المغني
المغني · الجزء السادس
( 4592 ) فَصْلٌ : وَتُسْتَحَبُّ الْوَصِيَّةُ بِجُزْءٍ مِنْ الْمَالِ لِمَنْ تَرَكَ خَيْرًا ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ { : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ } . فَنُسِخَ الْوُجُوبُ ، وَبَقِيَ الِاسْتِحْبَابُ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَرِثُ وَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : يَا ابْنَ آدَمَ ، جَعَلْت لَكَ نَصِيبًا مِنْ مَالِكِ حِينَ أَخَذْت بِكَظْمِك ، لِأُطَهِّركَ وَأُزَكِّيَكَ } . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ } . رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ . وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : مَنْ أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ ، فَلَمْ يَجُرْ ، وَلَمْ يَحُفَّ ، كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ مَا لَوْ أَعْطَاهَا وَهُوَ صَحِيحٌ . وَأَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي لَهُ وَرَثَةٌ مُحْتَاجُونَ ، فَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُوصِيَ ; لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ فِي الْوَصِيَّةِ { : إنْ تَرَكَ خَيْرًا } { . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَعْدٍ : إنَّك أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَك أَغْنِيَاءَ ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ } . وَقَالَ { : ابْدَأْ بِنَفْسِك ، ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ } . وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِرَجُلٍ أَرَادَ أَنْ يُوصِيَ : إنَّك لَنْ تَدَعَ طَائِلًا ، إنَّمَا تَرَكْت شَيْئًا يَسِيرًا ، فَدَعْهُ لِوَرَثَتِكَ . وَعَنْهُ : أَرْبَعُمِائَةِ دِينَارٍ لَيْسَ فِيهَا فَضْلٌ عَنْ الْوَرَثَةِ . وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهَا : لِي ثَلَاثَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ ، وَأَرْبَعَةُ أَوْلَادٍ ، أَفَأُوصِي ؟ فَقَالَتْ : اجْعَلْ الثَّلَاثَةَ لِلْأَرْبَعَةِ . وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مَنْ تَرَكَ سَبْعَمِائَةِ دِرْهَمٍ لَيْسَ عَلَيْهِ وَصِيَّةٌ . وَقَالَ عُرْوَةُ : دَخَلَ عَلِيٌّ عَلَى صَدِيقٍ لَهُ يَعُودُهُ ، فَقَالَ الرَّجُلُ : إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُوصِيَ . فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ { : إنْ تَرَكَ خَيْرًا } ، وَإِنَّك إنَّمَا تَدَعُ شَيْئًا يَسِيرًا ، فَدَعْهُ لِوَرَثَتِكَ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْقَدْرِ الَّذِي لَا تُسْتَحَبُّ لِمَالِكِهِ ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ : إذَا تَرَكَ دُونَ الْأَلْفِ لَا تُسْتَحَبُّ الْوَصِيَّةُ . وَعَنْ عَلِيٍّ ، أَرْبَعمِائَةِ دِينَارٍ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إذَا تَرَكَ الْمَيِّتُ سَبْعَمِائَةِ دِرْهَمٍ ، فَلَا يُوصِي . وَقَالَ : مَنْ تَرَكَ سِتِّينَ دِينَارًا ، مَا تَرَكَ خَيْرًا . وَقَالَ طَاوُسٌ : الْخَيْرُ ثَمَانُونَ دِينَارًا . وَقَالَ النَّخَعِيُّ : أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْقَلِيلُ أَنْ يُصِيبَ أَقَلُّ الْوَرَثَةِ سَهْمًا خَمْسُونَ دِرْهَمًا . وَاَلَّذِي يَقْوَى عِنْدِي ، أَنَّهُ مَتَى كَانَ الْمَتْرُوكُ لَا يَفْضُلُ عَنْ غِنَى الْوَرَثَةِ ، فَلَا تُسْتَحَبُّ الْوَصِيَّةُ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّلَ الْمَنْعَ مِنْ الْوَصِيَّةِ بِقَوْلِهِ { : أَنْ تَتْرُكَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً } . وَلِأَنَّ إعْطَاءَ الْقَرِيبِ الْمُحْتَاجِ خَيْرٌ مِنْ إعْطَاءِ الْأَجْنَبِيِّ ، فَمَتَى لَمْ يَبْلُغْ الْمِيرَاثُ غِنَاهُمْ ، كَانَ تَرْكُهُ لَهُمْ كَعَطِيَّتِهِمْ إيَّاهُ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أَفْضَلَ مِنْ الْوَصِيَّةِ بِهِ لِغَيْرِهِمْ ، فَعِنْدَ هَذَا يَخْتَلِفُ الْحَالُ بِاخْتِلَافِ الْوَرَثَةِ فِي كَثْرَتِهِمْ وَقِلَّتِهِمْ ، وَغِنَاهُمْ وَحَاجَتِهِمْ ، فَلَا يَتَقَيَّدُ بِقَدْرٍ مِنْ الْمَالِ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ قَالَ الشَّعْبِيُّ : مَا مِنْ مَالٍ أَعْظَمُ أَجْرًا ، مِنْ مَالٍ يَتْرُكُهُ الرَّجُلُ لِوَلَدِهِ ، يُغْنِيهِمْ بِهِ عَنْ النَّاسِ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث