المغني
المغني · الجزء السابع
الصفحة 4949 · ص. المطبوع 231
( 5709 ) فَصْلٌ : وَيَجِبُ قَسْمُ الِابْتِدَاءِ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ ، لَزِمَهُ الْمَبِيتُ عِنْدَهَا لَيْلَةً مِنْ كُلِّ أَرْبَعِ لَيَالٍ ، مَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ نِسَاءٌ فَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ لَيْلَةٌ مِنْ كُلِّ أَرْبَعٍ . وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ . وَقَالَ الْقَاضِي ، فِي " الْمُجَرَّدِ " لَا يَجِبُ قَسْمُ الِابْتِدَاءِ ، إلَّا أَنْ يَتْرُكَ الْوَطْءَ مُصِرًّا ، فَإِنْ تَرَكَهُ غَيْرَ مُصِرٍّ لَمْ يَلْزَمْهُ قَسْمٌ ، وَلَا وَطْءٌ ; لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ : إذَا وَصَلَ الرَّجُلُ إلَى امْرَأَتِهِ مَرَّةً ، بَطَلَ أَنْ يَكُونَ عِنِّينًا . أَيْ لَا يُؤَجَّلُ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجِبُ قَسْمُ الِابْتِدَاءِ بِحَالٍ ; لِأَنَّ الْقَسْمَ لِحَقِّهِ ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ . وَلَنَا قَوْلُ { ۝ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ الْعَاصِ : يَا عَبْدَ اللَّهِ ، أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّك تَصُومُ النَّهَارَ ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ ؟ قُلْت : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : فَلَا تَفْعَلْ ، صُمْ ، وَأَفْطِرْ ، وَقُمْ وَنَمْ ; فَإِنَّ لِجَسَدِك عَلَيْك حَقًّا ، وَإِنَّ لِعَيْنِك عَلَيْك حَقًّا ، وَإِنَّ لِزَوْجِك عَلَيْك حَقًّا } . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . فَأَخْبَرَ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ عَلَيْهِ حَقًّا .
وَقَدْ اشْتَهَرَتْ قِصَّةُ كَعْبِ بْنِ سَوْرٍ ، وَرَوَاهَا عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ " قُضَاةُ الْبَصْرَةِ " مِنْ وُجُوهٍ ; إحْدَاهُنَّ عَنْ الشَّعْبِيِّ ، أَنَّ كَعْبَ بْن سَوْرٍ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ ، فَقَالَتْ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، مَا رَأَيْت رَجُلًا قَطُّ أَفْضَلَ مِنْ زَوْجِي ، وَاَللَّهِ إنَّهُ لَيَبِيت لَيْلَهُ قَائِمًا ، وَيَظَلُّ نَهَارَهُ صَائِمًا . فَاسْتَغْفَرَ لَهَا ، وَأَثْنَى عَلَيْهَا . وَاسْتَحْيَتْ الْمَرْأَةُ ، وَقَامَتْ رَاجِعَةً ، فَقَالَ كَعْبٌ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، 231 هَلَّا أَعْدَيْت الْمَرْأَةَ عَلَى زَوْجِهَا ؟ فَقَالَ : وَمَا ذَاكَ ؟ فَقَالَ إنَّهَا جَاءَتْ تَشْكُوهُ ، إذَا كَانَتْ حَالُهُ هَذِهِ فِي الْعِبَادَةِ ، مَتَى يَتَفَرَّغُ لَهَا ؟ فَبَعَثَ عُمَرُ إلَى زَوْجِهَا ، فَجَاءَ ، فَقَالَ لَكَعْبٍ : اقْضِ بَيْنَهُمَا ، فَإِنَّك فَهِمْت مِنْ أَمْرِهِمَا مَا لَمْ أَفْهَمْ . قَالَ : فَإِنِّي أَرَى كَأَنَّهَا امْرَأَةٌ عَلَيْهَا ثَلَاثُ نِسْوَةٍ ، هِيَ رَابِعَتُهُنَّ ، فَأَقْضِي لَهُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ يَتَعَبَّدُ فِيهِنَّ ، وَلَهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ . فَقَالَ عُمَرُ : وَاَللَّهِ مَا رَأْيُك الْأَوَّلُ بِأَعْجَبَ إلَيَّ مِنْ الْآخِرِ ، اذْهَبْ فَأَنْتَ قَاضٍ عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَفِي رِوَايَةٍ ، فَقَالَ عُمَرُ : نِعْمَ الْقَاضِي أَنْتَ .
وَهَذِهِ قَضِيَّةٌ انْتَشَرَتْ فَلَمْ تُنْكَرْ ، فَكَانَتْ إجْمَاعًا . وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ حَقًّا ، لَمْ تَسْتَحِقَّ فَسْخَ النِّكَاحِ لِتَعَذُّرِهِ بِالْجَبِّ وَالْعُنَّةِ ، وَامْتِنَاعِهِ بِالْإِيلَاءِ . وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ حَقًّا لِلْمَرْأَةِ ، لَمَلَكَ الزَّوْجُ تَخْصِيصَ إحْدَى زَوْجَتَيْهِ بِهِ ، كَالزِّيَادَةِ فِي النَّفَقَةِ عَلَى قَدْرِ الْوَاجِبِ . إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : حَقُّ الْمَرْأَةِ لَيْلَةٌ مِنْ كُلِّ أَرْبَعٍ ، وَلِلْأَمَةِ لَيْلَةٌ مِنْ كُلِّ سَبْعٍ ; لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْمَعَ مَعَهَا ثَلَاثَ حَرَائِرَ ، وَلَهَا السَّابِعَةُ ، وَاَلَّذِي يَقْوَى عِنْدِي ، أَنَّ لَهَا لَيْلَةً مِنْ ثَمَانٍ ، لِتَكُونَ عَلَى النِّصْفِ مِمَّا لِلْحُرَّةِ ، فَإِنَّ حَقَّ الْحُرَّةِ مِنْ كُلِّ ثَمَانٍ لَيْلَتَانِ ، لَيْسَ لَهَا أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ، فَلَوْ كَانَ لِلْأَمَةِ لَيْلَةٌ مِنْ سَبْعٍ لَزَادَ عَلَى النِّصْفِ ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْحُرَّةِ لَيْلَتَانِ وَلِلْأَمَةِ لَيْلَةٌ ، وَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ تَحْتَهُ ثَلَاثُ حَرَائِرَ وَأَمَهٌ ، فَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَزِيدَهُنَّ عَلَى الْوَاجِبِ لَهُنَّ ، فَقَسَمَ بَيْنَهُنَّ سَبْعًا ، فَمَاذَا يَصْنَعُ فِي اللَّيْلَةِ الثَّامِنَةِ ؟ إنْ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ مَبِيتَهَا عِنْدَ حُرَّةٍ ، فَقَدْ زَادَهَا عَلَى مَا يَجِبُ لَهَا ، وَإِنْ بَاتَهَا عِنْدَ الْأَمَةِ جَعَلَهَا كَالْحُرَّةِ ، وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ ، وَعَلَى مَا اخْتَرْنَ تَكُونُ هَذِهِ اللَّيْلَةُ الثَّامِنَةُ لَهُ ، إنْ أَحَبَّ انْفَرَدَ فِيهَا ، وَإِنْ أَحَبَّ بَاتَ عِنْدَ الْأُولَى مُسْتَأْنِفًا لِلْقَسْمِ .
وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ حُرَّةٌ وَأَمَةٌ ، قَسَمَ لَهُنَّ لَيَالٍ مِنْ ثَمَانٍ ، وَلَهُ الِانْفِرَادُ فِي خَمْسٍ . وَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ حُرَّتَانِ وَأَمَةٌ ، فَلَهُنَّ خَمْسٌ وَلَهُ ثَلَاثٌ . وَإِنْ كَانَ حُرَّتَانِ وَأَمَتَانِ ، فَلَهُنَّ سِتٌّ وَلَهُ اثْنَتَانِ . وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً وَاحِدَةً ، فَلَهَا لَيْلَةٌ وَلَهُ سَبْعٌ ، وَعَلَى قَوْلِهِمْ لَهَا لَيْلَةٌ وَلَهُ سِتٌّ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث