المغني
المغني · الجزء الثالث
الصفحة 1622 · ص. المطبوع 6
( 2002 ) فَصْلٌ : وَإِذَا رَأَى الْهِلَالَ أَهْلُ بَلَدٍ ، لَزِمَ جَمِيعَ الْبِلَادِ الصَّوْمُ . وَهَذَا قَوْلُ اللَّيْثِ ، وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إنْ كَانَ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ مَسَافَةٌ قَرِيبَةٌ ، لَا تَخْتَلِفُ الْمَطَالِعُ لِأَجْلِهَا كَبَغْدَادَ وَالْبَصْرَةِ ، لَزِمَ أَهْلَهُمَا الصَّوْمُ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فِي أَحَدِهِمَا ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا بُعْدٌ ، كَالْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ وَالشَّامِ ، فَلِكُلِّ أَهْلِ بَلَدٍ رُؤْيَتُهُمْ . وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَنَّهُ قَالَ : لِكُلِّ أَهْلِ بَلَدٍ رُؤْيَتُهُمْ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الْقَاسِمِ ، وَسَالِمٍ ، وَإِسْحَاقَ ; لِمَا رَوَى كُرَيْبٌ ، قَالَ { ۝ : قَدِمْت الشَّامَ ، وَاسْتَهَلَّ عَلَيَّ هِلَالُ رَمَضَانَ ، وَأَنَا بِالشَّامِ ، فَرَأَيْنَا الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ ، ثُمَّ قَدِمْت الْمَدِينَةَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ ، فَسَأَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلَالَ ، فَقَالَ : مَتَى رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ ؟ قُلْت : رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ . فَقَالَ : أَنْتَ رَأَيْته لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ ؟ قُلْت : نَعَمْ ، وَرَآهُ النَّاسُ ، وَصَامُوا ، وَصَامَ مُعَاوِيَةُ فَقَالَ : لَكِنْ رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ ، فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ أَوْ نَرَاهُ . فَقُلْت : أَلَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ ؟ فَقَالَ : لَا ، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . } قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ . وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } . { ۝ وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَعْرَابِيِّ لَمَّا قَالَ لَهُ : اللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنْ السَّنَةِ ؟ قَالَ : نَعَمْ } .
وَقَوْلُهُ لِلْآخَرِ لَمَّا قَالَ لَهُ : مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الصَّوْمِ ؟ قَالَ : { ۝ شَهْرَ رَمَضَانَ . } وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ ، بِشَهَادَةِ الثِّقَاتِ ، فَوَجَبَ صَوْمُهُ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ . وَلِأَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ مِنْهُ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ ، مِنْ حُلُولِ الدَّيْنِ ، وَوُقُوعِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ ، وَوُجُوبِ النُّذُورِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ ، فَيَجِبُ صِيَامُهُ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ ، وَلِأَنَّ الْبَيِّنَةَ الْعَادِلَةَ شَهِدَتْ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ ، فَيَجِبُ الصَّوْمُ ، كَمَا لَوْ تَقَارَبَتْ الْبُلْدَانُ .
فَأَمَّا حَدِيثُ كُرَيْبٌ فَإِنَّمَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يُفْطِرُونَ بُقُولِ كُرَيْبٌ وَحْدَهُ ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ ، وَإِنَّمَا مَحَلُّ الْخِلَافِ وُجُوبُ قَضَاءِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ ، وَلَيْسَ هُوَ فِي الْحَدِيثِ . فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قُلْتُمْ إنَّ النَّاسَ إذَا صَامُوا بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ، وَلَمْ يَرَوْا الْهِلَالَ ، أَفْطَرُوا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ . قُلْنَا : الْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ ; أَحَدِهِمَا ، أَنَّنَا إنَّمَا قُلْنَا يُفْطِرُونَ إذَا صَامُوا بِشَهَادَتِهِ ، فَيَكُونُ فِطْرُهُمْ مَبْنِيًّا عَلَى صَوْمِهِمْ بِشَهَادَتِهِ ، وَهَاهُنَا لَمْ يَصُومُوا بِقَوْلِهِ ، فَلَمْ يُوجَدْ مَا يَجُوزُ بِنَاءُ الْفِطْرِ 6 عَلَيْهِ . الثَّانِي ، أَنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ الْوَجْهِ الْآخَرِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث