المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الثاني
الصفحة 963 · ص. المطبوع 258 · الشرح
( الشَّرْحُ ) هُنَا مَسْأَلَتَانِ ( إحْدَاهُمَا ) نَوَى بِتَيَمُّمِهِ اسْتِبَاحَةَ نَافِلَةٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ مُطْلَقَةٍ فَالصَّحِيحُ الَّذِي تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَطْبَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَسَائِرُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ تَيَمُّمَهُ صَحِيحٌ . وَحَكَى جَمَاعَاتٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ وَحَكَاهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ ، فَعَلَى هَذَا لَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ لِلنَّفْلِ مُفْرَدًا ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ تَبَعًا لِلْفَرْضِ ، قَالُوا : لِأَنَّ التَّيَمُّمَ إنَّمَا جُوِّزَ لِلضَّرُورَةِ ، وَلَا ضَرُورَةَ لِلنَّفْلِ . قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبَا التَّتِمَّةِ وَالْبَحْرِ : نَظِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : الْمَعْضُوبُ إذَا اسْتَأْجَرَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ فَرْضًا جَازَ ، وَفِي النَّفْلِ قَوْلَانِ قَالَ الْقَاضِي : وَكَذَا الْمُسْتَحَاضَةُ لَوْ تَوَضَّأَتْ لِلنَّفْلِ ، فَفِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ ، وَوَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ بِهَا إلَى النَّفْلِ ، وَهَذَا الْوَجْهُ غَلَطٌ لَا شَكَّ فِيهِ وَمُخَالِفٌ لِمَا تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ . وَقَدْ جُوِّزْت النَّافِلَةُ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ لِلْحَاجَةِ وَالتَّخْفِيفِ فَالتَّيَمُّمُ أَوْلَى فَإِنَّهُ بَدَلٌ ، وَلَا تَفْرِيعَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَإِنَّمَا التَّفْرِيعُ عَلَى الْمَذْهَبِ ، فَإِذَا نَوَى اسْتِبَاحَةَ نَافِلَةٍ جَازَ أَنْ يُصَلِّيَ مِنْ جِنْسِ النَّوَافِلِ مَا شَاءَ إلَى أَنْ يُحْدِثَ ، وَلَهُ سُجُودُ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ وَحَمْلُهُ . وَإِنْ كَانَ جُنُبًا أَوْ مَنْ انْقَطَعَ حَيْضُهَا اسْتَبَاحَا الْقِرَاءَةَ وَاللُّبْثَ فِي الْمَسْجِدِ وَحَلَّ وَطْؤُهَا لِأَنَّ النَّافِلَةَ آكَدُ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَإِنَّهَا تَفْتَقِرُ إلَى الطَّهَارَةِ بِالْإِجْمَاعِ وَهَذِهِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا ، وَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى جَنَائِزَ سَوَاءٌ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ أَمْ لَا ، هَذَا 258 هُوَ الْمَذْهَبُ وَفِيهِ وَجْهٌ : أَنَّهُ يَسْتَبِيحُهَا لِأَنَّهَا فَرْضٌ ، وَوَجْهٌ ثَالِثٌ : إنْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ لَمْ يَسْتَبِحْهَا بِتَيَمُّمِ النَّافِلَةِ . وَإِلَّا اسْتَبَاحَهَا ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ هَذِهِ الْأَوْجُهِ بِأَدِلَّتِهَا حَيْثُ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي أَوَاخِرِ هَذَا الْبَابِ .
أَمَّا إذَا نَوَى اسْتِبَاحَةَ مَسِّ الْمُصْحَفِ أَوْ نَوَى الْجُنُبُ أَوْ الْمُنْقَطِعُ حَيْضُهَا قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ وَاللُّبْثَ فِي الْمَسْجِدِ ، أَوْ نَوَتْ اسْتِبَاحَةَ الْوَطْءِ فَإِنَّهُمْ يَسْتَبِيحُونَ مَا نَوَوْا عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ . وَحَكَى الرَّافِعِيُّ فِيهِ الْوَجْهَ السَّابِقَ فِي التَّيَمُّمِ النَّافِلَةَ الْمُجَرَّدَةَ ، وَالصَّوَابُ مَا سَبَقَ ، وَهَلْ يَسْتَبِيحُونَ صَلَاةَ النَّفْلِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ، حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي وَالشَّاشِيُّ وَآخَرُونَ . أَحَدُهُمَا : يَجُوزُ كَعَكْسِهِ . وَأَصَحُّهُمَا : لَا ، لِأَنَّ النَّافِلَةَ آكَدُ ، وَلَنَا وَجْهٌ شَاذٌّ مَذْكُورٌ فِي التَّتِمَّةِ وَالْبَحْرِ وَغَيْرِهِمَا : أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ لِمَسِّ الْمُصْحَفِ إلَّا إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ بِأَنْ كَانَ مُسَافِرًا . وَلَيْسَ مَعَهُ مَنْ يَحْمِلُهُ ، وَوَجْهٌ فِي التَّهْذِيبِ وَغَيْرِهِ : أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَيَمُّمُ مُنْقَطِعَةِ الْحَيْضِ بِنِيَّةِ اسْتِبَاحَةِ الْوَطْءِ ، وَقَدْ سَبَقَ مِثْلُهُ فِي الْغُسْلِ ، وَوَجْهٌ أَنَّهُ يَصِحُّ إنْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ ، وَإِلَّا فَلَا ، حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي فِي بَابِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ وَهَذِهِ الْأَوْجُهُ ضَعِيفَةٌ . فَإِذَا قُلْنَا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ يَسْتَبِيحُ النَّافِلَةَ ، فَفِي اسْتِبَاحَتِهِ الْفَرْضَ الطَّرِيقَانِ السَّابِقَانِ ، الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَسْتَبِيحُهُ وَلَوْ نَوَى اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا وَقُلْنَا - بِالْأَصَحِّ - أَنَّهُ لَا يَسْتَبِيحُ الْفَرْضَ اسْتَبَاحَ النَّفْلِ ، وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَفِيهِ وَجْهٌ فِي الْبَحْرِ تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّ النَّفَلَ لَا يَصِحُّ اسْتِبَاحَتُهُ مُنْفَرِدًا ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَلَا يَسْتَبِيحُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الطَّوَافَ ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ وَلَوْ تَيَمَّمَ لِلْجِنَازَةِ اسْتَبَاحَهَا وَهَلْ هُوَ كَالتَّيَمُّمِ لِلنَّفْلِ أَمْ لِلْفَرْضِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ فِي التَّهْذِيبِ وَغَيْرِهِ أَصَحُّهُمَا : كَالنَّافِلَةِ . صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ لِأَنَّهَا وَإِنْ تَعَيَّنَتْ فَهِيَ كَالنَّفْلِ فَإِنَّهَا تَسْقُطُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ بِخِلَافِ الْمَكْتُوبَةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ) إذَا نَوَى اسْتِبَاحَةَ فَرِيضَةٍ مَكْتُوبَةٍ اسْتَبَاحَهَا وَيَسْتَبِيحُ النَّفَلَ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا ، فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ . وَحَكَى الْخُرَاسَانِيُّونَ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَسْتَبِيحُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ النَّفَلَ مُطْلَقًا ، وَوَجْهًا أَنَّهُ يَسْتَبِيحُهُ مَا دَامَ وَقْتُ الْفَرِيضَةِ بَاقِيًا وَلَا يَسْتَبِيحُهُ بَعْدَهُ . 259 وَوَافَقَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ الْمَحَامِلِيُّ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ وَقَطَعَ بِهِ الدَّارِمِيُّ . وَحَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ نَقْلِ الْعِرَاقِيِّينَ . وَلَنَا - قَوْلٌ - أَنَّهُ لَا يَسْتَبِيحُ النَّفَلَ قَبْلَ الْفَرِيضَةِ وَيَسْتَبِيحُهُ بَعْدَهَا ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَاخِرِ الْبَابِ وَالصَّحِيحُ مَا سَبَقَ . أَمَّا إذَا نَوَى الْفَرِيضَةَ وَالنَّافِلَةَ مَعًا فَيَسْتَبِيحُهُمَا جَمِيعًا بِلَا خِلَافٍ . قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : اتَّفَقَتْ الطُّرُقُ عَلَى هَذَا . وَحِينَئِذٍ لَهُ التَّنَفُّلُ قَبْلَ الْفَرْضِ وَبَعْدَهُ ، وَوَافَقَ عَلَيْهِ الْمُخَالِفُونَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا وَطَرَدَ الرَّافِعِيُّ فِيهِ الْوَجْهَ بِالْمَنْعِ مَعَ النَّفْلِ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ . قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْفُرُوقِ : لَوْ تَيَمَّمَ لِلظُّهْرِ فِي وَقْتِهَا وَصَلَّاهَا ، ثُمَّ دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ فِعْلُ سُنَّةِ الظُّهْرِ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ . وَلَوْ لَمْ يُصَلِّ الظُّهْرَ فِي وَقْتِهَا ، فَقَضَاهَا فِي وَقْتِ الْعَصْرِ ، وَقَضَى سُنَّةَ الظُّهْرِ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ جَازَ بِلَا خِلَافٍ تَبَعًا لِلْفَرِيضَةِ . قَالَ : عَلَى هَذَا الْأَصْلِ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ : مَنْ نَسِيَ الْعِشَاءَ فَذَكَرَهَا وَقْتَ الظُّهْرِ قَضَاهَا وَقَضَى الْوِتْرَ قَوْلًا وَاحِدًا . وَإِنَّمَا الْقَوْلَانِ فِي قَضَاءِ الْوِتْرِ إذَا فَعَلَ الْعِشَاءَ فِي وَقْتِهَا . وَهَذَا الَّذِي ، قَالَهُ فِي الْوِتْرِ فِيهِ نَظَرٌ ، وَلَا أَعْلَمُ مَنْ وَافَقَهُ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث