المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء السادس
الصفحة 1053 · ص. المطبوع 108
1027 - مَسْأَلَةٌ : وَلَا يَحِلُّ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْنَا لِمَنْ كَانَ فِي طَرِيقِ بَغْيٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَوْ مُمْتَنِعًا مِنْ حَقٍّ ، بَلْ كُلُّ ذَلِكَ حَرَامٌ عَلَيْهِ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَا يَأْكُلُ فَلْيَتُبْ مِمَّا هُوَ فِيهِ وَلْيُمْسِكْ عَنْ الْبَغْيِ وَلْيَأْكُلْ حِينَئِذٍ وَلْيَشْرَبْ مِمَّا اُضْطُرَّ إلَيْهِ حَلَالًا لَهُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى فَاسِقٌ ، آكِلُ حَرَامٍ . بُرْهَانُ ذَلِكَ - : قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَمَنْ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } وَقَوْلُهُ : { فَمَنْ اُضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ } فَإِنَّمَا أَبَاحَ تَعَالَى مَا حَرَّمَهُ بِالضَّرُورَةِ مَنْ لَمْ يَتَجَانَفْ لِإِثْمٍ ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ بَاغِيًا وَلَا عَادِيًا - : وَهَذَا قَوْلُ كُلِّ مَنْ نَعْلَمُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَّا الْمَالِكِيِّينَ ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا فِيمَنْ قَطَعَ الطَّرِيقَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، وَانْتَظَرَ رِفَاقَهُمْ مِنْ الْمُحَارِبِينَ ، وَحَاصَرَ قُرَاهُمْ وَمَدَنَهُمْ مِنْ الْبَاغِينَ لِسَفْكِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، وَيَسْتَبِيحُ أَمْوَالَهُمْ وَفُرُوجَ الْمُسْلِمَاتِ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا ، فَلَمْ يَجِدْ مَأْكَلًا إلَّا الْخَنَازِيرَ وَالْمَيْتَاتِ - : أَنَّهُ مُبَاحٌ لَهُ أَكْلُهُ ، فَأَعَانُوهُ عَلَى أَعْظَمِ الظُّلْمِ ، وَأَشَدِّ الْبَغْيِ وَالْعُدْوَانِ وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ مَوَّهُوا هَهُنَا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } .
108 قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا مِنْ أَقْبَحِ مَا يَكُونُ مِنْ الْإِبْهَامِ وَمَا أَمَرْنَاهُ بِقَتْلِ نَفْسِهِ بَلْ بِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ مِنْ التَّوْبَةِ ، فَلْيَنْوِهَا بِقَلْبِهِ ، وَلْيُمْسِكْ عَنْ الْبَغْيِ وَالِامْتِنَاعِ مِنْ الْحَقِّ بِيَدَيْهِ ، ثُمَّ يَأْكُلُ مَا اُضْطُرَّ إلَيْهِ حَلَالًا لَهُ ، وَمَا سَمِعْنَا بِقَوْلٍ أَقْبَحَ مِنْ قَوْلِهِمْ هَذَا أَنْ لَا يَأْمُرُوهُ بِالتَّوْبَةِ مِنْ الْبَغْيِ ، وَيُبِيحُوا لَهُ التَّقَوِّي عَلَى الْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ بِأَكْلِ الْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ نَبْرَأُ إلَى اللَّهِ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ - : رُوِّينَا عَنْ مُجَاهِدٍ { غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ } غَيْرَ بَاغٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا عَادٍ عَلَيْهِمْ - قَالَ مُجَاهِدٌ : وَمَنْ يَخْرُجُ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ ، أَوْ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَاضْطُرَّ إلَى الْمَيْتَةِ لَمْ تَحِلَّ لَهُ ، إنَّمَا تَحِلُّ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَإِنْ اُضْطُرَّ إلَيْهَا فَلْيَأْكُلْ . وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ { فَمَنْ اُضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ } قَالَ : إذَا خَرَجَ فِي سَبِيلٍ مِنْ سُبُلِ اللَّهِ تَعَالَى فَاضْطُرَّ إلَى الْمَيْتَةِ أَكَلَ ، وَإِنْ خَرَجَ إلَى قَطْعِ الطَّرِيقِ فَلَا رُخْصَةَ لَهُ .
وَمَوَّهُوا بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ سَلَمَةَ بْنِ سَابُورٍ عَنْ عَطِيَّةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مَعْنَى الْبَاغِي ، وَالْعَادِي ، إنَّمَا هُوَ فِي الْأَكْلِ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِوُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ - : أَوَّلُهَا : أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ فِي تَخْصِيصِ الْقُرْآنِ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ إسْنَادٌ فَاسِدٌ لَا يَصِحُّ ، لِأَنَّ سَلَمَةَ بْنَ سَابُورٍ ضَعِيفٌ ، وَعَطِيَّةَ مَجْهُولٌ . وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَكَانَ مُوَافِقًا لِقَوْلِنَا لَا لِقَوْلِهِمْ ، لِأَنَّ الْبَاغِيَ فِي الْأَكْلِ ، وَالْعَادِيَ فِيهِ : هُوَ مِنْ أَكْلِهِ فِيمَا لَمْ يُبَحْ لَهُ ، وَآكِلُهُ فِي الْبَغْيِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَاغٍ فِي الْأَكْلِ وَعَادٍ فِيهِ ، وَهَكَذَا نَقُولُ . وَمَا قَالَ قَطُّ أَحَدٌ نَعْلَمُهُ قَبْلَهُمْ : أَنَّ مَنْ خَرَجَ مُفْسِدًا فِي الْأَرْضِ فَاضْطُرَّ إلَى الْمَيْتَةِ فَلَهُ أَكْلُهَا مُصِرًّا عَلَى إفْسَادِهِ مُتَقَوِّيًا عَلَى ظُلْمِ الْمُسْلِمِينَ ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخِذْلَانِ . وَقَالَ قَائِلُونَ : لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا مَا يُمْسِكُ رَمَقَهُ ؟ قَالَ عَلِيٌّ : وَهَذَا خَطَأٌ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَثْنَى الْمُضْطَرَّ مِنْ التَّحْرِيمِ ، فَهُوَ بِلَا شَكٍّ 109 غَيْرُ دَاخِلٍ فِي التَّحْرِيمِ ، وَإِذْ هُوَ غَيْرُ دَاخِلٍ فِيهِ فَكُلُّ ذَلِكَ مُبَاحٌ لَهُ جُمْلَةً .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث