المغني
المغني · الجزء الأول
الصفحة 726 · ص. المطبوع 365
( 879 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ ، وَهُوَ يَحْتَاجُ إلَى الْخَلَاءِ ، بَدَأَ بِالْخَلَاءِ ) يَعْنِي إذَا كَانَ حَاقِنًا كُرِهَتْ لَهُ الصَّلَاةُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ ، سَوَاءٌ خَافَ فَوَاتَ الْجَمَاعَةِ أَوْ لَمْ يَخَفْ . لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَرَوَى ثَوْبَانُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { ۝ لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ أَنْ يَنْظُرَ فِي جَوْفِ بَيْتِ امْرِئٍ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ ، وَلَا يَقُومَ إلَى الصَّلَاةِ وَهُوَ حَاقِنٌ } . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .
وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُومَ إلَى الصَّلَاةِ وَبِهِ مَا يَشْغَلُهُ عَنْ خُشُوعِهَا . وَحُضُورِ قَلْبِهِ فِيهَا ، فَإِنْ خَالَفَ وَفَعَلَ ، صَحَّتْ صَلَاتُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا وَقَالَ ، ابْنُ أَبِي مُوسَى : إنْ كَانَ بِهِ مِنْ مُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ مَا يُزْعِجُهُ وَيَشْغَلُهُ عَنْ الصَّلَاةِ ، أَعَادَ ، فِي الظَّاهِرِ مِنْ قَوْلِهِ . لِظَاهِرِ الْحَدِيثَيْنِ . اللَّذَيْنِ رَوَيْنَاهُمَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي حَدِيثِ ثَوْبَانَ : لَا يَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ ، فَهَذَانِ مِنْ الْأَعْذَارِ الَّتِي يُعْذَرُ بِهَا فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ وَالْجُمُعَةِ ، لِعُمُومِ اللَّفْظِ ; فَإِنَّ قَوْلَهُ : { ۝ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ } . عَامٌّ فِي كُلِّ صَلَاةٍ ، وَقَوْلُهُ : " لَا صَلَاةَ " عَامٌّ أَيْضًا .
( 880 ) فَصْلٌ : وَيُعْذَرُ فِي تَرْكِهِمَا الْمَرِيضُ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، أَنَّ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْ الْجَمَاعَاتِ مِنْ أَجْلِ الْمَرَضِ ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 365 قَالَ : { ۝ مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ اتِّبَاعِهِ عُذْرٌ . قَالُوا : وَمَا الْعُذْرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ . لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّى } . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد . وَقَدْ { ۝ كَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ يَأْتِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مَرِيضٌ فَيَقُولُ : مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ } .
( 881 ) فَصْلٌ : وَيُعْذَرُ فِي تَرْكِهِمَا الْخَائِفُ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ الْعُذْرُ خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ } وَالْخَوْفُ ، ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ ; خَوْفٌ عَلَى النَّفْسِ ، وَخَوْفٌ عَلَى الْمَالِ ، وَخَوْفٌ عَلَى الْأَهْلِ . فَالْأَوَّلُ ، أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ سُلْطَانًا ، يَأْخُذُهُ أَوْ عَدُوًّا ، أَوْ لِصًّا ، أَوْ سَبُعًا ، أَوْ دَابَّةً ، أَوْ سَيْلًا ، وَنَحْوَ ذَلِكَ ، مِمَّا يُؤْذِيهِ فِي نَفْسِهِ ، وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ . أَنْ يَخَافَ غَرِيمًا لَهُ يُلَازِمُهُ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ يُوفِيهِ ، فَإِنْ حَبَسَهُ بِدَيْنٍ هُوَ مُعْسِرٌ بِهِ ظُلْمٌ لَهُ ، فَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَدَاءِ الدَّيْنِ لَمْ يَكُنْ عُذْرًا لَهُ ، لِأَنَّهُ يَجِبُ إيفَاؤُهُ . وَكَذَلِكَ إنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَدٌّ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ حَدُّ قَذْفٍ ، فَخَافَ أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ ، لَمْ يَكُنْ عُذْرًا ، لِأَنَّهُ يَجِبُ إيفَاؤُهُ وَهَكَذَا إنْ تَأَخَّرَ عَلَيْهِ قِصَاصٌ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ فِي التَّخَلُّفِ مِنْ أَجْلِهِ . وَقَالَ الْقَاضِي : إنْ كَانَ يَرْجُو الصُّلْحَ عَلَى مَالٍ فَلَهُ التَّخَلُّفُ ، حَتَّى يُصَالِحَ ، بِخِلَافِ الْحُدُودِ ، فَإِنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا الْمُصَالَحَةُ وَلَا الْعَفْوُ .
وَحَدُّ الْعَفْوِ أَنْ يُرْجَى الْعَفْوُ عَنْهُ ، فَلَيْسَ يُعْذَرُ فِي التَّخَلُّفِ ; لِأَنَّهُ يَرْجُو إسْقَاطَهُ بِغَيْرِ بَدَلٍ وَيُعْذَرُ فِي تَرْكِهِمَا بِالْمَطَرِ . الَّذِي يَبُلُّ الثِّيَابَ ، وَالْوَحْلِ الَّذِي يَتَأَذَّى بِهِ فِي نَفْسِهِ وَثِيَابِهِ ; قَالَ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ : إذَا قُلْت : أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ . فَلَا تَقُلْ : حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ . وَقُلْ : صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ . قَالَ : فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا ذَلِكَ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَتَعْجَبُونَ مِنْ ذَلِكَ ، لَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي ، إنَّ الْجُمُعَةَ عَزْمَةٌ ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُخْرِجَكُمْ فَتَمْشُوا فِي الطِّينِ وَالدَّحَضِ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
وَيُعْذَرُ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ بِالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ الْبَارِدَةِ وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ ، ابْنِ عُمَرَ قَالَ { ۝ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنَادِي مُنَادِيَهُ فِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ أَوْ اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ . صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ } وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَنَحْوَهُ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ إلَّا أَنَّ فِيهِ : فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ أَوْ الْمَطِيرَةِ فِي السَّفَرِ وَرَوَى أَبُو الْمَلِيحِ أَنَّهُ { ۝ شَهِدَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ يَوْمَ جُمُعَةٍ ، وَأَصَابَهُمْ مَطَرٌ لَمْ يَبْتَلَّ أَسْفَلُ نِعَالِهِمْ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا فِي رِحَالِهِمْ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَيُعْذَرُ أَيْضًا مَنْ يُرِيدُ سَفَرًا ، وَيَخَافُ فَوَاتَ رُفْقَتِهِ . النَّوْعُ الثَّانِي : الْخَوْفُ عَلَى مَالِهِ ; بِخُرُوجِهِ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ مِنْ السُّلْطَانِ وَاللُّصُوصِ وَأَشْبَاهِهِمَا ، أَوْ يَخَافُ أَنْ يُسْرَقَ مَنْزِلُهُ أَوْ يُحْرَقَ أَوْ شَيْءٌ مِنْهُ أَوْ يَكُونُ لَهُ خُبْزٌ فِي التَّنُّورِ ، أَوْ طَبِيخٌ عَلَى النَّارِ يَخَافُ حَرِيقَهُ بِاشْتِغَالِهِ عَنْهُ أَوْ يَكُونُ لَهُ غَرِيمٌ إنْ تَرَكَ مُلَازَمَتَهُ ذَهَبَ بِمَالِهِ ، أَوْ يَكُونُ لَهُ بِضَاعَةٌ أَوْ وَدِيعَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ إنْ لَمْ يُدْرِكْهُ ذَهَبَ .
فَهَذَا وَأَشْبَاهُهُ عُذْرٌ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ ; النَّوْعُ الثَّالِثُ : الْخَوْفُ عَلَى وَلَدِهِ وَأَهْلِهِ أَنْ يَضِيعُوا ، أَوْ يَكُونُ وَلَدُهُ ضَائِعًا فَيَرْجُو وُجُودَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ أَوْ يَكُونُ لَهُ قَرِيبٌ يَخَافُ إنْ تَشَاغَلَ بِهِمَا مَاتَ فَلَمْ يَشْهَدْهُ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ثَبَتَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ اسْتَصْرَخَ عَلَى سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ بَعْدَ ارْتِفَاعِ الضُّحَى فَأَتَاهُ بِالْعَقِيقِ وَتَرَكَ الْجُمُعَةَ . وَهَذَا مَذْهَبُ عَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث