المغني
المغني · الجزء السادس
الصفحة 3900 · ص. المطبوع 38
( 4561 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إنْ لَمْ يُوجَدْ مَعَهُ شَيْءٌ يُنْفَقُ عَلَيْهِ ) . وَجُمْلَتُهُ أَنَّ اللَّقِيطَ إذَا لَمْ يُوجَدْ مَعَهُ شَيْءٌ ، لَمْ يُلْزَمْ الْمُلْتَقِطُ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ نَفَقَةَ اللَّقِيطِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَى الْمُلْتَقِطِ ، كَوُجُوبِ نَفَقَةِ الْوَلَدِ
وَذَلِكَ لِأَنَّ أَسْبَابَ وُجُوبِ النَّفَقَةِ ، مِنْ الْقَرَابَةِ ، وَالزَّوْجِيَّةِ ، وَالْمِلْكِ ، وَالْوَلَاءِ ، مُنْتَفِيَةٌ ، وَالِالْتِقَاطُ إنَّمَا هُوَ تَخْلِيصٌ لَهُ مِنْ الْهَلَاكِ ، وَتَبَرُّعٌ بِحِفْظِهِ ، فَلَا يُوجِبُ ذَلِكَ النَّفَقَةَ ، كَمَا لَوْ فَعَلَهُ بِغَيْرِ اللَّقِيطِ . وَتَجِبُ نَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ ; لِقَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي حَدِيثِ أَبِي جَمِيلَةَ : اذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ ، وَلَك وَلَاؤُهُ ، وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ . وَفِي رِوَايَةٍ : مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ; وَلِأَنَّ بَيْتَ الْمَالِ وَارِثُهُ ، وَمَالُهُ مَصْرُوفٌ إلَيْهِ ، فَتَكُونُ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ ، كَقَرَابَتِهِ وَمَوْلَاهُ
فَإِنْ تَعَذَّرَ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، لِكَوْنِهِ لَا مَالَ فِيهِ ، أَوْ كَانَ فِي مَكَان لَا إمَامَ فِيهِ ، أَوْ لَمْ يُعْطَ شَيْئًا ، فَعَلَى مَنْ عَلِمَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى } . وَلِأَنَّ فِي تَرْكِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ هَلَاكَهُ ، وَحِفْظُهُ عَنْ ذَلِكَ وَاجِبٌ ، كَإِنْقَاذِهِ مِنْ الْغَرَقِ . وَهَذَا فَرْضُ كِفَايَةٍ ، إذَا قَامَ بِهِ قَوْمٌ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ ، فَإِنْ تَرَكَهُ الْكُلُّ أَثِمُوا . وَمَنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ مُتَبَرِّعًا ، فَلَا شَيْءَ لَهُ ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُلْتَقِطَ أَوْ غَيْرَهُ . وَإِنْ لَمْ يَتَبَرَّعْ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ
38 فَأَنْفَقَ عَلَيْهِ الْمُلْتَقِطُ أَوْ غَيْرُهُ مُحْتَسِبًا بِالرُّجُوعِ عَلَيْهِ إذَا أَيْسَرِ ، وَكَانَ ذَلِكَ بِأَمْرِ الْحَاكِمِ ، لَزِمَ اللَّقِيطَ ذَلِكَ إذَا كَانَتْ النَّفَقَةُ قَصْدًا بِالْمَعْرُوفِ . وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ . وَإِنْ أَنْفَقَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْحَاكِمِ ، مُحْتَسِبًا بِالرُّجُوعِ عَلَيْهِ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : تُؤَدَّى النَّفَقَةُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ . وَقَالَ شُرَيْحٌ ، وَالنَّخَعِيُّ : يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالنَّفَقَةِ إذَا أَشْهَدَ عَلَيْهِ . وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : يَحْلِفُ مَا أَنْفَقَ احْتِسَابًا ، فَإِنْ حَلَفَ اُسْتُسْعِيَ
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : هُوَ مُتَبَرِّعٌ بِهِ . وَلَنَا أَنَّهُ أَدَّى مَا وَجَبَ عَلَى غَيْرِهِ ، فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى مَنْ كَانَ الْوُجُوبُ عَلَيْهِ ، كَالضَّامِنِ إذَا قَضَى عَنْ الْمَضْمُونِ عَنْهُ . وَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَ هَذَا الْأَصْلِ فِي مَوْضِعِهِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث