المغني
المغني · الجزء الأول
الصفحة 807 · ص. المطبوع 418
( 996 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْبَوْلَةُ عَلَى الْأَرْضِ يُطَهِّرُهَا دَلْوٌ مِنْ مَاءٍ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَرْضَ إذَا تَنَجَّسَتْ بِنَجَاسَةٍ مَائِعَةٍ ، كَالْبَوْلِ وَالْخَمْرِ وَغَيْرِهِمَا . فَطَهُورُهَا أَنْ يَغْمُرَهَا بِالْمَاءِ ، بِحَيْثُ يَذْهَبُ لَوْنُ النَّجَاسَةِ وَرِيحُهَا . فَمَا انْفَصَلَ عَنْهَا غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ بِهَا فَهُوَ طَاهِرٌ . وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَطْهُرُ الْأَرْضُ حَتَّى يَنْفَصِلَ الْمَاءُ ، فَيَكُونَ الْمُنْفَصِلُ نَجِسًا ; لِأَنَّ النَّجَاسَةَ انْتَقَلَتْ إلَيْهِ ، فَكَانَ نَجِسًا ، كَمَا لَوْ وَرَدَتْ عَلَيْهِ .
وَلَنَا . مَا رَوَى أَنَسٌ ، قَالَ { ۝ : جَاءَ أَعْرَابِيٌّ ، فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ ، فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ } . وَفِي لَفْظٍ : فَدَعَاهُ ، فَقَالَ : " إنَّ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَالْقَذَرِ ، وَإِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالصَّلَاةِ ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ " . أَوْ كَمَا { ۝ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَرَ رَجُلًا فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَشَنَّهُ عَلَيْهِ } . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَلَوْلَا أَنَّ الْمُنْفَصِلَ طَاهِرٌ لَكَانَ قَدْ أَمَرَ بِزِيَادَةِ تَنْجِيسِهِ ; لِأَنَّهُ كَانَ فِي مَوْضِعٍ فَصَارَ فِي مَوَاضِعَ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَطْهِيرَ الْمَسْجِدِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَعْقِلٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { ۝ خُذُوا مَا بَالَ عَلَيْهِ مِنْ التُّرَابِ ، وَأَهْرِيقُوا عَلَى مَكَانِهِ مَاءً } . وَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ سَمْعَانَ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فَأَمَرَ بِهِ فَحُفِرَ . قُلْنَا : لَيْسَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي خَبَرٍ مُتَّصِلٍ ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ . وَحَدِيثُ ابْنِ مَعْقِلٍ مُرْسَلٌ . قَالَ أَبُو دَاوُد : ابْنُ مَعْقِلٍ لَمْ يُدْرِكْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَحَدِيثُ سَمْعَانَ مُنْكَرٌ . قَالَهُ الْإِمَامُ . وَقَالَ : مَا أَعْرِفُ سَمْعَانَ . وَلِأَنَّ الْبَلَّةَ الْبَاقِيَةَ فِي الْمَحَلِّ بَعْدَ غَسْلِهِ طَاهِرَةٌ ، وَهِيَ بَعْضُ الْمُنْفَصِلِ ، فَكَذَلِكَ الْمُنْفَصِلُ .
وَقَوْلُهُمْ : إنَّ النَّجَاسَةَ انْتَقَلَتْ إلَيْهِ . قُلْنَا : بَعْدَ طَهَارَتِهَا ، لِأَنَّ الْمَاءَ لَوْ لَمْ يُطَهِّرْهَا لَنَجُسَ بِهَا حَالَ مُلَاقَاتِهِ لَهَا ، وَلَوْ نَجُسَ 418 بِهَا لَمَا طَهُرَ الْمَحَلُّ ، وَلَكَانَ الْبَاقِي مِنْهُ فِي الْمَحَلِّ نَجِسًا . قَالَ الْقَاضِي : إنَّمَا يُحْكَمُ بِطَهَارَةِ الْمُنْفَصِلِ إذَا نَشَفَتْ النَّجَاسَةُ ، وَذَهَبَتْ أَجْزَاؤُهَا ، وَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَثَرُهَا ، فَإِنْ كَانَتْ أَجْزَاؤُهَا بَاقِيَةً ، طَهُرَ الْمَحَلُّ ، وَنَجُسَ الْمُنْفَصِلُ .
وَهَذَا الشَّرْطُ الَّذِي ذَكَرَهُ لَمْ أَرَهُ عَنْ أَحْمَدَ ، وَلَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ ، وَلَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِبَقَاءِ أَجْزَائِهَا بَقَاءَ رُطُوبَتِهَا ، فَهُوَ خِلَافُ الْخَبَرِ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ : فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صُبَّ عَلَيْهِ عَقِيبَ فَرَاغِهِ مِنْهُ . وَإِنْ أَرَادَ بَقَاءَ الْبَوْلِ مُتَنَقِّعًا ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرُّطُوبَةِ ، فَإِنَّ قَلِيلَ الْبَوْلِ وَكَثِيرَهُ فِي التَّنْجِيسِ سَوَاءٌ . وَالرُّطُوبَةُ أَجْزَاءٌ تَنْجُسُ كَمَا تَنْجُسُ الْمُتَنَقِّعُ ، فَلَا فَرْقَ إذًا .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث