المغني
المغني · الجزء التاسع
الصفحة 6482 · ص. المطبوع 155
( 7388 ) وَلَوْ عَضَّ رَجُلٌ يَدَ آخَرَ ، فَلَهُ جَذْبُهَا مِنْ فِيهِ ، فَإِنْ جَذَبَهَا فَوَقَعَتْ ثَنَايَا الْعَاضِّ ، فَلَا ضَمَانَ فِيهَا . وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَرَوَى سَعِيدٌ ، عَنْ هُشَيْمٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَجُلًا عَضَّ رَجُلًا ، فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ ، فَسَقَطَ بَعْضُ أَسْنَانِ الْعَاضِّ ، فَاخْتَصَمَا إلَى شُرَيْحٍ ، فَقَالَ شُرَيْحٌ : انْزِعْ يَدَك مِنْ فِي السَّبُعِ ، وَأَبْطِلْ أَسْنَانَهُ .
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَلَيْهِ الضَّمَانُ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ : فِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ } . وَلَنَا ، مَا رَوَى يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ قَالَ : كَانَ لِي أَجِيرٌ ، فَقَاتَلَ إنْسَانًا ، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا يَدَ الْآخَرِ ، قَالَ : فَانْتَزَعَ الْمَعْضُوضُ يَدَهُ مِنْ فِي الْعَاضِّ فَانْتَزَعَ إحْدَى ثَنِيَّتَيْهِ ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَهْدَرَ ثَنِيَّتَهُ ، فَحَسِبْت أَنَّهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ أَفَيَدَعُ يَدَهُ فِي فِيك تَقْضِمُهَا قَضْمَ الْفَحْلِ ، . } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ تَلِفَ ضَرُورَةَ دَفْعِ شَرِّ صَاحِبِهِ ، فَلَمْ يَضْمَنْ ، كَمَا لَوْ صَالَ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ دَفْعُهُ إلَّا بِقَطْعِ عُضْوِهِ . وَحَدِيثُهُمْ يَدُلُّ عَلَى دِيَةِ السِّنِّ إذَا قُلِعَتْ ظُلْمًا ، وَهَذِهِ لَمْ تُقْلَعْ ظُلْمًا ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَعْضُوضُ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا ; لِأَنَّ الْعَضَّ مُحَرَّمٌ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعَضُّ مُبَاحًا ، مِثْلُ أَنْ يُمْسِكَهُ فِي مَوْضِعٍ يَتَضَرَّرُ بِإِمْسَاكِهِ ، أَوْ يَعَضُّ يَدَهُ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْ ضَرَرِهِ إلَّا بِعَضِّهِ ، فَيَعَضُّهُ ، فَمَا سَقَطَ مِنْ أَسْنَانِهِ ضَمِنَهُ ; لِأَنَّهُ عَاضٌّ وَالْعَضُّ مُبَاحٌ .
وَلِذَلِكَ لَوْ عَضَّ أَحَدُهُمَا يَدَ الْآخَرِ ، وَلَمْ يُمْكِنْ الْمَعْضُوضَ تَخْلِيصُ يَدِهِ إلَّا بِعَضِّهِ ، فَلَهُ عَضُّهُ ، وَيَضْمَنُ الظَّالِمُ مِنْهُمَا مَا تَلِفَ مِنْ الْمَظْلُومِ ، وَمَا تَلِفَ مِنْ الظَّالِمِ هَدْرٌ . وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا إذَا عَضَّهُ فِي غَيْرِ يَدِهِ ، أَوْ عَمِلَ بِهِ عَمَلًا غَيْرَ الْعَضِّ أَفْضَى إلَى تَلَفِ شَيْءٍ مِنْ الْفَاعِلِ ، لَمْ يَضْمَنْهُ . وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَّ غُلَامًا أَخَذَ قُمْعًا مِنْ أَقْمَاعِ الزَّيَّاتِينَ ، فَأَدْخَلَهُ بَيْنَ فَخِذَيْ رَجُلٍ ، وَنَفَخَ فِيهِ ، فَذُعِرَ الرَّجُلُ مِنْ ذَلِكَ ، وَخَبَطَ بِرِجْلِهِ ، فَوَقَعَ عَلَى الْغُلَامِ ، فَكَسَرَ بَعْضَ أَسْنَانِهِ ، فَاخْتَصَمُوا إلَى شُرَيْحٍ ، فَقَالَ شُرَيْحٌ : لَا أَعْقِلُ الْكَلْبَ الْهَرَّارَ .
قَالَ الْقَاضِي : يُخَلِّصُ الْمَعْضُوضُ يَدَهُ بِأَسْهَلِ مَا يُمْكِنْ ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ فَكُّ لَحْيَيْهِ بِيَدِهِ الْأُخْرَى فَعَلَ ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ لَكَمَهُ فِي فَكِّهِ ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ جَذَبَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ ، فَإِنْ لَمْ يَخْلُصْ ، فَلَهُ أَنْ يَعْصِرَ خُصْيَتَيْهِ ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ، فَلَهُ أَنْ يَبْعَجَ بَطْنَهُ ، وَإِنْ أَتَى عَلَى نَفْسِهِ . وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا التَّرْتِيبَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ ، وَلَهُ أَنْ يَجْذِبَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ أَوَّلًا ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْتَفْصِلْ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ 155 تَرْكُ يَدِهِ فِي فَمِ الْعَاضِّ حَتَّى يَتَحَيَّلَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ ، وَلِأَنَّ جَذْبَ يَدِهِ مُجَرَّدُ تَخْلِيصٍ لِيَدِهِ ، وَمَا حَصَلَ مِنْ سُقُوطِ الْأَسْنَانِ حَصَلَ ضَرُورَةَ التَّخْلِيصِ الْجَائِزِ ، وَلَكْمُ فَكِّهِ جِنَايَةٌ غَيْرُ التَّخْلِيصِ ، وَرُبَّمَا تَضَمَّنَتْ التَّخْلِيصَ ، وَرُبَّمَا أَتْلَفَتْ الْأَسْنَانَ الَّتِي لَمْ يَحْصُلْ الْعَضُّ بِهَا ، وَكَانَتْ الْبَدَاءَةُ بِجَذْبِ يَدِهِ أَوْلَى .
وَيَنْبَغِي أَنَّهُ مَتَى أَمْكَنَهُ جَذْبُ يَدِهِ ، فَعَدَلَ إلَى لَكْمِ فَكِّهِ ، فَأَتْلَفَ سِنًّا ، ضَمِنَهُ ، لِإِمْكَانِ التَّخَلُّصِ بِمَا هُوَ أَوْلَى مِنْهُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث