المغني
المغني · الجزء الخامس
الصفحة 3389
( 4029 ) فَصْلٌ : وَمَنْ وَجَبَتْ لَهُ الشُّفْعَةُ ، فَبَاعَ نَصِيبَهُ عَالِمًا بِذَلِكَ ، سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ مِلْكٌ يَسْتَحِقُّ بِهِ ، وَلِأَنَّ الشُّفْعَةَ ثَبَتَتْ لَهُ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ الْحَاصِلِ بِالشَّرِكَةِ عَنْهُ ، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ بِبَيْعِهِ . وَإِنْ بَاعَ بَعْضَهُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا ، تَسْقُطُ أَيْضًا ; لِأَنَّهَا اُسْتُحِقَّتْ بِجَمِيعِهِ ، فَإِذَا بَاعَ بَعْضَهُ سَقَطَ مَا تَعَلَّقَ بِذَلِكَ مِنْ اسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ ، فَيَسْقُطُ بَاقِيهَا ، لِأَنَّهَا لَا تَتَبَعَّضُ ، فَيَسْقُطُ جَمِيعُهَا بِسُقُوطِ بَعْضِهَا ، كَالنِّكَاحِ وَالرِّقِّ ، وَكَمَا لَوْ عَفَا عَنْ بَعْضِهَا .
وَالثَّانِي ، لَا تَسْقُطُ ; لِأَنَّهُ قَدْ بَقِيَ مِنْ نَصِيبِهِ مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الشُّفْعَةَ فِي جَمِيعِ الْمَبِيعِ لَوْ انْفَرَدَ ، فَكَذَلِكَ إذَا بَقِيَ . وَلِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ الشُّفْعَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي الثَّانِي فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى ، وَفِي الثَّانِيَةِ إذَا قُلْنَا بِسُقُوطِ شُفْعَةِ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمَبِيعِ ، وَإِنْ قُلْنَا : لَا تَسْقُطُ شُفْعَةُ الْبَائِعِ . فَلَهُ أَخْذُ الشِّقْصِ مِنْ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ . وَهَلْ لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ شُفْعَةٌ عَلَى الْمُشْتَرِي الثَّانِي ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا ، لَهُ الشُّفْعَةُ ; لِأَنَّهُ شَرِيكٌ ، فَإِنَّ الْمِلْكَ ثَابِتٌ لَهُ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ بِجَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ ، وَيَسْتَحِقُّ نَمَاءَهُ وَفَوَائِدَهُ ، وَاسْتِحْقَاقُ الشُّفْعَةِ بِهِ مِنْ فَوَائِدِهِ .
وَالثَّانِي ، لَا شُفْعَةَ لَهُ ; لِأَنَّ مِلْكَهُ يُوجَدُ بِهَا ، فَلَا تُؤْخَذُ الشُّفْعَةُ بِهِ ، وَلِأَنَّ مِلْكَهُ مُتَزَلْزِلٌ ضَعِيفٌ ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ بِهِ لِضَعْفِهِ . وَالْأَوَّلُ أَقَيْسُ ; فَإِنَّ اسْتِحْقَاقَ أَخْذِهِ مِنْهُ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَسْتَحِقَّ بِهِ الشُّفْعَةَ ، كَالصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَالشِّقْصِ الْمَوْهُوبِ لِلْوَلَدِ .
فَعَلَى هَذَا لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ الشُّفْعَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي الثَّانِي ، سَوَاءٌ أَخَذَ مِنْهُ الْمَبِيعَ بِالشُّفْعَةِ أَوْ لَمْ يَأْخُذْ ، وَلِلْبَائِعِ الثَّانِي إذَا بَاعَ بَعْضَ الشِّقْصِ الْأَخْذُ مِنْ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ . فَأَمَّا إنْ بَاعَ الشَّفِيعُ مِلْكَهُ قَبْلَ عِلْمِهِ بِالْبَيْعِ الْأَوَّلِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : تَسْقُطُ شُفْعَتُهُ أَيْضًا ; لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَلِأَنَّهُ زَالَ السَّبَبُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الشُّفْعَةَ ، وَهُوَ الْمِلْكُ الَّذِي يَخَافُ الضَّرَرَ بِسَبَبِهِ ، فَصَارَ كَمَنْ اشْتَرَى مَعِيبًا ، فَلَمْ يَعْلَمْ عَيْبَهُ حَتَّى زَالَ أَوْ حَتَّى بَاعَهُ . فَعَلَى هَذَا ، حُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ بَاعَ مَعَ عِلْمِهِ ، سَوَاءٌ فِيمَا إذَا بَاعَ جَمِيعَهُ أَوْ بَعْضَهُ .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : لَا تَسْقُطُ شُفْعَتُهُ لِأَنَّهَا ثَبَتَتْ لَهُ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ رِضًى بِتَرْكِهَا ، وَلَا مَا يَدُلُّ عَلَى إسْقَاطِهَا ، وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهَا فَتَبْقَى . وَفَارَقَ مَا إذَا عَلِمَ ، فَإِنَّ بَيْعَهُ دَلِيلٌ عَلَى رِضَاهُ بِتَرْكِهَا ، فَعَلَى هَذَا ، لِلْبَائِعِ الثَّانِي أَخْذُ الشِّقْصِ مِنْ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ ، فَإِنْ عَفَا عَنْهُ ، فَلِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ أَخْذُ الشِّقْصِ مِنْ الْمُشْتَرِي الثَّانِي ، وَإِنْ أَخَذَ مِنْهُ ، فَهَلْ لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ الْأَخْذُ مِنْ الثَّانِي ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث