المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء السادس
الصفحة 1301 · ص. المطبوع 451
وَأَمَّا مَا جُنِيَ عَلَى عَبْدٍ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ ، أَوْ عَلَى أَمَةٍ كَذَلِكَ ، فَقَالَ قَوْمٌ : كَمَا قُلْنَا : إنَّمَا فِيهِ لِلسَّيِّدِ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهِ فَقَطْ - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ .
وَقَالَ قَوْمٌ : جِرَاحُ الْعَبْدِ مِنْ ثَمَنِهِ كَجِرَاحِ الْحُرِّ مِنْ دِيَتِهِ ، بَالِغًا ثَمَنُ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ مَا بَلَغَ ، فَفِي عَيْنِ الْعَبْدِ نِصْفُ ثَمَنِهِ ، وَلَوْ أَنَّ ثَمَنَهُ أَلْفَا دِينَارٍ وَفِي عَيْنِ الْأَمَةِ نِصْفُ ثَمَنِهَا وَلَوْ بَلَغَ عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ ، وَهَكَذَا فِي سَائِرِ الْأَعْضَاءِ .
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ : جِرَاحَاتُ 451 الْعَبِيدِ فِي أَثْمَانِهِمْ بِقَدْرِ جِرَاحَاتِ الْأَحْرَارِ فِي دِيَاتِهِمْ - وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ - إلَّا أَنَّ الْحَسَنَ قَالَ : إنْ بَلَغَ جَمِيعَ الْقِيمَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا أَنْ يُسَلِّمَهُ ، وَيَأْخُذَ قِيمَتَهُ ، أَوْ يَأْخُذَ مَا نَقَصَ .
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا : مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : وَعَقْلُ الْعَبْدِ فِي ثَمَنِهِ كَعَقْلِ الْحُرِّ فِي دِيَتِهِ .
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ : إنَّ رِجَالًا مِنْ الْعُلَمَاءِ لَيَقُولُونَ : الْعَبِيدُ وَالْإِمَاءُ سِلَعٌ ، فَيَنْظُرُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ أَثْمَانِهِمْ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا قَوْلُنَا - وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : فِيهِ مَا نَقَصَ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْجِنَايَةُ اسْتِهْلَاكًا كَقَطْعِ الْيَدَيْنِ ، أَوْ الرِّجْلَيْنِ ، أَوْ فَقْءِ الْعَيْنَيْنِ ، فَصَاحِبُهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ مَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ قِيمَتِهِ ، أَوْ يُسَلِّمَهُ إلَى الْجَانِي وَيَأْخُذَ مِنْهُ قِيمَتَهُ صَحِيحًا - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ .
وَطَائِفَةٌ قَالَتْ : جِرَاحُ الْعَبْدِ فِي ثَمَنِهِ كَجِرَاحِ الْحُرِّ فِي دِيَتِهِ ، فَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مِمَّا لَوْ كَانَتْ عَلَى حُرٍّ لَكَانَتْ فِيهِ الدِّيَةُ كُلُّهَا أَسْلَمَهُ إلَى الْجَانِي وَلَا بُدَّ ، وَأَلْزَمَهُ قِيمَتَهُ صَحِيحًا - وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ ، وَالشَّعْبِيِّ .
وَطَائِفَةٌ قَالَتْ : يُدْفَعُ إلَى الْجَانِي وَتَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ صَحِيحًا - وَهُوَ قَوْلُ إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، وَقَتَادَةَ - : رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ فِي رَجُلٍ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ ؟ قَالَ : هُوَ لَهُ وَعَلَيْهِ مِثْلُهُ .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِيمَنْ جَدَعَ أُذُنَ عَبْدٍ ، أَوْ أَنْفَهُ ، أَوْ أَشَلَّ يَدَهُ : أَنَّهُ يُدْفَعُ إلَيْهِ وَيَغْرَمُ لِصَاحِبِهِ مِثْلَهُ .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : إنْ شَجَّ عَبْدًا ، أَوْ فَقَأَ عَيْنَهُ ، فَقِيمَتُهُ كَمَا أَفْسَدَهُ - : وَرَأَى فِي مُوضِحَتِهِ نِصْفَ عُشْرِ قِيمَتِهِ .
452 قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ : مَنْ قَتَلَ عَبْدًا خَطَأً فَقِيمَتُهُ عَلَى الْعَاقِلَةِ مَا لَمْ تَبْلُغْ قِيمَتُهُ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فَأَكْثَرَ ، فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ غَيْرَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ ، وَفِي الْأَمَةِ قِيمَتُهَا كَذَلِكَ مَا لَمْ تَبْلُغْ خَمْسَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فَصَاعِدًا ، فَإِنْ بَلَغَتْهَا فَلَيْسَ فِيهَا إلَّا خَمْسَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ غَيْرَ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ عَلَى الْعَاقِلَةِ .
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَحْدَهُ : وَأَمَّا مَا دُونَ النَّفْسِ فَمِنْ قِيمَتِهَا مِثْلُ مَا فِي الْجِنَايَةِ ، وَعَلَى الْحُرِّ مِنْ دِيَتِهِ ، فَإِذَا بَلَغَ أَرْشَ ذَلِكَ مِنْ الْحُرِّ ، أَنْقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ أَوْ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ هَكَذَا جُمْلَةٌ .
ثُمَّ رَجَعَ عَنْ الْأُذُنِ وَالْحَاجِبِ خَاصَّةً فَقَالَ : فِيهِمَا مَا نَقْصُهُمَا فَقَطْ ، فَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مُسْتَهْلَكَةً فَلَيْسَ لَهُ إلَّا إمْسَاكُهُ ، كَمَا هُوَ ، وَلَا شَيْءَ لَهُ ، أَوْ إسْلَامُهُ وَأَخَذَ مَا كَانَ يَأْخُذُ لَوْ قُتِلَ خَطَأً .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي قَتْلِ الْعَبْدِ خَطَأً وَالْجِنَايَةِ : عَلَيْهِ قِيمَتُهُ مَا بَلَغَتْ وَلَوْ تَجَاوَزَتْ دِيَاتٍ - وَوَافَقَهُ مُحَمَّدٌ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ .
وَاتَّفَقُوا كُلُّهُمْ فِي الْجِنَايَةِ الْمُسْتَهْلَكَةِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الَّذِي ذَكَرْنَا .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُمَا أَنَّهُ إنْ أَمْسَكَهُ أَخَذَ قِيمَةَ مَا نَقَصْته الْجِنَايَةُ الْمُسْتَهْلَكَةُ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ خَاصَّةً مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْحَاجِبُ ، وَالْأُذُنُ وَغَيْرُ ذَلِكَ ، وَذُكِرَ ذَلِكَ فِي اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ .
وَرُوِيَ عَنْ زُفَرَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ مَرَّةً مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الْآخِرِ ، وَمَرَّةً مِثْلُ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ ، وَوَافَقَ أَبَا حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ فِي النَّفْسِ .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ جِرَاحُ الْعَبْدِ فِي قِيمَتِهِ كَجِرَاحِ الْحُرِّ فِي دِيَتِهِ إلَّا أَنْ تَبْلُغَ قِيمَةُ الْعَبْدِ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فَصَاعِدًا أَوْ تَبْلُغَ قِيمَةُ الْأَمَةِ خَمْسَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فَصَاعِدًا فَلَا تَبْلُغُ بِأَرْشِ تِلْكَ الْجِرَاحَةِ مِقْدَارَهَا مِنْ دِيَةِ الْحُرِّ ، أَوْ الْحُرَّةِ ، لَكِنْ يَحُطُّ مِنْ ذَلِكَ حِصَّتَهَا مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ فِي الْعَبْدِ ، وَحِصَّتَهَا مِنْ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ فِي الْأَمَةِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَطْعَ أُذُنٍ فَبَرِئَ ، أَوْ نَتْفَ حَاجِبٍ فَبَرِئَ ، وَلَمْ يَنْبُتْ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا مَا نَقَصَهُ - وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .
فَإِنْ بَلَغَ مِنْ الْجِنَايَةِ عَلَى الْعَبْدِ مَا لَوْ جَنَى عَلَى حُرٍّ لَوَجَبَتْ فِيهِ الدِّيَةُ كُلُّهَا فَلَيْسَ لَهُ إلَّا إمْسَاكُهُ كَمَا هُوَ ، وَلَا شَيْءَ لَهُ أَوْ إسْلَامُهُ إلَى الْجَانِي وَأَخْذُ جَمِيعِ قِيمَتِهِ مَا لَمْ يَبْلُغْ عَشَرَةَ 453 آلَافِ دِرْهَمٍ فَصَاعِدًا فَلَيْسَ لَهُ إلَّا عَشَرَةُ آلَافٍ غَيْرَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ ، وَفِي الْأَمَةِ نِصْفُ ذَلِكَ .
وَتَفْسِيرُهُ - : أَنَّهُ إنْ فَقَأَ عَيْنَ أَمَةٍ تُسَاوِي خَمْسَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ إلَى مِائَةِ أَلْفِ فَأَكْثَرَ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا أَلْفَا دِرْهَمٍ وَخَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ غَيْرَ دِرْهَمَيْنِ وَنِصْفٍ .
وَإِنْ فَقَأَ عَيْنَ عَبْدٍ يُسَاوِي عَشَرَةَ آلَافٍ فَمَا زَادَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا خَمْسَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ ، غَيْرَ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ ، وَهَكَذَا فِي سَائِرِ الْجِرَاحَاتِ .
فَلَوْ سَاوَتْ الْأَمَةُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ ، وَالْعَبْدُ مِائَةَ دِرْهَمٍ ، لَمْ يَلْزَمْهُ فِي عَيْنِ الْعَبْدِ إلَّا خَمْسُونَ دِرْهَمًا فَقَطْ ، وَفِي عَيْنِ الْأَمَةِ مِائَةُ دِرْهَمٍ فَقَطْ ، وَهَكَذَا الْعَمَلُ فِي سَائِرِ الْقِيَمِ .
وَطَائِفَةٌ قَالَتْ : إنَّ مُنَقِّلَةَ الْعَبْدِ ، وَمَأْمُومَتَهُ ، وَجَائِفَتَهُ ، وَمُوضِحَتَهُ مِنْ ثَمَنِهِ ، بَالِغًا مَا بَلَغَ فَهِيَ مِنْ الْحُرِّ فِي دِيَتِهِ - : فَفِي مُوضِحَةِ الْعَبْدِ نِصْفُ عُشْرِ ثَمَنِهِ - وَلَوْ أَنَّهُ أَلْفُ أَلْفِ دِرْهَمٍ .
وَفِي مُنَقِّلَتِهِ عُشْرُ قِيمَتِهِ كَذَلِكَ وَنِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ كَذَلِكَ .
وَفِي جَائِفَتِهِ ، وَمَأْمُومَتِهِ ثُلْثُ ثَمَنِهِ بَالِغٌ مَا بَلَغَ .
وَأَمَّا سَائِرُ الْجِرَاحَاتِ ، وَقَطْعُ الْأَعْضَاءِ فَإِنَّمَا فِيهِ مَا نَقَصَهُ فَقَطْ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا أَنَّهُ إذَا قَطَعَ يَدَيْ عَبْدٍ أَوْ فَقَأَ عَيْنَيْهِ أُعْتِقَ عَلَيْهِ وَغَرِمَ قِيمَتَهُ كَامِلَةً لِسَيِّدِهِ .
وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : مِنْ خَصَى عَبْدَ غَيْرِهِ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ كُلُّهَا لِسَيِّدِهِ ، وَيَبْقَى الْعَبْدُ لِسَيِّدِهِ - سَوَاءٌ زَادَ ذَلِكَ فِي قِيمَتِهِ أَوْ نَقَصَ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : أَمَّا مَنْ قَالَ : جِرَاحُ الْعَبْدِ فِي قِيمَتِهِ كَجِرَاحِ الْحُرِّ فِي دِيَتِهِ - : فَقَوْلٌ لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ لَا مِنْ قُرْآنٍ ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ ، وَلَا مِنْ رِوَايَةٍ فَاسِدَةٍ ، لَكِنَّهُمْ قَاسُوهُ عَلَى الْحُرِّ ; لِأَنَّهُ إنْسَانٌ مِثْلُهُ .
قَالَ عَلِيٌّ : وَلَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنُ الْبَاطِلِ ; لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ دِيَاتِ أَعْضَاءِ الْحُرِّ مُؤَقَّتٌ لَا زِيَادَةَ فِيهَا وَلَا نَقْصَ .
وَقَدْ وَافَقْنَا مَنْ خَالَفْنَا هَاهُنَا عَلَى أَنَّ دِيَةَ أَعْضَاءِ الْعَبْدِ غَيْرُ مُؤَقَّتَةٍ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ ، إذْ قَدْ يُسَاوِي الْعَبْدُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فَتَكُونُ دِيَةُ عَيْنِهِ عِنْدَهُمْ عَشْرَ دَنَانِيرَ . 454 وَتُسَاوِي الْأَمَةُ خَمْسَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فَتَكُونُ دِيَةُ عَيْنِهَا أَلْفَيْ دِرْهَمٍ وَخَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ غَيْرَ دِرْهَمَيْنِ وَنِصْفٍ - أَوْ تَكُونُ دِيَةُ عَيْنِهَا عِنْدَ بَعْضِهِمْ عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ ، فَقَدْ أَصْفَقُوا عَلَى أَنَّ الدِّيَاتِ فِي ذَلِكَ غَيْرُ مَحْدُودَةٍ وَعَلَى جَوَازِ تَفْضِيلِ دِيَةِ عُضْوِ الْمَرْأَةِ عَلَى دِيَةِ عُضْوِ الرَّجُلِ ، بِخِلَافِ الْأَحْرَارِ وَالْحَرَائِرِ - فَقَدْ ظَهَرَ فَسَادُ قِيَاسِهِمْ جُمْلَةً بِهَذِهِ الدَّلَائِلِ وَبِغَيْرِهَا أَيْضًا - فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ بِيَقِينِ .
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ : يُسَلِّمُهُ وَيَأْخُذُ قِيمَتَهُ ، فَوَجَدْنَاهُ أَيْضًا غَيْرَ صَحِيحٍ ; لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ إخْرَاجُ مَالٍ عَنْ يَدِ صَاحِبِهِ إلَى غَيْرِهِ بِغَيْرِ تَرَاضٍ مِنْهُمَا إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِذَلِكَ نَصٌّ ، وَلَمْ يَأْتِ بِهَذَا هَاهُنَا نَصٌّ أَصْلًا ، فَسَقَطَ أَيْضًا جُمْلَةً .
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، فَوَجَدْنَاهُمَا أَشَدَّ الْأَقْوَالِ فَسَادًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ مِنْهُ : قُرْآنٌ ، وَلَا سُنَّةٌ ، وَلَا رِوَايَةٌ سَقِيمَةٌ ، وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ أَصْلًا ، وَلَا قِيَاسٌ ، وَلَا رَأْيٌ لَهُ وَجْهٌ ، بَلْ مَا نَعْرِفُ هَذَيْنِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ قَبْلَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ .
وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ : فَظُلْمٌ بَيِّنٌ لَا خَفَاءَ بِهِ أَنْ يَكُونَ يَقْطَعُ يَدَ جَارِيَةٍ تُسَاوِي عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ فَلَا يَقْضِي لِصَاحِبِهَا إلَّا بِمِائَتَيْ دِينَارٍ وَخَمْسِينَ دِينَارًا غَيْرَ مَا تُسَاوِي مِنْ الذَّهَبِ دِرْهَمَيْنِ وَنِصْفًا وَيَكُونُ تُغْصَبُ لَهُ خَادِمٌ أُخْرَى قِيمَتُهَا أَلْفُ دِينَارٍ فَتَمُوتُ عِنْدَ الْغَاصِبِ فَيَغْرَمُ لَهُ أَلْفَ دِينَارٍ كَامِلَةً ، عَلَى هَذَا الْحُكْمِ الدِّثَارُ وَالدَّمَارُ - وَنَحْنُ نَبْرَأُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْهُ فِي الدُّنْيَا ، وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ .
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ : فَتَقْسِيمٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ ، وَلَوْ عُكِسَ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُمْ مَا تَخَلَّصُوا مِنْهُ لَوْ قِيلَ لَهُمْ : بَلْ فِي الْمُنَقِّلَةِ ، وَالْجَائِفَةِ ، وَالْمَأْمُومَةِ - : مَا نَقَصَهُ فَقَطْ ، وَأَمَّا سَائِرُ الْجِرَاحَاتِ فَمِنْ ثَمَنِهِ بِقَدْرِهَا مِنْ الْحُرِّ فِي دِيَتِهِ ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَشْتَغِلُ بِهِ إلَّا مَحْرُومٌ .
وَاحْتَجَّ لَهُ بَعْضُ مُقَلِّدِيهِ بِأَنْ قَالَ : هَذِهِ جِرَاحَاتٌ يُشْفَقُ عَلَيْهِ مِنْهَا ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَتْلَفَ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَبْرَأَ ، وَلَا يَبْقَى لَهَا أَثَرٌ وَلَا ضَرَرٌ ؟ فَقُلْنَا : نَعَمْ ، فَاجْعَلُوا هَذَا دَلِيلَكُمْ فِي أَنْ لَا يَكُونَ فِيهَا إلَّا مَا نَقَصَ فَقَطْ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَالْحُكْمُ عَلَى الْجَانِي بِمَا نَقَصَ فِيمَا جَنَاهُ عَلَى الْعَبْدِ مِنْ خِصَاءٍ ، أَوْ مَأْمُومَةٍ ، أَوْ جَائِفَةٍ ، أَوْ قَطْعِ عُضْوٍ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، مِمَّا قَلَّ أَوْ كَثُرَ مِنْ الْجِنَايَاتِ إنَّمَا يَكُونُ بِأَنْ يُقَوَّمَ صَحِيحًا ، ثُمَّ يُقَوَّمَ فِي أَصْعَبِ مَا انْتَهَتْ إلَيْهِ حَالُهُ مِنْ تِلْكَ الْجِنَايَةِ وَأَشَدِّ مَا كَانَ 455 مِنْهَا مَرَضًا وَضَعْفًا وَخَوْفًا عَلَيْهِ ، وَيَغْرَمُ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ ، وَلَا يُنْتَظَرُ بِهِ صِحَّةٌ ، وَلَا تَخَفُّفٌ أَصْلًا ; لِأَنَّهُ فِي كُلِّ حَالٍ مِنْ أَحْوَالِهِ فِي تَأْثِيرِ تِلْكَ الْجِنَايَةِ فَهُوَ الْجَانِي عَلَيْهِ فِي كُلِّ تِلْكَ الْأَحْوَالِ ، فَعَلَيْهِ فِي كُلِّ حَالٍ مِنْهَا مَا نَقَصَ بِجِنَايَتِهِ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ بِلَا شَكٍّ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ } . وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدَوْا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } .
فَإِنْ بَرِئَ الْعَبْدُ ، أَوْ الْأَمَةُ وَصَحَّا ، وَزَادَتْ تِلْكَ الْجِنَايَاتُ فِي أَثْمَانِهِمَا ، كَالْخِصَاءِ فِي الْعَبْدِ ، أَوْ قَطْعِ إصْبَعٍ زَائِدَةٍ ; أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، فَمِنْ رِزْقِ اللَّهِ تَعَالَى لِلسَّيِّدِ ، وَلَا رُجُوعَ لِلْجَانِي مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بِشَيْءٍ مِمَّا غَرِمَ .
وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَغْرَمْ شَيْئًا حَتَّى صَحَّ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ كَمَا ذَكَرْنَا وَلَا بُدَّ ; لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ أَدَاءُ مِثْلِ مَا اعْتَدَى فِيهِ ، فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِبُرْءِ الْجِنَايَةِ .
وَكَذَلِكَ مَنْ قَطَعَ شَجَرَةً لِإِنْسَانٍ ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهَا سَوَاءٌ نَبَتَتْ بَعْدَ ذَلِكَ وَنَمَتْ أَوْ لَمْ تَنْبُتْ وَلَا نَمَتْ ، لِمَا ذَكَرْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث