المغني
المغني · الجزء الثالث
الصفحة 2197 · ص. المطبوع 286
( 2713 ) مَسْأَلَةٌ ; قَالَ : ( وَإِنْ كَانَ سَاقَهُ تَطَوُّعًا ، نَحَرَهُ فِي مَوْضِعِهِ ، وَخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسَاكِينِ ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِهِ ، وَلَا بَدَلَ عَلَيْهِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ تَطَوَّعَ بِهَدْيِ غَيْرِ وَاجِبٍ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ ; أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَنْوِيَهُ هَدْيًا ، وَلَا يُوجِبُ بِلِسَانِهِ وَلَا بِإِشْعَارِهِ وَتَقْلِيدِهِ ، فَهَذَا لَا يَلْزَمُهُ إمْضَاؤُهُ ، وَلَهُ أَوْلَادُهُ وَنَمَاؤُهُ وَالرُّجُوعُ فِيهِ مَتَى شَاءَ ، مَا لَمْ يَذْبَحْهُ ; لِأَنَّهُ نَوَى الصَّدَقَةَ بِشَيْءِ مِنْ مَالِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى الصَّدَقَةَ بِدِرْهَمٍ .
الثَّانِي ، أَنْ يُوجِبَهُ بِلِسَانِهِ ، فَيَقُولَ : هَذَا هَدْيٌ . أَوْ يُقَلِّدَهُ أَوْ يُشْعِرَهُ ، يَنْوِي بِذَلِكَ إهْدَاءَهُ ، فَيَصِيرُ وَاجِبًا مُعَيَّنًا ، يَتَعَلَّقُ الْوُجُوبُ بِعَيْنِهِ دُونَ ذِمَّةِ صَاحِبِهِ ، وَيَصِيرُ فِي يَدَيْ صَاحِبِهِ كَالْوَدِيعَةِ ، يَلْزَمُهُ حِفْظُهُ وَإِيصَالُهُ إلَى مَحِلِّهِ ، فَإِنْ تَلِفَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْهُ ، أَوْ سَوْقٍ ، أَوْ ضَلَّ ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ فِي الذِّمَّةِ ، إنَّمَا تَعَلَّقَ الْحَقُّ بِالْعَيْنِ ، فَسَقَطَ بِتَلَفِهَا ، كَالْوَدِيعَةِ .
وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { ۝ مَنْ أَهْدَى تَطَوُّعًا ، ثَمَّ ضَلَّتْ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْبَدَلُ ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ ، فَإِنْ كَانَ نَذْرًا ، فَعَلَيْهِ الْبَدَلُ } .
وَفِي رِوَايَةٍ ، قَالَ : { ۝ مَنْ أَهْدَى تَطَوُّعًا ، ثَمَّ عَطِبَ فَإِنْ شَاءَ أَبْدَلَ ، وَإِنْ شَاءَ أَكَلَ ، وَإِنْ كَانَ 286 نَذْرًا فَلْيُبْدِلْ } . فَأَمَّا إنْ أَتْلَفَهُ ، أَوْ تَلِفَ بِتَفْرِيطِهِ ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ ; لِأَنَّهُ أَتْلَفَ وَاجِبًا لِغَيْرِهِ ، فَضَمِنَهُ ، كَالْوَدِيعَةِ .
وَإِنْ خَافَ عَطَبَهُ ، أَوْ عَجَزَ عَنْ الْمَشْيِ وَصُحْبَةِ الرِّفَاقِ ، نَحَرَهُ مَوْضِعَهُ ، وَخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسَاكِينِ ، وَلَمْ يُبَحْ لَهُ أَكْلُ شَيْءٍ مِنْهُ ، وَلَا لَأَحَدٍ مِنْ صَحَابَتِهِ ، وَإِنْ كَانُوا فُقَرَاءً ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَضَعَ نَعْلَ الْهَدْيِ الْمُقَلَّدَ فِي عُنُقِهِ فِي دَمِهِ ، ثُمَّ يَضْرِبَ بِهِ صَفْحَتَهُ ، لِيُعَرِّفَهُ الْفُقَرَاءَ ، فَيَعْلَمُوا أَنَّهُ هَدْيٌ ، وَلَيْسَ بِمَيِّتَةٍ ، فَيَأْخُذُوهُ . وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ . وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَكَلَ مِنْ هَدْيِهِ الَّذِي عَطِبَ ، وَلَمْ يَقْضِ مَكَانَهُ .
وَقَالَ مَالِكٌ : يُبَاحُ لِرُفْقَتِهِ ، وَلِسَائِرِ النَّاسِ ، غَيْرِ صَاحِبِهِ أَوْ سَائِقِهِ ، وَلَا يَأْمُرُ أَحَدًا يَأْكُلُ مِنْهُ ، فَإِنْ أَكَلَ ، أَوْ أَمَرَ مِنْ أَكَلَ ، أَوْ حَزَّ شَيْئًا مِنْ لَحْمِهِ ، ضَمِنَهُ . وَاحْتَجَّ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لِذَلِكَ ، بِمَا رَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ نَاجِيَةَ بِنْتِ كَعْبٍ ، صَاحِبِ بُدْنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { ۝ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ أَصْنَعُ بِمَا عَطِبَ مِنْ الْهَدْيِ ؟ قَالَ : انْحَرْهُ ، ثُمَّ اغْمِسْ قَلَائِدَهُ فِي دَمِهِ ، ثُمَّ اضْرِبْ بِهَا صَفْحَةَ عُنُقِهِ ، ثُمَّ خَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ } . قَالَ : وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسِ ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ . وَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ : " وَخَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ " . رُفْقَتِهِ وَغَيْرِهِمْ .
وَلَنَا ، مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، أَنَّ ذُؤَيْبًا أَبَا قَبِيصَةَ حَدَّثَهُ { ۝ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَبْعَثُ مَعَهُ الْبُدْنَ ، ثُمَّ يَقُولُ : إنْ عَطِبَ مِنْهَا شَيْءٌ ، فَخَشِيتَ عَلَيْهَا ، فَانْحَرْهَا ، ثُمَّ اغْمِسْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا ، ثُمَّ اضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهَا ، وَلَا تَطْعَمْهَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِك } . رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : { ۝ وَيُخَلِّيهَا وَالنَّاسَ ، وَلَا يَأْكُلُ مِنْهَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ } . وَقَالَ سَعِيدٌ حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ ، عَنْ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ ، أَنَّهُ بَعَثَ بِثَمَانِي عَشْرَةَ بَدَنَةً مَعَ رَجُلٍ ، وَقَالَ : إنْ ازْدَحَفَ عَلَيْكَ مِنْهَا شَيْءٌ ، فَانْحَرْهَا ، ثُمَّ اُصْبُغْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا ، ثُمَّ اضْرِبْ بِهَا فِي صَفْحَتِهَا ، وَلَا تَأْكُلْ أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ } .
وَهَذَا صَحِيحٌ مُتَضَمِّنٌ لِلزِّيَادَةِ ،
وَمَعْنًى خَاصٍّ ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى عُمُومِ مَا خَالَفَهُ .
وَلَا تَصِحُّ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ رُفْقَتِهِ وَبَيْنَ سَائِرِ النَّاسِ ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُشْفِقُ عَلَى رُفْقَتِهِ ، وَيُحِبُّ التَّوْسِعَةُ عَلَيْهِمْ ، وَرُبَّمَا وَسَّعَ عَلَيْهِمْ مِنْ مُؤْنَتِهِ . وَإِنَّمَا مُنِعَ السَّائِقُ وَرُفْقَتُهُ مِنْ الْأَكْلِ مِنْهَا ; لِئَلَّا يُقَصِّرَ فِي حِفْظِهَا ، فَيُعْطِبَهَا لِيَأْكُلَ هُوَ وَرُفْقَتُهُ مِنْهَا ، فَتَلْحَقَهُ التُّهْمَةُ فِي عَطَبِهَا لِنَفْسِهِ وَرُفْقَتِهِ ، فَحُرِمُوهَا لِذَلِكَ . فَإِنْ أَكَلَ مِنْهَا ، أَوْ بَاعَ أَوْ أَطْعَمَ غَنِيًّا ، أَوْ رُفْقَتَهُ ، ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ لَحْمًا .
وَإِنْ أَتْلَفَهَا ، أَوْ تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِهِ ، أَوْ خَافَ عَطَبَهَا ، فَلَمْ يَنْحَرْهَا حَتَّى هَلَكَتْ ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهَا بِمَا يُوصِلُهُ إلَى فُقَرَاءِ الْحَرَمِ ; لِأَنَّهُ لَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ إيصَالُ الضَّمَانِ إلَيْهِمْ ، بِخِلَافِ الْعَاطِبِ . وَإِنْ أَطْعَمَ مِنْهَا فَقِيرًا ، أَوْ أَمَرَهُ بِالْأَكْلِ مِنْهَا ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ أَوْصَلَهُ إلَى الْمُسْتَحِقِّ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَطْعَمَ فَقِيرًا بَعْدَ بُلُوغِهِ مَحِلَّهُ ، وَإِنْ تَعَيَّبَ ذَبْحُهُ أَجْزَأَهُ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُجْزِئُهُ ، إلَّا أَنْ يَحْدُثَ الْعَيْبُ بِهِ بَعْدَ إضْجَاعِهِ لِلذَّبْحِ . وَلَنَا ، أَنَّهُ لَوْ عَطِبَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ، فَالْعَيْبُ أَوْلَى ; لِأَنَّ الْعَطَبَ يَذْهَبُ بِجَمِيعِهِ ، وَالْعَيْبُ يَنْقُصُهُ . وَلِأَنَّهُ عَيْبٌ حَدَثَ بَعْدَ وُجُوبِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَدَثَ بَعْدَ إضْجَاعِهِ .
وَإِنْ تَعَيَّبَ بِفِعْلِ آدَمِيٍّ ، فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَهُ مِنْ الْقِيمَةِ ، يَتَصَدَّقُ بِهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُبَاعُ جَمِيعُهُ ، وَيُشْتَرَى هَدْيٌ . وَبَنَى ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ مُجْزِئٌ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث