المغني
المغني · الجزء الخامس
الصفحة 3391
( 4031 ) مَسْأَلَةٌ ; قَالَ : ( وَإِنْ عَلِمَ وَهُوَ فِي السَّفَرِ ، فَلَمْ يُشْهِدْ عَلَى مُطَالَبَتِهِ ، فَلَا شُفْعَةَ لَهُ ) ظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ مَتَى عَلِمَ الْغَائِبُ بِالْبَيْعِ ، وَقَدَرَ عَلَى الْإِشْهَادِ وَعَلَى الْمُطَالَبَةِ فَلَمْ يَفْعَلْ ، أَنَّ شُفْعَتَهُ تَسْقُطُ ، سَوَاءٌ قَدَرَ عَلَى التَّوْكِيلِ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ ، أَوْ سَارَ عَقِيبَ الْعِلْمِ أَوْ أَقَامَ . وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ ، فِي الْغَائِبِ : لَهُ الشُّفْعَةُ إذَا بَلَغَهُ أَشْهَدَ ، وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ .
وَهُوَ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيِّ ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْإِشْهَادِ ; لِأَنَّهُ ثَبَتَ عُذْرُهُ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَرَكَ الشُّفْعَةَ لِذَلِكَ . فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ . وَلَنَا ، أَنَّهُ قَدْ يَتْرُكُ الطَّلَبَ لِلْعُذْرِ ، وَقَدْ يَتْرُكُهُ لِغَيْرِهِ ، وَقَدْ يَسِيرُ لِطَلَبِ الشُّفْعَةِ ، وَقَدْ يَسِيرُ لِغَيْرِهِ ، وَقَدْ قَدَرَ أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ بِالْإِشْهَادِ ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ ، كَتَارِكِ الطَّلَبِ مَعَ حُضُورِهِ . وَقَالَ الْقَاضِي : إنْ سَارَ عَقِيبَ عِلْمِهِ إلَى الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْمُشْتَرِي مِنْ غَيْرِ إشْهَادٍ ، احْتَمَلَ أَنْ لَا تَبْطُلَ شُفْعَتُهُ ; لِأَنَّ ظَاهِرَ سَيْرِهِ أَنَّهُ لِلطَّلَبِ . وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَالْعَنْبَرِيِّ ، وَقَوْلٌ لِلشَّافِعِي .
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَهُ مِنْ الْأَجَلِ بَعْدَ الْعِلْمِ قَدْرُ السَّيْرِ ، فَإِنْ مَضَى الْأَجَلُ قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَ أَوْ يَطْلُبَ ، بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ . وَقَالَ الْعَنْبَرِيُّ : لَهُ مَسَافَةُ الطَّرِيقِ ذَاهِبًا وَجَائِيًا ; لِأَنَّ عُذْرَهُ فِي تَرْكِ الطَّلَبِ ظَاهِرٌ ، فَلَمْ يَحْتَجْ مَعَهُ إلَى الشَّهَادَةِ . وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ .
وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ إذَا عَجَزَ عَنْ الْإِشْهَادِ فِي سَفَرِهِ ، أَنَّ شُفْعَتَهُ لَا تَسْقُطُ ; لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ فِي تَرْكِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكَ الطَّلَبَ لِعُذْرٍ أَوْ لِعَدَمِ الْعِلْمِ ، وَمَتَى قَدَرَ عَلَى الْإِشْهَادِ فَأَخَّرَهُ ، كَانَ كَتَأْخِيرِ الطَّلَبِ لِلشُّفْعَةِ ، إنْ كَانَ لِعُذْرٍ لَمْ تَسْقُطْ الشُّفْعَةُ ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ سَقَطَتْ ; لِأَنَّ الْإِشْهَادَ قَائِمٌ مَقَامَ الطَّلَبِ ، وَنَائِبٌ عَنْهُ ، فَيُعْتَبَرُ لَهُ مَا يُعْتَبَرُ لِلطَّلَبِ .
وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ إلَّا عَلَى إشْهَادِ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ ، كَالصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَاسِقِ ، فَتَرَكَ الْإِشْهَادَ ، لَمْ تَسْقُطْ شُفْعَتُهُ بِتَرْكِهِ ; لِأَنَّ قَوْلَهُمْ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ ، فَلَمْ يَلْزَمْ إشْهَادُهُمْ كَالْأَطْفَالِ وَالْمَجَانِينِ . وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مِنْ يُشْهِدُهُ إلَّا مَنْ لَا يَقْدَمُ مَعَهُ إلَى مَوْضِعِ الْمُطَالَبَةِ ، فَلَمْ يُشْهِدْ ، فَالْأَوْلَى أَنَّ شُفْعَتَهُ لَا تَبْطُلُ ; لِأَنَّ إشْهَادَهُ لَا يُفِيدُ ، فَأَشْبَهَ إشْهَادَ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ .
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَسْتُورَيْ الْحَالِ ، فَلَمْ يُشْهِدْهُمَا ، احْتَمَلَ أَنْ تَبْطُلَ شُفْعَتُهُ ; لِأَنَّ شَهَادَتَهُمَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهَا بِالتَّزْكِيَةِ ، فَأَشْبَهَا الْعَدْلَيْنِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَبْطُلَ ; لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ فِي إثْبَاتِ شَهَادَتِهِمَا إلَى كُلْفَةٍ كَثِيرَةٍ ، وَقَدْ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ ، فَلَا تَقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا ، وَإِنْ أَشْهَدَهُمَا لَمْ تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ ، سَوَاءٌ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا أَوْ لَمْ تُقْبَلْ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ، فَأَشْبَهَ الْعَاجِزَ عَنْ الْإِشْهَادِ . وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَقْدِرْ إلَّا عَلَى إشْهَادِ وَاحِدٍ ، فَأَشْهَدَهُ ، أَوْ تَرَكَ إشْهَادَهُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث