المغني
المغني · الجزء العاشر
( 8397 ) مَسْأَلَةٌ ; قَالَ : ( وَإِذَا تَابَ الْقَاذِفُ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْقَاذِفَ إنْ كَانَ زَوْجًا ، فَحَقَّقَ قَذْفَهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ لِعَانٍ ، أَوْ كَانَ أَجْنَبِيًّا ، فَحَقَّقَهُ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِإِقْرَارِ الْمَقْذُوفِ ، لَمْ يَتَعَلَّقْ بِقَذْفِهِ فِسْقٌ ، وَلَا حَدٌّ ، وَلَا رَدُّ شَهَادَةٍ ، وَإِنْ لَمْ يُحَقِّقْ قَذْفَهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، تَعَلَّقَ بِهِ وُجُوبُ الْحَدِّ عَلَيْهِ ، وَالْحُكْمُ بِفِسْقِهِ ، وَرَدُّ شَهَادَتِهِ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ } . فَإِنْ تَابَ ، لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْحَدُّ ، وَزَالَ الْفِسْقُ ، بِلَا خِلَافٍ . وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عِنْدَنَا .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ . وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتَبَةَ ، وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ ، وَأَبُو الزِّنَادِ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالْبَتِّيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ . وَذَكَرَهُ ابْنُ عُبِدَ الْبَرِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَرَبِيعَةَ .
وَقَالَ شُرَيْحٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إذَا جُلِدَ ، وَإِنْ تَابَ . وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، لَا 191 تُرَدُّ شَهَادَتُهُ قَبْلَ الْجَلْدِ ، وَإِنْ لَمْ يَتُبْ . فَالْخِلَافُ مَعَهُ فِي فَصْلَيْنِ ; أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ عِنْدَنَا تَسْقُطُ شَهَادَتُهُ بِالْقَذْفِ إذَا لَمْ يُحَقِّقْهُ ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ ، لَا تَسْقُطُ إلَّا بِالْجَلْدِ . وَالثَّانِي ، أَنَّهُ إذَا تَابَ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ وَإِنْ جُلِدَ . وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، لَا تُقْبَلُ . وَتَعَلَّقَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا } .
. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ ، وَلَا مَحْدُودٍ فِي الْإِسْلَامِ } . وَاحْتَجَّ فِي الْفَصْلِ الْآخَرِ بِأَنَّ الْقَذْفَ قَبْلَ حُصُولِ الْجَلْدَ يَجُوزُ أَنْ تَقُومَ بِهِ الْبَيِّنَةُ ، فَلَا يَجِبُ بِهِ التَّفْسِيقُ . وَلَنَا ، فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ ، إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَإِنَّهُ يُرْوَى عَنْ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِأَبِي بَكْرَةَ ، حِينَ شَهِدَ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ : تُبْ ، أَقْبَلْ شَهَادَتَك . وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ مُنْكِرٌ ، فَكَانَ إجْمَاعًا .
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ : شَهِدَ عَلَى الْمُغِيرَةِ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ ; أَبُو بَكْرَةَ ، وَنَافِعُ بْنُ الْحَارِثِ ، وَشِبْلُ بْنُ مَعْبَدٍ ، وَنَكَلَ زِيَادٌ ، فَجَلَدَ عُمَرُ الثَّلَاثَةَ ، وَقَالَ لَهُمْ : تُوبُوا ، تُقْبَلْ شَهَادَتُكُمْ . فَتَابَ رَجُلَانِ ، وَقَبِلَ عُمَرُ شَهَادَتَهُمَا ، وَأَبِي أَبُو بَكْرَةَ ، فَلَمْ يَقْبَلْ شَهَادَتَهُ . وَكَانَ قَدْ عَادَ مِثْلَ النَّصْلِ مِنْ الْعِبَادَةِ . وَلِأَنَّهُ تَابَ مِنْ ذَنْبِهِ ، فَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ ، كَالتَّائِبِ مِنْ الزِّنَى ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الزِّنَى أَعْظَمُ مِنْ الْقَذْفِ بِهِ ، وَكَذَلِكَ قَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ، وَسَائِرُ الذُّنُوبِ ، إذَا تَابَ فَاعِلُهَا ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ ، فَهَذَا أَوْلَى .
وَأَمَّا الْآيَةُ ، فَهِيَ حُجَّةٌ لَنَا ، فَإِنَّهُ اسْتَثْنَى التَّائِبِينَ ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا } . وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ : { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا } فَاقْبَلُوا شَهَادَتَهُمْ ، وَلَيْسُوا بِفَاسِقِينَ . فَإِنْ قَالُوا : إنَّمَا يَعُودُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى الْجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيه ; بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَعُودُ إلَى الْجَلْدِ . قُلْنَا : بَلْ يَعُودُ إلَيْهِ أَيْضًا ; لِأَنَّ هَذِهِ الْجُمَلَ مَعْطُوفٌ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ بِالْوَاوِ ، وَهِيَ لِلْجَمْعِ تَجْعَلُ الْجُمَلَ كُلَّهَا كَالْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ ، فَيَعُودُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى جَمِيعِهَا ، إلَّا مَا مَنَعَ مِنْهُ مَانِعٌ ، وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي بَيْتِهِ ، وَلَا يَجْلِسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ } . عَادَ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى الْجُمْلَتَيْنِ جَمِيعًا ، وَلِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُغَايِرُ مَا قَبْلَهُ ، فَعَادَ إلَى الْجُمَلِ الْمَعْطُوفِ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ بِالْوَاوِ ، كَالشَّرْطِ ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ : امْرَأَتُهُ طَالِقٌ ، وَعَبْدُهُ حُرٌّ ، إنْ لَمْ يَقُمْ .
عَادَ الشَّرْطُ إلَيْهِمَا ، كَذَا الِاسْتِثْنَاءُ ، بَلْ عَوْدُ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى رَدِّ الشَّهَادَةِ أَوْلَى ; لِأَنَّ رَدَّ الشَّهَادَة هُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ ، فَيَكُونُ هُوَ الْحُكْمَ ، وَالتَّفْسِيقُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْخَبَرِ وَالتَّعْلِيلِ لِرَدِّ الشَّهَادَةِ ، فَعَوْدُ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى الْحُكْمِ الْمَقْصُودِ ، أَوْلَى مِنْ رَدِّهِ إلَى التَّعْلِيلِ ، وَحَدِيثُهُمْ ضَعِيفٌ ، يَرْوِيه الْحُجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَمْ يَرْفَعْهُ مَنْ رِوَايَتِهِ حُجَّةٌ . وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِهِ ، وَلَمْ تُذْكَرْ فِيهِ هَذِهِ الزِّيَادَةُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا مِنْ غَلَطِهِ ، وَيَدُلُّ عَلَى خَطَئِهِ قَبُولُ شَهَادَةِ كُلِّ مَحْدُودٍ فِي غَيْرِ الْقَذْفِ بَعْدَ تَوْبَتِهِ ، ثُمَّ لَوْ قُدِّرَ صِحَّتُهُ ، فَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ لَمْ يَتُبْ ، بِدَلِيلِ : كُلُّ مَحْدُودٍ تَائِبٌ سِوَى هَذَا .
وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي فَدَلِيلُنَا فِيهِ الْآيَةُ ، فَإِنَّهُ رَتَّبَ عَلَى رَمْيِ الْمُحْصَنَاتِ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ ; إيجَابُ الْجَلْدِ ، وَرَدُّ الشَّهَادَةِ ، وَالْفِسْقُ ، فَيَجِبُ أَنْ يَثْبُتَ رَدُّ الشَّهَادَةِ بِوُجُودِ الرَّمْيِ الَّذِي لَمْ يُمْكِنْهُ تَحْقِيقُهُ ، كَالْجَلْدِ ; وَلِأَنَّ الرَّمْيَ هُوَ 192 الْمَعْصِيَةُ وَالذَّنْبُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الْعُقُوبَةَ ، وَتَثْبُتُ بِهِ الْمَعْصِيَةُ الْمُوجِبَةُ لِرَدِّ الشَّهَادَةِ ، وَالْحَدُّ كَفَّارَةٌ وَتَطْهِيرٌ ، فَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ رَدِّ الشَّهَادَةِ بِهِ ، وَإِنَّمَا الْجَلْدُ ، وَرَدُّ الشَّهَادَةِ حُكْمَانِ لِلْقَذْفِ ، فَيَثْبُتَانِ جَمِيعًا بِهِ ، وَتَخَلُّفُ اسْتِيفَاء أَحَدِهِمَا ، لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْآخَرِ . وَقَوْلُهُمْ : إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِالْجَلْدِ .
لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ الْجَلْدَ حُكْمُ الْقَذْفِ الَّذِي تَعَذَّرَ تَحْقِيقُهُ ، فَلَا يُسْتَوْفَى قَبْلَ تَحَقُّقِ الْقَذْفِ ، وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَوْفَى حَدٌّ قَبْلَ تَحَقُّقِ سَبَبِهِ ، وَيَصِيرُ مُتَحَقِّقًا بَعْدَهُ ؟ هَذَا بَاطِلٌ .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ . وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتَبَةَ ، وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ ، وَأَبُو الزِّنَادِ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالْبَتِّيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ . وَذَكَرَهُ ابْنُ عُبِدَ الْبَرِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَرَبِيعَةَ .
وَقَالَ شُرَيْحٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إذَا جُلِدَ ، وَإِنْ تَابَ . وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، لَا 191 تُرَدُّ شَهَادَتُهُ قَبْلَ الْجَلْدِ ، وَإِنْ لَمْ يَتُبْ . فَالْخِلَافُ مَعَهُ فِي فَصْلَيْنِ ; أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ عِنْدَنَا تَسْقُطُ شَهَادَتُهُ بِالْقَذْفِ إذَا لَمْ يُحَقِّقْهُ ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ ، لَا تَسْقُطُ إلَّا بِالْجَلْدِ . وَالثَّانِي ، أَنَّهُ إذَا تَابَ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ وَإِنْ جُلِدَ . وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، لَا تُقْبَلُ . وَتَعَلَّقَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا } .
. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ ، وَلَا مَحْدُودٍ فِي الْإِسْلَامِ } . وَاحْتَجَّ فِي الْفَصْلِ الْآخَرِ بِأَنَّ الْقَذْفَ قَبْلَ حُصُولِ الْجَلْدَ يَجُوزُ أَنْ تَقُومَ بِهِ الْبَيِّنَةُ ، فَلَا يَجِبُ بِهِ التَّفْسِيقُ . وَلَنَا ، فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ ، إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَإِنَّهُ يُرْوَى عَنْ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِأَبِي بَكْرَةَ ، حِينَ شَهِدَ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ : تُبْ ، أَقْبَلْ شَهَادَتَك . وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ مُنْكِرٌ ، فَكَانَ إجْمَاعًا .
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ : شَهِدَ عَلَى الْمُغِيرَةِ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ ; أَبُو بَكْرَةَ ، وَنَافِعُ بْنُ الْحَارِثِ ، وَشِبْلُ بْنُ مَعْبَدٍ ، وَنَكَلَ زِيَادٌ ، فَجَلَدَ عُمَرُ الثَّلَاثَةَ ، وَقَالَ لَهُمْ : تُوبُوا ، تُقْبَلْ شَهَادَتُكُمْ . فَتَابَ رَجُلَانِ ، وَقَبِلَ عُمَرُ شَهَادَتَهُمَا ، وَأَبِي أَبُو بَكْرَةَ ، فَلَمْ يَقْبَلْ شَهَادَتَهُ . وَكَانَ قَدْ عَادَ مِثْلَ النَّصْلِ مِنْ الْعِبَادَةِ . وَلِأَنَّهُ تَابَ مِنْ ذَنْبِهِ ، فَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ ، كَالتَّائِبِ مِنْ الزِّنَى ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الزِّنَى أَعْظَمُ مِنْ الْقَذْفِ بِهِ ، وَكَذَلِكَ قَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ، وَسَائِرُ الذُّنُوبِ ، إذَا تَابَ فَاعِلُهَا ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ ، فَهَذَا أَوْلَى .
وَأَمَّا الْآيَةُ ، فَهِيَ حُجَّةٌ لَنَا ، فَإِنَّهُ اسْتَثْنَى التَّائِبِينَ ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا } . وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ : { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا } فَاقْبَلُوا شَهَادَتَهُمْ ، وَلَيْسُوا بِفَاسِقِينَ . فَإِنْ قَالُوا : إنَّمَا يَعُودُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى الْجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيه ; بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَعُودُ إلَى الْجَلْدِ . قُلْنَا : بَلْ يَعُودُ إلَيْهِ أَيْضًا ; لِأَنَّ هَذِهِ الْجُمَلَ مَعْطُوفٌ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ بِالْوَاوِ ، وَهِيَ لِلْجَمْعِ تَجْعَلُ الْجُمَلَ كُلَّهَا كَالْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ ، فَيَعُودُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى جَمِيعِهَا ، إلَّا مَا مَنَعَ مِنْهُ مَانِعٌ ، وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي بَيْتِهِ ، وَلَا يَجْلِسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ } . عَادَ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى الْجُمْلَتَيْنِ جَمِيعًا ، وَلِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُغَايِرُ مَا قَبْلَهُ ، فَعَادَ إلَى الْجُمَلِ الْمَعْطُوفِ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ بِالْوَاوِ ، كَالشَّرْطِ ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ : امْرَأَتُهُ طَالِقٌ ، وَعَبْدُهُ حُرٌّ ، إنْ لَمْ يَقُمْ .
عَادَ الشَّرْطُ إلَيْهِمَا ، كَذَا الِاسْتِثْنَاءُ ، بَلْ عَوْدُ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى رَدِّ الشَّهَادَةِ أَوْلَى ; لِأَنَّ رَدَّ الشَّهَادَة هُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ ، فَيَكُونُ هُوَ الْحُكْمَ ، وَالتَّفْسِيقُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْخَبَرِ وَالتَّعْلِيلِ لِرَدِّ الشَّهَادَةِ ، فَعَوْدُ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى الْحُكْمِ الْمَقْصُودِ ، أَوْلَى مِنْ رَدِّهِ إلَى التَّعْلِيلِ ، وَحَدِيثُهُمْ ضَعِيفٌ ، يَرْوِيه الْحُجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَمْ يَرْفَعْهُ مَنْ رِوَايَتِهِ حُجَّةٌ . وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِهِ ، وَلَمْ تُذْكَرْ فِيهِ هَذِهِ الزِّيَادَةُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا مِنْ غَلَطِهِ ، وَيَدُلُّ عَلَى خَطَئِهِ قَبُولُ شَهَادَةِ كُلِّ مَحْدُودٍ فِي غَيْرِ الْقَذْفِ بَعْدَ تَوْبَتِهِ ، ثُمَّ لَوْ قُدِّرَ صِحَّتُهُ ، فَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ لَمْ يَتُبْ ، بِدَلِيلِ : كُلُّ مَحْدُودٍ تَائِبٌ سِوَى هَذَا .
وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي فَدَلِيلُنَا فِيهِ الْآيَةُ ، فَإِنَّهُ رَتَّبَ عَلَى رَمْيِ الْمُحْصَنَاتِ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ ; إيجَابُ الْجَلْدِ ، وَرَدُّ الشَّهَادَةِ ، وَالْفِسْقُ ، فَيَجِبُ أَنْ يَثْبُتَ رَدُّ الشَّهَادَةِ بِوُجُودِ الرَّمْيِ الَّذِي لَمْ يُمْكِنْهُ تَحْقِيقُهُ ، كَالْجَلْدِ ; وَلِأَنَّ الرَّمْيَ هُوَ 192 الْمَعْصِيَةُ وَالذَّنْبُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الْعُقُوبَةَ ، وَتَثْبُتُ بِهِ الْمَعْصِيَةُ الْمُوجِبَةُ لِرَدِّ الشَّهَادَةِ ، وَالْحَدُّ كَفَّارَةٌ وَتَطْهِيرٌ ، فَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ رَدِّ الشَّهَادَةِ بِهِ ، وَإِنَّمَا الْجَلْدُ ، وَرَدُّ الشَّهَادَةِ حُكْمَانِ لِلْقَذْفِ ، فَيَثْبُتَانِ جَمِيعًا بِهِ ، وَتَخَلُّفُ اسْتِيفَاء أَحَدِهِمَا ، لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْآخَرِ . وَقَوْلُهُمْ : إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِالْجَلْدِ .
لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ الْجَلْدَ حُكْمُ الْقَذْفِ الَّذِي تَعَذَّرَ تَحْقِيقُهُ ، فَلَا يُسْتَوْفَى قَبْلَ تَحَقُّقِ الْقَذْفِ ، وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَوْفَى حَدٌّ قَبْلَ تَحَقُّقِ سَبَبِهِ ، وَيَصِيرُ مُتَحَقِّقًا بَعْدَهُ ؟ هَذَا بَاطِلٌ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث