ أَنَامِلَهُ وَخُيِّلَ كَوْنُهُ كَاتِبًا أَوْ خَبَّازًا فَبَانَ خِلَافَهُ فَوَجْهَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلتَّلْبِيسِ ( وَأَصَحُّهُمَا ) عِنْدَ الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ لَا خِيَارَ وَبِهِ جَزَمَ الْجُرْجَانِيُّ ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَلْبِسُ ثَوْبَ غَيْرِهِ عَارِيَّةً فَالذَّنْبُ لِلْمُشْتَرِي حَيْثُ اغْتَرَّ بِمَا لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ تَغْرِيرٍ ، وَعَلَى هَذَا لَوْ أَلْبَسَهُ ثَوْبَ الْأَتْرَاكِ فَظَنَّ الْمُشْتَرِي أَنَّ الْمَمْلُوكَ تُرْكِيٌّ وَكَانَ رُومِيًّا ، فَالْحُكْمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، قَالَهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَكْثَرَ عَلْفَ الْبَهِيمَةِ حَتَّى انْتَفَخَ بَطْنُهَا ، فَتَخَيَّلَ الْمُشْتَرِي كَوْنَهَا حَامِلًا قَالَهُ الْإِمَامُ وَالْمُتَوَلِّي قَوْلًا عَنْ الْأَصْحَابِ وَالرَّافِعِيِّ .
كَذَلِكَ لَوْ أَرْسَلَ الزُّنْبُورَ فِي ضَرْعِهَا حَتَّى انْتَفَخَ ، وَظَنَّهَا الْمُشْتَرِي لَبُونًا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَالرَّافِعِيُّ أَيْضًا ; لِأَنَّ الْحَمْلَ لَا يَكَادُ يَلْتَبِسُ عَلَى الْخَبِيرِ وَمَعْرِفَةُ اللَّبَنِ مُتَيَسِّرَةٌ بِعَصْرِ الثَّدْيِ ، بِخِلَافِ صُورَةِ التَّصْرِيَةِ ، وَكَثْرَةِ اللَّبَنِ ، فَإِنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهَا ، وَقِيلَ إثْبَاتُ الْخِيَارِ فِي مَسْأَلَةِ تَحَمُّلِ الْحَمْلِ مَنْسُوبٌ إلَى أَبِي حَامِدٍ ، وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فِي ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ فِي الدَّوَابِّ لَيْسَ بِعَيْبٍ كَمَا هُوَ أَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ فِي الرَّافِعِيِّ فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ وَالْمَوْجُودُ فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ . أَمَّا إذَا قُلْنَا : إنَّهُ عَيْبٌ ، وَهُوَ مَا أَوْرَدَهُ فِي التَّهْذِيبِ ، فَيَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِيمَا إذَا سَبَطَ شَعْرَ الْجَارِيَةِ ثُمَّ بَانَ أَنَّهَا جَعْدَةٌ 290 لِأَنَّ الْأَغْرَاضَ تَخْتَلِفُ بِهِ وَإِنْ كَانَ يَعُدُّهُ وَصْفَ كَمَالٍ ، وَقَدْ أَسْلَفْتُ مَا فِيهِ .
( قُلْتُ : ) وَكَانَ مُرَادُهُ بِذَلِكَ أَنْ يَأْتِيَ فِيهِ عَلَى طَرِيقَةٍ قَاطِعَةٍ بِعَدَمِ الْخِيَارِ . كَمَا قَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ هُنَاكَ ، وَانْتَصَرَ لَهُ . وَإِنْ كُنْتُ قَدْ بَيَّنْتُ هُنَاكَ مَا يَرُدُّهُ مِنْ كَلَامِ الصَّيْدَلَانِيِّ أَمَّا هَهُنَا فَلَا يَأْتِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ الِاعْتِرَاضِ بِكَلَامِ الصَّيْدَلَانِيِّ ، وَلَكِنْ قَدْ يُقَالُ : الْحَمْلُ وَإِنْ كَانَ عَيْبًا فَقَدْ يَقْصِدُهُ بَعْضُ الْعُقَلَاءِ ، وَيَتَعَلَّقُ الْغَرَضُ بِهِ ، وَلِهَذَا يَصِحُّ اشْتِرَاطُهُ فِي الْجَارِيَةِ عَلَى الْأَصَحِّ وَإِنْ كَانَ عَيْبًا فِيهَا ، وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ بِعَدَمِهِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ . ( وَالطَّرِيقَةُ الصَّحِيحَةُ ) إجْرَاءُ الْقَوْلَيْنِ فِي اشْتِرَاطِ حَمْلِ الْجَارِيَةِ . وَالطَّرِيقَةُ الْقَاطِعَةُ بِالصِّحَّةِ فِيهَا لِأَجْلِ أَنَّ الْحَمْلَ فِي الْآدَمِيَّاتِ عَيْبٌ ، وَأَنَّ شَرْطَهُ إعْلَامٌ بِالْعَيْبِ ضَعِيفٌ . وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْحَمْلَ فِي الْجَارِيَةِ وَالْبَهِيمَةِ زِيَادَةٌ وَنَقْصٌ كَمَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ ، فَلَيْسَ نَقْصًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، حَتَّى يَكُونَ عَدَمُهُ كَعَدَمِ الْعَيْبِ ، بَلْ عَدَمُهُ يَفُوتُ بِهِ مَا فِيهِ مِنْ الزِّيَادَةِ ; فَلِذَلِكَ يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ .
وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ : إنَّا إذَا قُلْنَا : إنَّهُ عَيْبٌ فَأَخْلَفَ فَلَا خِيَارَ لَهُ كَمَا إذَا شَرَطَ أَنَّهُ سَارِقٌ فَخَرَجَ غَيْرَ سَارِقٍ . وَفِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا يَقْتَضِي أَنَّ هَذِهِ طَرِيقَةً لَيْسَتْ الْمَذْهَبَ ، وَلَكِنْ مَعَ ذَلِكَ إنَّمَا يَأْتِي إذَا قُلْنَا الْحَمْلُ عَيْبٌ وَنَقْصٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، وَهُوَ بَعِيدٌ . فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَقْصُودًا لِلْعُقَلَاءِ وَيَرْغَبُ فِيهِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لِأَغْرَاضٍ صَحِيحَةٍ بِخِلَافِ الْعَيْبِ الْمَحْضِ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث