المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الحادي عشر
( فَرْعٌ ) غَيْرُ الْمُصَرَّاةِ إذَا حَلَبَ لَبَنَهَا ثُمَّ رَدَّهَا بِعَيْبٍ ، ذَكَرَ الْعِرَاقِيُّونَ هَذَا الْفَرْعَ فِي مُنَاظَرَةٍ جَرَتْ بَيْنَ الشَّافِعِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بَعْضُهُمْ عَنْ الْإِمْلَاءِ وَبَعْضُهُمْ عَنْ الْقَدِيمِ قَالَ الشَّافِعِيُّ : قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : فَمَا تَقُولُونَ فِيمَا إذَا اشْتَرَى شَاةً لَيْسَتْ بِمُصَرَّاةٍ وَلَكِنْ فِيهَا لَبَنٌ فَحَلَبَهَا زَمَانًا ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا أَلَهُ الرَّدُّ ؟ . ( قُلْتُ : ) نَعَمْ فَقَالَ : إذَا رَدَّ أَيَرُدُّ شَيْئًا لِأَجْلِ اللَّبَنِ ؟ . ( قُلْتُ : ) لَا ، هَكَذَا نَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ هَذِهِ الْمُنَاظَرَةَ قَالَ : وَالْفَصْلُ بَيْنَهُمَا أَنَّ لَبَنَ الْمُصَرَّاةِ مُتَحَقِّقٌ فَوُجُودُهُ حَالَةَ الْعَقْدِ يَتَقَسَّطُ عَلَيْهِ بَعْضُ الثَّمَنِ فَوَجَبَ رَدُّ قِيمَتِهِ عَلَى الْبَائِعِ عِنْدَ تَلَفِهِ وَغَيْرُ الْمُصَرَّاةِ لَا يَتَحَقَّقُ وُجُودُ لَبَنِهَا حَالَةَ الْعَقْدِ ، فَلَمْ يَتَقَسَّطْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ فَلَمْ يَجِبْ رَدُّ قِيمَتِهِ . وَاعْتَرَضَ الْإِمَامُ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّا إذَا كُنَّا نُرَدِّدُ الْقَوْلَ فِي أَنَّ الْحَمْلَ هَلْ يُعْلَمُ ؟ فَاللَّبَنُ مَعْلُومٌ فِي الضَّرْعِ ، قَالَ : وَكَيْفَ لَا ؟ وَقَدْ تَتَكَامَلُ الدَّرَّةُ ، وَيَأْخُذُ الضَّرْعُ فِي التَّقْطِيرِ ، وَلَكِنَّ الْوَجْهَ أَنْ نَجْعَلَ اللَّبَنَ كَالْحَمْلِ فِي مُقَابَلَتِهِ بِقِسْطٍ مِنْ الثَّمَنِ ( فَإِنْ قُلْنَا ) لَا يُقَابَلُ بِقِسْطٍ ، فَالْجَوَابُ 294 مَا حَكَوْهُ ( وَإِنْ قُلْنَا ) يُقَابَلُ ، فَالْوَجْهُ أَنْ يَرُدَّ بِسَبَبِ اللَّبَنِ شَيْئًا ، وَجَزَمَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ بِأَنَّهُ يَرُدُّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ . وَحَكَى الرَّافِعِيُّ مَا قَالَهُ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ ، وَمَا حَكَاهُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ النَّصِّ ، وَمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ عَنْ التَّخْرِيجِ عَلَى أَنَّهُ هَلْ يَأْخُذُ قِسْطًا مِنْ الثَّمَنِ ؟ قَالَ : وَالصَّحِيحُ الْأَخْذُ ، وَذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى تَرْجِيحِ طَرِيقَةِ الْإِمَامِ أَوْ طَرِيقَةِ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْمَحْكِيَّةِ عَنْ النَّصِّ ، وَأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ يَرُدُّ بَدَلَ اللَّبَنِ .
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : إنَّ لَهُ الرَّدَّ وَعَلَيْهِ رَدُّ بَدَلِ اللَّبَنِ وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُهُ رَدُّ صَاعٍ ; لِأَنَّ الصَّاعَ عِوَضُ لَبَنِ التَّصْرِيَةِ ، فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى قَدْرِهِ فَذَاكَ ، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي ، فَهَذِهِ أَرْبَعُ طُرُقٍ ، وَفِي تَعْلِيقِ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ يَرُدُّهَا قَوْلًا وَاحِدًا ، وَيَرُدُّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ ، وَفِي هَذَا مُوَافَقَةٌ لِصَاحِبِ التَّهْذِيبِ ، وَفِي تَعْلِيقِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الَّتِي بِخَطِّ سَلِيمٍ ، وَتَعْلِيقِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَغَيْرِهِمَا تَفْصِيلٌ لَا بُدَّ مِنْهُ ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُمْكِنْ هُنَاكَ رَدُّ اللَّبَنِ الْمَحْلُوبِ وَلَا رَدُّ شَيْءٍ لِأَجْلِهِ ; لِأَنَّ اللَّبَنَ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِي حَالَةِ الْعَقْدِ وَإِنَّمَا حَدَثَ فِي مِلْكِهِ وَإِنْ كَانَ يُنْتَجُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ شَيْءٌ فَذَلِكَ يَسِيرٌ لَا حُكْمَ لَهُ ، وَمَا حَدَثَ فِي مِلْكِهِ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ الرَّدِّ وَلَا يُوجِبُ عَلَيْهِ بَدَلًا كَغَلَّةِ الْعَبْدِ ، فَهَذَا الْقِسْمُ لَا يُمْكِنُ الْخِلَافُ فِيهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ الْعَقْدِ لَبَنٌ يُقَابَلُ بِقِسْطٍ مِنْ الثَّمَنِ ، فَإِيجَابُ الْبَدَلِ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَعْنًى وَلَا يُفِيدُ أَنَّ فِي ضَرْعِهَا لَبَنٌ مُجْتَمِعٌ لَبَنُ الْعَادَةِ لَا لَبَنُ التَّصْرِيَةِ ، فَحَلَبَهَا ثُمَّ عَلِمَ بِهَا عَيْبًا فَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ تَالِفًا فَلَا رَدَّ ; لِأَنَّهُ تَنَاوَلَهُ لِاسْتِعْلَامِ الْعَيْبِ ، فَلَا يُمْكِنُ لَهُ رَدُّ بَعْضِ الْمَبِيعِ . وَنَقَلَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ أَنَّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ : لَهُ رَدُّ الشَّاةِ وَلَا يَرُدُّ بَدَلَ اللَّبَنِ ، وَأَنَّهُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ ; لِأَنَّ لَبَنَ غَيْرِ التَّصْرِيَةِ يَسِيرٌ ، قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ وَالشَّاشِيُّ : وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ ، وَإِذَا ضَمَمْتَ 295 مَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ إلَى مَا اخْتَارَهُ هُوَ لَاجْتَمَعَ فِي الْمَسْأَلَةِ فِي هَذَا الْقِسْمِ خَمْسُ طُرُقٍ : ( أَحَدُهَا ) امْتِنَاعُ الرَّدِّ . وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَمَنْ وَافَقَهُمَا .
( وَالثَّانِي ) الرَّدُّ فَلَا يَرُدُّ بَدَلَ اللَّبَنِ شَيْئًا ، وَهُوَ الْمَحْكِيُّ عَنْ نَصِّهِ فِي الْقَدِيمِ . وَالرَّافِعِيُّ نَقَلَهُ عَنْ حِكَايَةِ أَبِي حَامِدٍ ، وَلَمْ أَرَهُ فِي تَعْلِيقِهِ فِي هَذَا الْقِسْمِ صَرِيحًا ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ مُطْلَقًا . وَأَمَّا أَبُو الطَّيِّبِ فَإِنَّهُ صَرَّحَ بِهِ فِي هَذَا الْقِسْمِ كَمَا ذَكَرْتُ . ( الطَّرِيقُ الثَّالِثُ ) قَوْلُ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ : إنَّهُ يَرُدُّهَا وَيَرُدُّ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ . ( الرَّابِعُ ) قَوْلُ الْمَاوَرْدِيُّ : إنَّهُ يَرُدُّ بَدَلَ اللَّبَنِ وَلَا يَرُدُّ الصَّاعَ . ( الْخَامِسُ ) قَوْلُ الْإِمَامِ : التَّخْرِيجُ عَلَى مُقَابَلَتِهِ بِالْقِسْطِ وَالْأَصَحُّ الْمُقَابَلَةُ ، فَيَلْزَمُ رَدُّ بَدَلِهِ ، لَكِنْ مَاذَا يَرُدُّ هَلْ هُوَ التَّمْرُ ؟ كَمَا قَالَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ أَوْ غَيْرُهُ ؟ كَمَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ ، لَمْ يُصَرِّحْ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ بِشَيْءٍ .
وَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ بَاقِيًا فَعِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَمَنْ وَافَقَهُمَا يَنْبَنِي عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ ، فِيمَا لَوْ كَانَ اللَّبَنُ بَاقِيًا وَطَلَبَ الْمُشْتَرِي رَدَّهُ مَعَ الْمُصَرَّاةِ ( إنْ قُلْنَا ) يَرُدُّ رَدَّهُ وَرَدَّهَا بِالْعَيْبِ ( وَإِنْ قُلْنَا ) لَا يَرُدُّ يَرْجِعُ بِالْأَرْشِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الرَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَصَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَالْإِمَامُ وَالْمَاوَرْدِيُّ لِحَالَةِ بَقَاءِ اللَّبَنِ بِخُصُوصِهَا ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ صَاحِبَ التَّهْذِيبِ الْقَائِلُ : يَرُدُّ بِهِ الصَّاعَ التَّمْرَ . لَا يَفْتَرِقُ الْحَالُ عِنْدَهُ بَيْنَ بَقَاءِ اللَّبَنِ وَتَلَفِهِ كَالْمُصَرَّاةِ عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَالْمَاوَرْدِيُّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ ، وَهُوَ الظَّاهِرُ لِتَعَذُّرِ الْعِلْمِ بِمِقْدَارِ اللَّبَنِ ، إلَّا أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى رَدِّهِ وَقَوْلُ الْإِمَامِ مُحْتَمِلٌ لِكَلَامِ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ وَكَلَامِ الْمَاوَرْدِيُّ كَمَا تَقَدَّمَ فَعَلَى هَذَا يَأْتِي فِي حَالَةِ بَقَاءِ اللَّبَنِ أَيْضًا سِتُّ طُرُقٍ : امْتِنَاعُ الرَّدِّ أَوْ الرَّدُّ ، وَلَا يَرُدُّ مَعَهَا شَيْئًا ، وَالرَّدُّ مَعَ رَدِّ اللَّبَنِ ، أَوْ الرَّدُّ مَعَ رَدِّ التَّمْرِ ، أَوْ الرَّدُّ مَعَ رَدِّ الْبَدَلِ غَيْرِ التَّمْرِ أَوْ التَّخْرِيجُ عَلَى الْمُقَابَلَةِ بِالْقِسْطِ . 296 وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إذَا قُلْنَا بِرَدِّ الشَّاةِ مَعَ اللَّبَنِ عِنْدَ مُقَابَلَةِ شَيْءٍ لَيْسَ فِي مَسْأَلَةِ الْمُصَرَّاةِ عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ ، وَهُوَ أَنَّا هُنَاكَ نَقُولُ : لَهُ أَنْ يَرُدَّ وَيُجْبَرُ الْبَائِعُ عَلَى الْقَبُولِ وَلِلْمُشْتَرِي مَعَ ذَلِكَ أَنْ لَا يَرُدَّ اللَّبَنَ وَيَرُدَّ الشَّاةَ وَحْدَهَا مَعَ التَّمْرِ . وَأَمَّا هُنَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَإِنَّا نَقُولُ : إمَّا أَنْ يَرُدَّ اللَّبَنَ وَالشَّاةَ ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَرُدَّ شَيْئًا ، وَلَا نَقُولُ إنَّ لَهُ رَدَّ التَّمْرِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ تَالِفًا لَمْ يَرُدَّ التَّمْرَ ، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ بَاقِيًا ، وَاللَّبَنُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ لِعَيْنٍ أُخْرَى وَرَدَ عَلَيْهَا الْعَقْدُ فِي غَيْرِ التَّصْرِيَةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( تَنْبِيهٌ ) اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَنْ قَالَ بِالرَّدِّ وَرَدِّ شَيْءٍ بَدَلَ اللَّبَنِ يَقُولُ بِأَنَّ اللَّبَنَ يُقَابِلُهُ قِسْطٌ مِنْ الثَّمَنِ ، وَمَنْ يَقُولُ بِأَنَّهُ لَا يَرُدُّ أَصْلًا يَقُولُ بِأَنَّهُ مُقَابَلٌ بِالْقِسْطِ ، فَيُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ إطْلَاقَاتُهُمْ مُخَرَّجَةً عَلَى ذَلِكَ ، لَا أَنْ تَكُونَ طَرِيقَةً مُخَالِفَةً ، وَحِينَئِذٍ تَعُودُ الطَّرِيقُ إلَى الْقِسْمِ الْأَوَّلِ إلَى أَرْبَعَةٍ وَفِي الثَّانِي إلَى خَمْسَةٍ ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ طَرِيقَةَ الْإِمَامِ مَعَهُمْ لِمُغَايَرَتِهَا فِي ظَاهِرِ الْعِبَارَةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَإِذَا وَقَفْتَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَلِمْتَ أَنَّ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هُوَ الصَّحِيحُ أَحَدُ قَوْلَيْنِ ، إمَّا امْتِنَاعُ الرَّدِّ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ كَمَا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ : إنَّهُ الْأَقْيَسُ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ اللَّبَنَ يُقَابِلُهُ قِسْطٌ مِنْ الثَّمَنِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ مِنْ غَيْرِ رَدِّ بَدَلِهِ وَلَا مَعَ بَدَلِهِ ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ ، وَرَدِّ الشَّاةِ بَعْدَ تَعَيُّبِهَا بِمَا لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الْوُقُوفِ عَلَى الْعَيْبِ ، وَلِأَنَّ الصَّاعَ الَّذِي جُعِلَ بَدَلًا عَنْ اللَّبَنِ وَرَدَ فِي الْمُصَرَّاةِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَلَا يُقَاسُ غَيْرُهُ عَلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي ; لِأَنَّهُمْ بَنَوْهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ السَّابِقَيْنِ فِي رَدِّ لَبَنِ الْمُصَرَّاةِ عِنْدَ بَقَائِهِ ، وَالصَّحِيحُ هُنَاكَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ قَبُولُهُ ، وَمُقْتَضَى الْبِنَاءِ أَنْ يَكُونَ الصَّحِيحُ هُنَا أَنَّهُ لَا يَرُدُّ وَيَأْخُذُ الْأَرْشَ ، وَأَخْذُ الْأَرْشِ فِي الْقِسْمَيْنِ إذَا قُلْنَا بِامْتِنَاعِ الرَّدِّ ، سَوَاءٌ كَانَ اللَّبَنُ بَاقِيًا أَوْ تَالِفًا ، وَإِنْ سَكَتُوا عَنْهُ فَالصَّحِيحُ حِينَئِذٍ امْتِنَاعُ الرَّدِّ مُطْلَقًا فِي الْقِسْمَيْنِ . وَأَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ : إنَّهُ يَرُدُّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ مُطْلَقًا فِي الْقِسْمَيْنِ فَفِيهِ بُعْدٌ . فَإِنَّ فِي الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي الْمُصَرَّاةِ إنْ صَحَّ قِيَاسُ 297 هَذِهِ عَلَيْهِ وَجَبَ أَنْ يَرُدَّ التَّمْرَ كَمَا قَالَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ قِيَاسُهَا عَلَى الْمُصَرَّاةِ وَجَبَ أَنْ يُجْرَى فِيهَا عَلَى حُكْمِ الْقِيَاسِ ; فَيَمْتَنِعَ الرَّدُّ كَمَا قَالَهُ أَبُو الطَّيِّبِ وَمَنْ وَافَقَهُ فَيَقُولُ : الْمَاوَرْدِيُّ مُخَالِفٌ لِلْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا . فَأَصَحُّ الْأَقْوَالِ وَأَحْسَنُهَا أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ إمَّا قَوْلُ أَبِي الطَّيِّبِ وَمَنْ وَافَقَهُ ، وَإِمَّا قَوْلُ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ . وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا مُرَجَّحٌ .
أَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ فَلِأَنَّهُ لَمَّا عَلِمَ مِنْ الشَّارِعِ فِي الْمُصَرَّاةِ أَنَّ بَدَلَ اللَّبَنِ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَدَلًا لَهُ فِي الْمُصَرَّاةِ فِي غَيْرِهَا لَا سِيَّمَا وَالْمَعْنَى الَّذِي ثَبَتَ لِأَجْلِهِ مِنْ قَطْعِ التَّنَازُعِ مَوْجُودٌ هَهُنَا . فَيَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْمُصَرَّاةِ ، وَأَمَّا قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَأَبِي الطَّيِّبِ وَمَنْ وَافَقَهُمَا فَيُرَجِّحُهُ الْجَرَيَانُ عَلَى الْقِيَاسِ الْكُلِّيِّ فِي غَيْرِ الْمُصَرَّاةِ ، وَقَصْرُ الْحُكْمِ الْوَارِدِ فِي الْحَدِيثِ عَلَى مَحَلِّ النَّصِّ . لِكَوْنِهِ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ فَلَا يَتَعَدَّى بِهِ مَحَلَّهُ وَالْمُخْتَارُونَ لِهَذَا الْقَوْلِ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ أَكْثَرُ . وَقَالَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ : إنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ، وَعِنْدِي فِي التَّرْجِيحِ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ نَظَرٌ ، إنْ قَوِيَ الْقِيَاسُ عَلَى الْمُصَرَّاةِ يَتَرَجَّحُ قَوْلُ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ ، وَإِلَّا يُرَجَّحُ قَوْلُ أَبِي الطَّيِّبِ ، وَهُوَ وَمَنْ وَافَقَهُ يُجِيبُونَ عَنْ الْقِيَاسِ عَلَى الْمُصَرَّاةِ بِأَنَّ الْمُصَرَّاةَ حَلْبُهَا لِاسْتِعْلَامِ الْعَيْبِ بِخِلَافِ هَذِهِ . وَالْقَلْبُ إلَى مَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ أَمْيَلُ مِنْهُ إلَى مَا قَالَهُ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ . وَالْعَجَبُ أَنَّ الرَّافِعِيَّ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِهَذَا وَلَا حَكَاهُ . هَذَا إذَا كَانَ عِنْدَ الْعَقْدِ لَبَنٌ مَوْجُودٌ لَهُ قِيمَةٌ . فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ جَازَ رَدُّ الشَّاةِ وَحْدَهَا كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ مِمَّا لَا نِزَاعَ فِيهِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ إطْلَاقَ النَّصِّ يَقْتَضِي أَيْضًا مُخَالَفَةَ قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ ، وَقَوْلِ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ وَقَوْلِ الْمَاوَرْدِيُّ وَأَنَّهُ يَرُدُّهَا وَلَا يَرُدُّ مَعَهَا شَيْئًا ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ الْأَقْوَالِ الْقَدِيمَةِ كَمَا اقْتَضَاهُ نَقْلُهُمْ لَهُ عَنْ الْقَدِيمِ ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى مَا إذَا كَانَ لَبَنٌ يَسِيرٌ . أَمَّا اللَّبَنُ الْكَثِيرُ فَهُوَ مُقَابَلٌ بِقِسْطٍ مِنْ الثَّمَنِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْأُمِّ وَحَكَيْنَاهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ ، فَلَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِالرَّدِّ بِدُونِ رَدِّ بَدَلِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . إلَّا إذَا قُلْنَا بِأَنَّهُ لَا يُقَابَلُ بِقِسْطٍ مِنْ الثَّمَنِ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا يَرُدُّ شَيْئًا لِأَجْلِ 298 اللَّبَنِ ، أَيْ اللَّبَنُ الْحَادِثُ ، فَإِنَّ فِي نَصِّهِ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ بُشْرَى قَالَ : " وَإِذَا اشْتَرَى شَاةً غَيْرَ مُصَرَّاةٍ فَاحْتَلَبَهَا شَهْرًا أَوْ أَكْثَرَ ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ دَلَّسَ لَهُ فِيهَا رَدَّهَا وَلَمْ يَرُدَّ مَعَهَا شَيْئًا " وَقُوَّةُ هَذَا الْكَلَامِ تُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَا يَرُدُّ مَعَهَا شَيْئًا عَنْ ذَلِكَ الَّذِي احْتَلَبَهُ طُولَ الشَّهْرِ ، وَصَاحِبُ التَّهْذِيبِ فِيمَا قَالَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَابِعٌ لِلْقَاضِي حُسَيْنٍ فَإِنَّهُ سَأَلَ عَنْهَا فَقَالَ : يَنْبَغِي أَنْ يَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : إنَّ لَهُ الرَّدَّ وَعَلَيْهِ رَدُّ بَدَلِ اللَّبَنِ وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُهُ رَدُّ صَاعٍ ; لِأَنَّ الصَّاعَ عِوَضُ لَبَنِ التَّصْرِيَةِ ، فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى قَدْرِهِ فَذَاكَ ، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي ، فَهَذِهِ أَرْبَعُ طُرُقٍ ، وَفِي تَعْلِيقِ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ يَرُدُّهَا قَوْلًا وَاحِدًا ، وَيَرُدُّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ ، وَفِي هَذَا مُوَافَقَةٌ لِصَاحِبِ التَّهْذِيبِ ، وَفِي تَعْلِيقِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الَّتِي بِخَطِّ سَلِيمٍ ، وَتَعْلِيقِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَغَيْرِهِمَا تَفْصِيلٌ لَا بُدَّ مِنْهُ ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُمْكِنْ هُنَاكَ رَدُّ اللَّبَنِ الْمَحْلُوبِ وَلَا رَدُّ شَيْءٍ لِأَجْلِهِ ; لِأَنَّ اللَّبَنَ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِي حَالَةِ الْعَقْدِ وَإِنَّمَا حَدَثَ فِي مِلْكِهِ وَإِنْ كَانَ يُنْتَجُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ شَيْءٌ فَذَلِكَ يَسِيرٌ لَا حُكْمَ لَهُ ، وَمَا حَدَثَ فِي مِلْكِهِ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ الرَّدِّ وَلَا يُوجِبُ عَلَيْهِ بَدَلًا كَغَلَّةِ الْعَبْدِ ، فَهَذَا الْقِسْمُ لَا يُمْكِنُ الْخِلَافُ فِيهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ الْعَقْدِ لَبَنٌ يُقَابَلُ بِقِسْطٍ مِنْ الثَّمَنِ ، فَإِيجَابُ الْبَدَلِ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَعْنًى وَلَا يُفِيدُ أَنَّ فِي ضَرْعِهَا لَبَنٌ مُجْتَمِعٌ لَبَنُ الْعَادَةِ لَا لَبَنُ التَّصْرِيَةِ ، فَحَلَبَهَا ثُمَّ عَلِمَ بِهَا عَيْبًا فَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ تَالِفًا فَلَا رَدَّ ; لِأَنَّهُ تَنَاوَلَهُ لِاسْتِعْلَامِ الْعَيْبِ ، فَلَا يُمْكِنُ لَهُ رَدُّ بَعْضِ الْمَبِيعِ . وَنَقَلَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ أَنَّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ : لَهُ رَدُّ الشَّاةِ وَلَا يَرُدُّ بَدَلَ اللَّبَنِ ، وَأَنَّهُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ ; لِأَنَّ لَبَنَ غَيْرِ التَّصْرِيَةِ يَسِيرٌ ، قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ وَالشَّاشِيُّ : وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ ، وَإِذَا ضَمَمْتَ 295 مَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ إلَى مَا اخْتَارَهُ هُوَ لَاجْتَمَعَ فِي الْمَسْأَلَةِ فِي هَذَا الْقِسْمِ خَمْسُ طُرُقٍ : ( أَحَدُهَا ) امْتِنَاعُ الرَّدِّ . وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَمَنْ وَافَقَهُمَا .
( وَالثَّانِي ) الرَّدُّ فَلَا يَرُدُّ بَدَلَ اللَّبَنِ شَيْئًا ، وَهُوَ الْمَحْكِيُّ عَنْ نَصِّهِ فِي الْقَدِيمِ . وَالرَّافِعِيُّ نَقَلَهُ عَنْ حِكَايَةِ أَبِي حَامِدٍ ، وَلَمْ أَرَهُ فِي تَعْلِيقِهِ فِي هَذَا الْقِسْمِ صَرِيحًا ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ مُطْلَقًا . وَأَمَّا أَبُو الطَّيِّبِ فَإِنَّهُ صَرَّحَ بِهِ فِي هَذَا الْقِسْمِ كَمَا ذَكَرْتُ . ( الطَّرِيقُ الثَّالِثُ ) قَوْلُ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ : إنَّهُ يَرُدُّهَا وَيَرُدُّ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ . ( الرَّابِعُ ) قَوْلُ الْمَاوَرْدِيُّ : إنَّهُ يَرُدُّ بَدَلَ اللَّبَنِ وَلَا يَرُدُّ الصَّاعَ . ( الْخَامِسُ ) قَوْلُ الْإِمَامِ : التَّخْرِيجُ عَلَى مُقَابَلَتِهِ بِالْقِسْطِ وَالْأَصَحُّ الْمُقَابَلَةُ ، فَيَلْزَمُ رَدُّ بَدَلِهِ ، لَكِنْ مَاذَا يَرُدُّ هَلْ هُوَ التَّمْرُ ؟ كَمَا قَالَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ أَوْ غَيْرُهُ ؟ كَمَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ ، لَمْ يُصَرِّحْ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ بِشَيْءٍ .
وَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ بَاقِيًا فَعِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَمَنْ وَافَقَهُمَا يَنْبَنِي عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ ، فِيمَا لَوْ كَانَ اللَّبَنُ بَاقِيًا وَطَلَبَ الْمُشْتَرِي رَدَّهُ مَعَ الْمُصَرَّاةِ ( إنْ قُلْنَا ) يَرُدُّ رَدَّهُ وَرَدَّهَا بِالْعَيْبِ ( وَإِنْ قُلْنَا ) لَا يَرُدُّ يَرْجِعُ بِالْأَرْشِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الرَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَصَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَالْإِمَامُ وَالْمَاوَرْدِيُّ لِحَالَةِ بَقَاءِ اللَّبَنِ بِخُصُوصِهَا ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ صَاحِبَ التَّهْذِيبِ الْقَائِلُ : يَرُدُّ بِهِ الصَّاعَ التَّمْرَ . لَا يَفْتَرِقُ الْحَالُ عِنْدَهُ بَيْنَ بَقَاءِ اللَّبَنِ وَتَلَفِهِ كَالْمُصَرَّاةِ عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَالْمَاوَرْدِيُّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ ، وَهُوَ الظَّاهِرُ لِتَعَذُّرِ الْعِلْمِ بِمِقْدَارِ اللَّبَنِ ، إلَّا أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى رَدِّهِ وَقَوْلُ الْإِمَامِ مُحْتَمِلٌ لِكَلَامِ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ وَكَلَامِ الْمَاوَرْدِيُّ كَمَا تَقَدَّمَ فَعَلَى هَذَا يَأْتِي فِي حَالَةِ بَقَاءِ اللَّبَنِ أَيْضًا سِتُّ طُرُقٍ : امْتِنَاعُ الرَّدِّ أَوْ الرَّدُّ ، وَلَا يَرُدُّ مَعَهَا شَيْئًا ، وَالرَّدُّ مَعَ رَدِّ اللَّبَنِ ، أَوْ الرَّدُّ مَعَ رَدِّ التَّمْرِ ، أَوْ الرَّدُّ مَعَ رَدِّ الْبَدَلِ غَيْرِ التَّمْرِ أَوْ التَّخْرِيجُ عَلَى الْمُقَابَلَةِ بِالْقِسْطِ . 296 وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إذَا قُلْنَا بِرَدِّ الشَّاةِ مَعَ اللَّبَنِ عِنْدَ مُقَابَلَةِ شَيْءٍ لَيْسَ فِي مَسْأَلَةِ الْمُصَرَّاةِ عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ ، وَهُوَ أَنَّا هُنَاكَ نَقُولُ : لَهُ أَنْ يَرُدَّ وَيُجْبَرُ الْبَائِعُ عَلَى الْقَبُولِ وَلِلْمُشْتَرِي مَعَ ذَلِكَ أَنْ لَا يَرُدَّ اللَّبَنَ وَيَرُدَّ الشَّاةَ وَحْدَهَا مَعَ التَّمْرِ . وَأَمَّا هُنَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَإِنَّا نَقُولُ : إمَّا أَنْ يَرُدَّ اللَّبَنَ وَالشَّاةَ ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَرُدَّ شَيْئًا ، وَلَا نَقُولُ إنَّ لَهُ رَدَّ التَّمْرِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ تَالِفًا لَمْ يَرُدَّ التَّمْرَ ، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ بَاقِيًا ، وَاللَّبَنُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ لِعَيْنٍ أُخْرَى وَرَدَ عَلَيْهَا الْعَقْدُ فِي غَيْرِ التَّصْرِيَةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( تَنْبِيهٌ ) اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَنْ قَالَ بِالرَّدِّ وَرَدِّ شَيْءٍ بَدَلَ اللَّبَنِ يَقُولُ بِأَنَّ اللَّبَنَ يُقَابِلُهُ قِسْطٌ مِنْ الثَّمَنِ ، وَمَنْ يَقُولُ بِأَنَّهُ لَا يَرُدُّ أَصْلًا يَقُولُ بِأَنَّهُ مُقَابَلٌ بِالْقِسْطِ ، فَيُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ إطْلَاقَاتُهُمْ مُخَرَّجَةً عَلَى ذَلِكَ ، لَا أَنْ تَكُونَ طَرِيقَةً مُخَالِفَةً ، وَحِينَئِذٍ تَعُودُ الطَّرِيقُ إلَى الْقِسْمِ الْأَوَّلِ إلَى أَرْبَعَةٍ وَفِي الثَّانِي إلَى خَمْسَةٍ ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ طَرِيقَةَ الْإِمَامِ مَعَهُمْ لِمُغَايَرَتِهَا فِي ظَاهِرِ الْعِبَارَةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَإِذَا وَقَفْتَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَلِمْتَ أَنَّ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هُوَ الصَّحِيحُ أَحَدُ قَوْلَيْنِ ، إمَّا امْتِنَاعُ الرَّدِّ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ كَمَا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ : إنَّهُ الْأَقْيَسُ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ اللَّبَنَ يُقَابِلُهُ قِسْطٌ مِنْ الثَّمَنِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ مِنْ غَيْرِ رَدِّ بَدَلِهِ وَلَا مَعَ بَدَلِهِ ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ ، وَرَدِّ الشَّاةِ بَعْدَ تَعَيُّبِهَا بِمَا لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الْوُقُوفِ عَلَى الْعَيْبِ ، وَلِأَنَّ الصَّاعَ الَّذِي جُعِلَ بَدَلًا عَنْ اللَّبَنِ وَرَدَ فِي الْمُصَرَّاةِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَلَا يُقَاسُ غَيْرُهُ عَلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي ; لِأَنَّهُمْ بَنَوْهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ السَّابِقَيْنِ فِي رَدِّ لَبَنِ الْمُصَرَّاةِ عِنْدَ بَقَائِهِ ، وَالصَّحِيحُ هُنَاكَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ قَبُولُهُ ، وَمُقْتَضَى الْبِنَاءِ أَنْ يَكُونَ الصَّحِيحُ هُنَا أَنَّهُ لَا يَرُدُّ وَيَأْخُذُ الْأَرْشَ ، وَأَخْذُ الْأَرْشِ فِي الْقِسْمَيْنِ إذَا قُلْنَا بِامْتِنَاعِ الرَّدِّ ، سَوَاءٌ كَانَ اللَّبَنُ بَاقِيًا أَوْ تَالِفًا ، وَإِنْ سَكَتُوا عَنْهُ فَالصَّحِيحُ حِينَئِذٍ امْتِنَاعُ الرَّدِّ مُطْلَقًا فِي الْقِسْمَيْنِ . وَأَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ : إنَّهُ يَرُدُّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ مُطْلَقًا فِي الْقِسْمَيْنِ فَفِيهِ بُعْدٌ . فَإِنَّ فِي الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي الْمُصَرَّاةِ إنْ صَحَّ قِيَاسُ 297 هَذِهِ عَلَيْهِ وَجَبَ أَنْ يَرُدَّ التَّمْرَ كَمَا قَالَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ قِيَاسُهَا عَلَى الْمُصَرَّاةِ وَجَبَ أَنْ يُجْرَى فِيهَا عَلَى حُكْمِ الْقِيَاسِ ; فَيَمْتَنِعَ الرَّدُّ كَمَا قَالَهُ أَبُو الطَّيِّبِ وَمَنْ وَافَقَهُ فَيَقُولُ : الْمَاوَرْدِيُّ مُخَالِفٌ لِلْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا . فَأَصَحُّ الْأَقْوَالِ وَأَحْسَنُهَا أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ إمَّا قَوْلُ أَبِي الطَّيِّبِ وَمَنْ وَافَقَهُ ، وَإِمَّا قَوْلُ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ . وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا مُرَجَّحٌ .
أَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ فَلِأَنَّهُ لَمَّا عَلِمَ مِنْ الشَّارِعِ فِي الْمُصَرَّاةِ أَنَّ بَدَلَ اللَّبَنِ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَدَلًا لَهُ فِي الْمُصَرَّاةِ فِي غَيْرِهَا لَا سِيَّمَا وَالْمَعْنَى الَّذِي ثَبَتَ لِأَجْلِهِ مِنْ قَطْعِ التَّنَازُعِ مَوْجُودٌ هَهُنَا . فَيَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْمُصَرَّاةِ ، وَأَمَّا قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَأَبِي الطَّيِّبِ وَمَنْ وَافَقَهُمَا فَيُرَجِّحُهُ الْجَرَيَانُ عَلَى الْقِيَاسِ الْكُلِّيِّ فِي غَيْرِ الْمُصَرَّاةِ ، وَقَصْرُ الْحُكْمِ الْوَارِدِ فِي الْحَدِيثِ عَلَى مَحَلِّ النَّصِّ . لِكَوْنِهِ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ فَلَا يَتَعَدَّى بِهِ مَحَلَّهُ وَالْمُخْتَارُونَ لِهَذَا الْقَوْلِ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ أَكْثَرُ . وَقَالَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ : إنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ، وَعِنْدِي فِي التَّرْجِيحِ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ نَظَرٌ ، إنْ قَوِيَ الْقِيَاسُ عَلَى الْمُصَرَّاةِ يَتَرَجَّحُ قَوْلُ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ ، وَإِلَّا يُرَجَّحُ قَوْلُ أَبِي الطَّيِّبِ ، وَهُوَ وَمَنْ وَافَقَهُ يُجِيبُونَ عَنْ الْقِيَاسِ عَلَى الْمُصَرَّاةِ بِأَنَّ الْمُصَرَّاةَ حَلْبُهَا لِاسْتِعْلَامِ الْعَيْبِ بِخِلَافِ هَذِهِ . وَالْقَلْبُ إلَى مَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ أَمْيَلُ مِنْهُ إلَى مَا قَالَهُ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ . وَالْعَجَبُ أَنَّ الرَّافِعِيَّ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِهَذَا وَلَا حَكَاهُ . هَذَا إذَا كَانَ عِنْدَ الْعَقْدِ لَبَنٌ مَوْجُودٌ لَهُ قِيمَةٌ . فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ جَازَ رَدُّ الشَّاةِ وَحْدَهَا كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ مِمَّا لَا نِزَاعَ فِيهِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ إطْلَاقَ النَّصِّ يَقْتَضِي أَيْضًا مُخَالَفَةَ قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ ، وَقَوْلِ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ وَقَوْلِ الْمَاوَرْدِيُّ وَأَنَّهُ يَرُدُّهَا وَلَا يَرُدُّ مَعَهَا شَيْئًا ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ الْأَقْوَالِ الْقَدِيمَةِ كَمَا اقْتَضَاهُ نَقْلُهُمْ لَهُ عَنْ الْقَدِيمِ ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى مَا إذَا كَانَ لَبَنٌ يَسِيرٌ . أَمَّا اللَّبَنُ الْكَثِيرُ فَهُوَ مُقَابَلٌ بِقِسْطٍ مِنْ الثَّمَنِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْأُمِّ وَحَكَيْنَاهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ ، فَلَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِالرَّدِّ بِدُونِ رَدِّ بَدَلِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . إلَّا إذَا قُلْنَا بِأَنَّهُ لَا يُقَابَلُ بِقِسْطٍ مِنْ الثَّمَنِ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا يَرُدُّ شَيْئًا لِأَجْلِ 298 اللَّبَنِ ، أَيْ اللَّبَنُ الْحَادِثُ ، فَإِنَّ فِي نَصِّهِ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ بُشْرَى قَالَ : " وَإِذَا اشْتَرَى شَاةً غَيْرَ مُصَرَّاةٍ فَاحْتَلَبَهَا شَهْرًا أَوْ أَكْثَرَ ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ دَلَّسَ لَهُ فِيهَا رَدَّهَا وَلَمْ يَرُدَّ مَعَهَا شَيْئًا " وَقُوَّةُ هَذَا الْكَلَامِ تُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَا يَرُدُّ مَعَهَا شَيْئًا عَنْ ذَلِكَ الَّذِي احْتَلَبَهُ طُولَ الشَّهْرِ ، وَصَاحِبُ التَّهْذِيبِ فِيمَا قَالَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَابِعٌ لِلْقَاضِي حُسَيْنٍ فَإِنَّهُ سَأَلَ عَنْهَا فَقَالَ : يَنْبَغِي أَنْ يَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث