المغني
المغني · الجزء الثالث
الصفحة 2128 · ص. المطبوع 254
( 2619 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ وَطِئَ قَبْلَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ ، فَقَدْ فَسَدَ حَجُّهُمَا ، وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ إنْ كَانَ اسْتَكْرَهَهَا ، وَلَا دَمَ عَلَيْهَا ) ( 2620 ) وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ فُصُولٍ : الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ، أَنَّ الْوَطْءَ قَبْلَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يُفْسِدُ الْحَجَّ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا قَبْلَ الْوُقُوفِ وَبَعْدَهُ . وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : إنْ وَطِئَ بَعْدَ الْوُقُوفِ لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ } . وَلِأَنَّهُ أَمِنَ الْفَوَاتَ ، فَأَمِنَ الْفَسَادَ ، كَمَا بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ .
وَلَنَا ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ، فَقَالَ : وَقَعْت بِأَهْلِي وَنَحْنُ مُحْرِمَانِ . فَقَالَا لَهُ : أَفْسَدْت حَجَّك . وَلَمْ يَسْتَفْصِلُوا السَّائِلَ . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ . وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ صَادَفَ إحْرَامًا تَامًّا فَأَفْسَدَهُ ، كَقَبْلِ الْوُقُوفِ ، وَيُخَالِفُ مَا بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ ، فَإِنَّ الْإِحْرَامَ غَيْرُ تَامٍّ ، وَالْمُرَادُ مِنْ الْخَبَرِ الْأَمْنُ مِنْ الْفَوَاتِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ أَمْنِ الْفَوَاتِ أَمْنُ الْفَسَادِ ، وَبِدَلِيلِ الْعُمْرَةِ يَأْمَنُ فَوَاتَهَا وَلَا يَأْمَنُ فَسَادَهَا . قَالَ أَحْمَدُ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ : إنَّ حَجَّهُ تَامٌّ .
غَيْرَ أَبِي حَنِيفَةَ ، يَقُولُ : الْحَجُّ عَرَفَاتٌ ، فَمَنْ وَقَفَ بِهَا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ . وَإِنَّمَا هَذَا مِثْلُ قَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ } . أَيْ أَدْرَكَ فَضْلَ الصَّلَاةِ ، وَلَمْ تَفُتْهُ ، كَذَلِكَ الْحَجُّ . إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يَفْسُدُ حَجُّهُمَا جَمِيعًا ; لِأَنَّ الْجِمَاعَ وُجِدَ مِنْهُمَا ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ النَّاسِي وَالْعَامِدُ ، وَالْمُسْتَكْرَهَةُ وَالْمُطَاوِعَةُ ، وَالْمُسْتَيْقِظَةُ ، عَالِمًا كَانَ الرَّجُلُ أَوْ جَاهِلًا . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : لَا يَفْسُدُ حَجُّ النَّاسِي ; لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ مَعْنًى يُوجِبُ الْقَضَاءَ ، فَاسْتَوَتْ فِيهِ الْأَحْوَالُ كُلُّهَا كَالْفَوَاتِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ أَوْ قَبْلَهُ ; لِأَنَّهُ وَطِئَ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ ، فَفَسَدَ حَجُّهُ ، كَمَا لَوْ وَطِئَ يَوْمَ النَّحْرِ . ( 2621 ) الْفَصْلُ الثَّانِي ، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ بَدَنَةٌ . وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ وَطِئَ قَبْلَ الْوُقُوفِ فَسَدَ حَجُّهُ وَعَلَيْهِ شَاةٌ ، وَإِنْ وَطِئَ بَعْدَهُ لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ ، وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ ; لِأَنَّ الْوَطْءَ قَبْلَ الْوُقُوفِ مَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الْقَضَاءِ ، فَلَمْ يُوجِبْ بَدَنَةً ، كَالْفَوَاتِ . وَلَنَا ، أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُ قَوْلِنَا ، وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ صَادَفَ إحْرَامًا تَامًّا ، فَأَوْجَبَ الْبَدَنَةَ ، كَمَا بَعْدَ الْوُقُوفِ ، وَلِأَنَّ مَا يُفْسِدُ الْحَجَّ الْجِنَايَةُ بِهِ أَعْظَمُ ، فَكَفَّارَتُهُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ أَغْلَظَ .
وَأَمَّا الْفَوَاتُ ، فَإِنَّهُمْ يُوجِبُونَ بِهِ بَدَنَةً ، فَكَيْفَ يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ ؟ 254 الْفَصْلُ الثَّالِثُ ، أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهَا فِي حَالِ الْإِكْرَاهِ . وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : عَلَيْهَا دَمٌ آخَرُ ; لِأَنَّهُ قَدْ فَسَدَ حَجُّهَا ، فَوَجَبَتْ الْبَدَنَةُ ، كَمَا لَوْ طَاوَعَتْ . وَلَنَا ، أَنَّهَا كَفَّارَةٌ تَجِبُ بِالْجِمَاعِ ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي حَالِ الْإِكْرَاهِ ، كَمَا لَوْ وَطِئَ فِي الصَّوْمِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث