المغني
المغني · الجزء التاسع
( 7953 ) مَسْأَلَةٌ ; قَالَ : ( وَالْيَمِينُ الْمُكَفَّرَةُ ، أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ ، أَوْ بِاسْمِ مِنْ أَسْمَائِهِ ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ بِاَللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ ، فَقَالَ : وَاَللَّهِ ، أَوْ بِاَللَّهِ ، أَوْ تَاللَّهِ . فَحَنِثَ ، أَنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَكَانَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، يَقُولُونَ : مَنْ حَلَفَ بَاسِمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى ، فَحَنِثَ ، أَنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ . وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا إذَا كَانَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ ، الَّتِي لَا يُسَمَّى بِهَا سِوَاهُ .
وَأَسْمَاءُ اللَّهِ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ ; أَحَدُهَا ، مَا لَا يُسَمَّى بِهَا غَيْرُهُ ، نَحْوُ قَوْلِهِ : وَاَللَّهِ وَالرَّحْمَنِ ، وَالْأَوَّلِ الَّذِي لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ ، وَالْآخِرِ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ ، وَرَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَمَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ، وَرَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَالْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ . وَنَحْوِ هَذَا ، فَالْحَلِفُ بِهَذَا يَمِينٌ بِكُلِّ حَالٍ . وَالثَّانِي ، مَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى مَجَازًا ، وَإِطْلَاقُهُ يَنْصَرِفُ إلَى اللَّهِ - سُبْحَانَهُ ، مِثْلَ الْخَالِقِ ، وَالرَّازِقِ ، وَالرَّبِّ ، وَالرَّحِيمِ ، وَالْقَادِرِ ، وَالْقَاهِرِ ، وَالْمَلِكِ ، وَالْجَبَّارِ . وَنَحْوِهِ ، فَهَذَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُ اللَّهِ مَجَازًا ; بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَتَخْلُقُونَ إفْكًا } . { وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ } .
وَقَوْلُهُ : { ارْجِعْ إلَى رَبِّكَ } وَ . { اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ . } فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ وَقَالَ : { فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ } . وَقَالَ : { بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } . فَهَذَا إنْ نَوَى بِهِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى ، أَوْ أَطْلَقَ ، كَانَ يَمِينًا ; لِأَنَّهُ بِإِطْلَاقِهِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ . وَإِنْ نَوَى بِهِ غَيْرَ اللَّهِ - تَعَالَى ، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا ; لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ ، فَيَنْصَرِفُ بِالنِّيَّةِ إلَى مَا نَوَاهُ . وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ . وَقَالَ طَلْحَةُ الْعَاقُولِيُّ إذَا قَالَ : وَالرَّبِّ ، وَالْخَالِقِ وَالرَّازِقِ . كَانَ يَمِينًا عَلَى كُلِّ حَالٍ ، كَالْأَوَّلِ ; لِأَنَّهَا لَا تُسْتَعْمَلُ مَعَ التَّعْرِيفِ فَاللَّامُ التَّعْرِيفِ إلَّا فِي اسْمِ اللَّهِ ، فَأَشْبَهَتْ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ .
الثَّالِثُ ، مَا يُسَمَّى بِهِ اللَّهُ - تَعَالَى ، وَغَيْرُهُ ، وَلَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ بِإِطْلَاقِهِ ، كَالْحَيِّ ، وَالْعَالِمِ ، وَالْمَوْجُودِ ، وَالْمُؤْمِنِ ، وَالْكَرِيمِ ، وَالشَّاكِرِ . فَهَذَا إنْ قَصَدَ بِهِ الْيَمِينَ بِاسْمِ اللَّهِ - تَعَالَى - كَانَ يَمِينًا ، وَإِنْ أَطْلَقَ ، أَوْ قَصَدَ غَيْرَ اللَّهِ - تَعَالَى ، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا ، فَيَخْتَلِفُ هَذَا الْقِسْمُ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ فِي حَالَةِ الْإِطْلَاقِ ، فَفِي الْأَوَّلِ يَكُونُ يَمِينًا ، وَفِي الثَّانِي لَا يَكُونُ يَمِينًا . وَقَالَ الْقَاضِي ، وَالشَّافِعِيُّ ، فِي هَذَا الْقِسْمِ : لَا يَكُونُ يَمِينًا ، وَإِنْ قَصَدَ بِهِ اسْمَ اللَّهِ - تَعَالَى ; لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا تَنْعَقِدُ لِحُرْمَةِ الِاسْمِ ، فَمَعَ الِاشْتِرَاكِ لَا تَكُونُ لَهُ حُرْمَةٌ ، وَالنِّيَّةُ الْمُجَرَّدَةُ لَا تَنْعَقِدُ بِهَا الْيَمِينُ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ أَقْسَمَ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى ، قَاصِدًا بِهِ الْحَلِفَ بِهِ ، فَكَانَ يَمِينًا مُكَفَّرَةً ، كَالْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ . وَقَوْلُهُمْ : إنَّ النِّيَّةَ 395 الْمُجَرَّدَةَ لَا تَنْعَقِدُ بِهَا الْيَمِينُ . نَقُولُ بِهِ ، وَمَا انْعَقَدَ بِالنِّيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ إنَّمَا انْعَقَدَ بِالِاسْمِ الْمُحْتَمِلِ ، الْمُرَادِ بِهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى ، فَإِنَّ النِّيَّةَ تَصْرِفُ اللَّفْظَ الْمُحْتَمِلَ إلَى أَحَدِ مُحْتَمَلَاتِهِ ، فَيَصِيرُ كَالْمُصَرَّحِ بِهِ ، كَالْكِنَايَاتِ وَغَيْرِهَا ، وَلِهَذَا لَوْ نَوَى بِالْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ غَيْرَ اللَّهِ - تَعَالَى ، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا ، لِنِيَّتِهِ .
وَأَسْمَاءُ اللَّهِ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ ; أَحَدُهَا ، مَا لَا يُسَمَّى بِهَا غَيْرُهُ ، نَحْوُ قَوْلِهِ : وَاَللَّهِ وَالرَّحْمَنِ ، وَالْأَوَّلِ الَّذِي لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ ، وَالْآخِرِ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ ، وَرَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَمَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ، وَرَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَالْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ . وَنَحْوِ هَذَا ، فَالْحَلِفُ بِهَذَا يَمِينٌ بِكُلِّ حَالٍ . وَالثَّانِي ، مَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى مَجَازًا ، وَإِطْلَاقُهُ يَنْصَرِفُ إلَى اللَّهِ - سُبْحَانَهُ ، مِثْلَ الْخَالِقِ ، وَالرَّازِقِ ، وَالرَّبِّ ، وَالرَّحِيمِ ، وَالْقَادِرِ ، وَالْقَاهِرِ ، وَالْمَلِكِ ، وَالْجَبَّارِ . وَنَحْوِهِ ، فَهَذَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُ اللَّهِ مَجَازًا ; بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَتَخْلُقُونَ إفْكًا } . { وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ } .
وَقَوْلُهُ : { ارْجِعْ إلَى رَبِّكَ } وَ . { اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ . } فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ وَقَالَ : { فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ } . وَقَالَ : { بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } . فَهَذَا إنْ نَوَى بِهِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى ، أَوْ أَطْلَقَ ، كَانَ يَمِينًا ; لِأَنَّهُ بِإِطْلَاقِهِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ . وَإِنْ نَوَى بِهِ غَيْرَ اللَّهِ - تَعَالَى ، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا ; لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ ، فَيَنْصَرِفُ بِالنِّيَّةِ إلَى مَا نَوَاهُ . وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ . وَقَالَ طَلْحَةُ الْعَاقُولِيُّ إذَا قَالَ : وَالرَّبِّ ، وَالْخَالِقِ وَالرَّازِقِ . كَانَ يَمِينًا عَلَى كُلِّ حَالٍ ، كَالْأَوَّلِ ; لِأَنَّهَا لَا تُسْتَعْمَلُ مَعَ التَّعْرِيفِ فَاللَّامُ التَّعْرِيفِ إلَّا فِي اسْمِ اللَّهِ ، فَأَشْبَهَتْ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ .
الثَّالِثُ ، مَا يُسَمَّى بِهِ اللَّهُ - تَعَالَى ، وَغَيْرُهُ ، وَلَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ بِإِطْلَاقِهِ ، كَالْحَيِّ ، وَالْعَالِمِ ، وَالْمَوْجُودِ ، وَالْمُؤْمِنِ ، وَالْكَرِيمِ ، وَالشَّاكِرِ . فَهَذَا إنْ قَصَدَ بِهِ الْيَمِينَ بِاسْمِ اللَّهِ - تَعَالَى - كَانَ يَمِينًا ، وَإِنْ أَطْلَقَ ، أَوْ قَصَدَ غَيْرَ اللَّهِ - تَعَالَى ، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا ، فَيَخْتَلِفُ هَذَا الْقِسْمُ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ فِي حَالَةِ الْإِطْلَاقِ ، فَفِي الْأَوَّلِ يَكُونُ يَمِينًا ، وَفِي الثَّانِي لَا يَكُونُ يَمِينًا . وَقَالَ الْقَاضِي ، وَالشَّافِعِيُّ ، فِي هَذَا الْقِسْمِ : لَا يَكُونُ يَمِينًا ، وَإِنْ قَصَدَ بِهِ اسْمَ اللَّهِ - تَعَالَى ; لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا تَنْعَقِدُ لِحُرْمَةِ الِاسْمِ ، فَمَعَ الِاشْتِرَاكِ لَا تَكُونُ لَهُ حُرْمَةٌ ، وَالنِّيَّةُ الْمُجَرَّدَةُ لَا تَنْعَقِدُ بِهَا الْيَمِينُ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ أَقْسَمَ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى ، قَاصِدًا بِهِ الْحَلِفَ بِهِ ، فَكَانَ يَمِينًا مُكَفَّرَةً ، كَالْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ . وَقَوْلُهُمْ : إنَّ النِّيَّةَ 395 الْمُجَرَّدَةَ لَا تَنْعَقِدُ بِهَا الْيَمِينُ . نَقُولُ بِهِ ، وَمَا انْعَقَدَ بِالنِّيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ إنَّمَا انْعَقَدَ بِالِاسْمِ الْمُحْتَمِلِ ، الْمُرَادِ بِهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى ، فَإِنَّ النِّيَّةَ تَصْرِفُ اللَّفْظَ الْمُحْتَمِلَ إلَى أَحَدِ مُحْتَمَلَاتِهِ ، فَيَصِيرُ كَالْمُصَرَّحِ بِهِ ، كَالْكِنَايَاتِ وَغَيْرِهَا ، وَلِهَذَا لَوْ نَوَى بِالْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ غَيْرَ اللَّهِ - تَعَالَى ، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا ، لِنِيَّتِهِ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث