المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء السابع
الصفحة 1433 · ص. المطبوع 167
وَمَنْ اشْتَرَى ابْنَهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَإِنْ خَرَجَ مِنْ ثُلُثِهِ عَتَقَ وَوَرِثَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ ثُلُثِهِ عَتَقَ وَلَمْ يَرِثْهُ ، وَاسْتَسْعَى فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ كَسَائِرِ الْوَرَثَةِ ، فَإِنْ أَقَرَّ بِوَلَدِ أَمَتِهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ لَحِقَ بِهِ وَوَرِثَهُ ، وَإِنْ وَطِئَ أَمَةً فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فَحَمَلَتْ فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَيَرِثُهُ وَلَدُهَا . وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، إلَّا أَنَّ الَّذِي يَشْتَرِي وَلَدَهُ فِي مَرَضِهِ وَلَا يَحْمِلُهُ الثُّلُثُ فَإِنَّهُمَا قَالَا : يَرِثُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَيُسْتَسْعَى فِيمَا يَقَعُ مِنْ قِيمَتِهِ لِلْوَرَثَةِ فَيَأْخُذُونَهُ . 167
وَقَالُوا كُلُّهُمْ : إنَّمَا هَذَا فِي الْمَرَضِ الْمُخِيفِ كَالْحُمَّى الصَّالِبِ وَالْبِرْسَامِ ، وَالْبَطْنِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَرَوْا ذَلِكَ فِي الْجُذَامِ ، وَلَا حُمَّى الرِّبْعِ ، وَلَا السُّلِّ وَلَا مَنْ يَذْهَبُ وَيَجِيءُ فِي مَرَضِهِ .
وَقَالَ مَالِكٌ : كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا إلَّا فِي الْحَامِلِ فَإِنَّ أَفْعَالَهَا عِنْدَهُ كَالصَّحِيحِ إلَى أَنْ تُتِمَّ سِتَّةَ أَشْهُرٍ ، فَإِذَا أَتَمَّتْهَا فَأَفْعَالُهَا فِي مَالِهَا كَالْمَرِيضِ . حَتَّى أَنَّهُ مَنَعَهَا مِنْ مُرَاجَعَةِ زَوْجِهَا الَّذِي طَلَّقَهَا طَلَاقًا بَائِنًا وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ وَإِلَّا الِاسْتِسْعَاءُ فَلَمْ يَرَهُ ، بَلْ أَرَقَّ مَا لَمْ يَحْمِلْ الثُّلُثُ مِنْهُ ، وَإِلَّا فِيمَنْ اشْتَرَى ابْنَهُ فِي مَرَضِهِ وَلَمْ يَحْمِلْهُ الثُّلُثُ فَإِنَّهُ أَعْتَقَ مِنْهُ مَا حَمَلَ الثُّلُثُ وَأَرَقَّ الْبَاقِيَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَقْضِيَ بَعْضَ غُرَمَائِهِ دُونَ بَعْضٍ - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : فِعْلُ الْمَرِيضِ مَرَضًا مُخِيفًا مِنْ الثُّلُثِ ، فَإِنْ أَفَاقَ فَمِنْ رَأْسِ مَالِهِ - وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي الَّذِي يُقَدَّمُ لِلْقَتْلِ ؟ فَمَرَّةً قَالَ : هُوَ كَالصَّحِيحِ وَمَرَّةً قَالَ : هُوَ كَالْمَرِيضِ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : أَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ : أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَقْضِيَ بَعْضَ غُرَمَائِهِ دُونَ بَعْضٍ - : فَخَطَأٌ فِي تَفْرِيقِهِمَا فِي ذَلِكَ بَيْنَ الصَّحِيحِ ، وَالْمَرِيضِ ، وَالْحَقُّ فِي 168 ذَلِكَ هُوَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِأَنْ يُعْطَى كُلُّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ، فَهُوَ فِي إنْصَافِهِ بَعْضَ غُرَمَائِهِ دُونَ بَعْضٍ مُعْطِي ذَلِكَ الَّذِي أَنْصَفَ حَقَّهُ ، وَمَنْ فَعَلَ مَا أَمَرَ بِهِ فَهُوَ مُحْسِنٌ ، وَالْإِحْسَانُ لَا يُرَدُّ ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي لَمْ يُنْصِفْهُ حَاضِرًا طَالِبًا حَقَّهُ فَهُوَ عَاصٍ فِي أَنَّهُ لَمْ يُنْصِفْهُ ، وَهُمَا قَضِيَّتَانِ أَصَابَ فِي إحْدَاهُمَا ، وَظَلَمَ فِي الْأُخْرَى - وَالْحَقُّ لَا يُبْطِلُهُ ظُلْمُ فَاعِلِهِ فِي قِصَّةٍ أُخْرَى وَحَقُّ الْغَرِيمِ إنَّمَا هُوَ فِي ذِمَّةِ الْمَدِينِ لَا فِي عَيْنِ مَالِهِ مَا دَامَ حَيًّا لَمْ يُفْلِسْ ، فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَقَدْ نَفَذَ الَّذِي أَعْطَى مَا أَعْطَاهُ بِحَقٍّ وَلَزِمَهُ أَنْ يُنْصِفَ مَنْ بَقِيَ إذْ حَقُّهُ فِي ذِمَّتِهِ لَا فِي عَيْنِ مَا أَعْطَى الْآخَرَ - وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ صَحِيحٍ ، وَمَرِيضٍ ، وَمَا نَعْلَمُ لَهُمَا فِي قَوْلِهِمَا هَذَا سَلَفًا .
وَأَمَّا قَوْلُهُمَا فِيمَنْ اشْتَرَى وَلَدَهُ فِي مَرَضِهِ فَلَمْ يَحْمِلْهُ الثُّلُثُ أَنَّهُ لَا يَرِثُهُ ، فَإِنْ حَمَلَهُ الثُّلُثُ عَتَقَ وَوَرِثَ - : فَقَوْلٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ وَالْمُنَاقَضَةِ ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُمَا فِيهِ سَلَفًا مُتَقَدِّمًا ; لِأَنَّهُ إنْ كَانَ وَصِيَّةً ، فَالْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ لَا تَجُوزُ - فَيَنْبَغِي عَلَى أَصْلِهِمْ أَنْ لَا يَنْفُذَ عِتْقُهُ أَصْلًا حَمَلَهُ الثُّلُثُ أَوْ لَمْ يَحْمِلْهُ - وَقَدْ قَالَ بِهَذَا بَعْضُ الشَّافِعِيِّينَ .
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : الشِّرَاءُ فَاسِدٌ ; لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ وَإِنْ كَانَ لَيْسَ وَصِيَّةً فَمَا بَالُهُ لَا يَرِثُ وَقَدْ صَارَ حُرًّا بِمِلْكِ أَبِيهِ لَهُ ، ثُمَّ مُنَاقَضَتُهُمْ فِي الْمَرِيضِ يَطَأُ أَمَتَهُ فَتَحْمِلُ أَنَّهَا مِنْ رَأْسِ مَالِهِ حُرَّةً وَيَرِثُهُ وَلَدُهَا ، فَإِنْ قَالُوا : حَمْلُهَا لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ ؟ قُلْنَا : لَكِنَّ وَطْأَهُ لَهَا مِنْ فِعْلِهِ ، وَإِقْرَارَهُ بِوَلَدِهَا مِنْ فِعْلِهِ ، وَعِتْقَ الْوَلَدِ فِي كُلِّ حَالٍ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ . وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْحَامِلِ فَقَوْلٌ أَيْضًا لَا نَعْلَمُ لَهُ فِيهِ سَلَفًا ، وَاحْتَجَّ لَهُ بَعْضُ مُقَلِّدِيهِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا } .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا إيهَامٌ مِنْهُمْ لِلِاحْتِجَاجِ بِمَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ أَصْلًا ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَقُلْ إنَّ الْإِثْقَالَ لَمْ تَكُنْ إلَّا بِتَمَامِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ - : فَظَهَرَ تَمْوِيهُهُمْ بِمَا لَيْسَ لَهُمْ فِيهِ مُتَعَلَّقٌ .
ثُمَّ لَيْتَ شِعْرِي مَنْ لَهُمْ بِأَنَّ الْإِثْقَالَ جُمْلَةً يُدْخِلُهَا فِي حُكْمِ الْمَرِيضِ ، وَقَدْ يَحْمِلُ الْحَمَّالُ حِمْلًا ثَقِيلًا فَلَا يَكُونُ بِذَلِكَ فِي حُكْمِ الْمَرِيضِ عِنْدَهُمْ . 169
فَإِنْ قَالُوا : قَدْ تَلِدُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ ؟ قُلْنَا ، وَقَدْ تُسْقِطُ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَالْإِسْقَاطُ أَخْوَفُ مِنْ الْوِلَادَةِ أَوْ مِثْلُهَا - فَظَهَرَ فَسَادُ هَذَا الْقَوْلِ جُمْلَةً . وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
قَالَ عَلِيٌّ : ثُمَّ نَأْخُذُ بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُوَّتِهِ فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ : بِأَنَّ أَفْعَالَ الْمَرِيضِ ، وَمَنْ خِيفَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ مِنْ الثُّلُثِ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : احْتَجُّوا بِالْخَبَرِ الثَّابِتِ الْمَشْهُورِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ ، وَأَبِي لْمُهَلَّبِ ، كِلَاهُمَا عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ : { ۝ أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُمْ فَدَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَزَّأَهُمْ أَثْلَاثًا ، ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً } .
وَجَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ : أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ فِيهِ قَوْلًا شَدِيدًا . وَبِالْخَبَرِ الصَّحِيحِ الثَّابِتِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ; وَابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : { ۝ جَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَلَغَنِي مِنْ الْوَجَعِ مَا تَرَى ، وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إلَّا ابْنَةٌ لِي . أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي ؟ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَا ، قُلْتُ : فَالشَّطْرُ ؟ قَالَ : لَا ، ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ، إنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ } وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرِ
قَالُوا : فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالصَّدَقَةِ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ .
وَبِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ نا يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُقَيْلِيُّ نا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ الصُّنَابِحِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ 170 أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { ۝ إنَّ اللَّهَ قَدْ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ مَوْتِكُمْ رَحْمَةً لَكُمْ وَزِيَادَةً فِي أَعْمَالِكُمْ وَحَسَنَاتِكُمْ }
وَمِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى سَمِعْت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { ۝ جُعِلَ لَكُمْ ثُلُثُ أَمْوَالِكُمْ زِيَادَةً فِي أَعْمَالِكُمْ } .
وَمِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ { ۝ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خَبَرٍ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى : أَنَّهُ قَالَ : جَعَلْتُ لَكَ طَائِفَةً مِنْ مَالِكَ عِنْدَ مَوْتِكَ أَرْحَمُكَ بِهِ } . وَمِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ ابْتَاعُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ ، أَلَا إنَّهُ لَيْسَ لِامْرِئٍ شَيْءٌ ، أَلَا لَا أَعْرِفَنَّ امْرَأً بَخِلَ بِحَقِّ اللَّهِ حَتَّى إذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَخَذَ يُذَعْذِعُ مَالَهُ هَهُنَا هَهُنَا } . 171
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ طَلْحَةَ - هُوَ ابْنُ عَمْرٍو الْمَكِّيُّ - عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ إنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِالثُّلُثِ مِنْ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ زِيَادَةً لَكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ } . وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ أَنَا حَجَّاجٌ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ بَدْرٍ عَنْ أَبِي يَحْيَى الْمَكِّيِّ : { ۝ أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ لَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُ ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَسْعَى فِي قِيمَتِهِ } .
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ أَنَا خَالِدٌ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ { ۝ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ أَعْتَقَ غُلَامًا عِنْدَ مَوْتِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُ ، فَرَفَعَ ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْتَقَ مِنْهُ الثُّلُثَ وَاسْتَسْعَى فِي الثُّلُثَيْنِ } : وَقَالُوا قَدْ صَحَّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عِنْدَ مَوْتِهِ " إنِّي كُنْتُ نَحَلْتُكِ جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِي فَلَوْ كُنْتِ جَدَدْتِيهِ وَحُزْتِيهِ لَكَانَ لَكِ ، وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ الْوَارِثِ " قَالُوا : فَأَخْبَرَ أَبُو بَكْرٍ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ أَنَّ مَنْ قَارَبَ الْمَوْتَ فَمَالُهُ مَالُ الْوَارِثِ .
وَقَالُوا : قَدْ جَاءَ مَا أَوْرَدْنَا عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا يُعْرَفُ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَهُوَ إجْمَاعٌ ، وَقَالُوا : قِسْنَاهُ عَلَى الْوَصِيَّةِ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : هَذَا كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ ، وَكُلُّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ - : أَمَّا حَدِيثُ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ : فَمُرْسَلٌ ، وَعَنْ مَجْهُولٍ ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ مُخَالِفًا لِقَوْلِ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُمَا لَا يَرَيَانِ الِاسْتِسْعَاءَ .
وَأَمَّا خَبَرُ أَبِي يَحْيَى الْمَالِكِيِّ : فَهَالِكٌ ; لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ ، وَعَنْ حَجَّاجٍ ، وَهُوَ سَاقِطٌ ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ مُخَالِفًا لِقَوْلِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ .
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ : فَفِيهِ طَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو الْمَكِّيُّ وَهُوَ كَذَّابٌ .
وَأَمَّا حَدِيثُ قَتَادَةَ : فَمُرْسَلٌ ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ ; لِأَنَّ الْبُخْلَ بِحَقِّ 172 اللَّهِ تَعَالَى لَا نُخَالِفُهُمْ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ ، وَأَنَّ ذَعْذَعَةَ الْمَالِ هَهُنَا وَهَهُنَا لَا تَجُوزُ عِنْدَنَا ، لَا فِي صِحَّةٍ ، وَلَا فِي مَرَضٍ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ الْخَبَرُ مُخَالِفًا لِقَوْلِنَا .
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي قِلَابَةَ : فَمُرْسَلٌ ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى .
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ فَسَنَدُهُ غَيْرُ مَشْهُورٍ ، وَلَا نَدْرِي حَالَ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَيْمُونٍ ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ هُوَ وَجَمِيعُ الْآثَارِ الَّتِي ذَكَرْنَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا حُجَّةٌ أَصْلًا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا كُلِّهَا إلَّا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ تَصَدَّقَ عَلَيْنَا عِنْدَ مَوْتِنَا بِثُلُثِ أَمْوَالِنَا - : فَهَذَا يَخْرُجُ عَلَى أَنَّهُ الْوَصِيَّةُ الَّتِي هِيَ بِلَا خِلَافٍ نَافِذَةٌ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَمَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةِ الَّتِي بِهَا خَاطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ : كَانَ أَمْرُ كَذَا عِنْدَ مَوْتِ فُلَانٍ ، وَارْتَدَّتْ الْعَرَبُ عِنْدَ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوُلِّيَ عُمَرُ عِنْدَ مَوْتِ أَبِي بَكْرٍ - هَذَا أَمْرٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ . فَجَمِيعُ هَذِهِ الْأَخْبَارِ خَارِجَةٌ عَلَى هَذَا أَحْسَنَ خُرُوجٍ ، وَمُوَافِقَةٌ لِقَوْلِنَا عَلَى الْحَقِيقَةِ ، حَاشَا خَبَرَ الْعَلَاءِ بْنِ بَدْرٍ عَنْ أَبِي يَحْيَى الْمَكِّيِّ ، فَإِنَّهُ لَا يُخَرَّجُ لَا عَلَى قَوْلِنَا وَلَا عَلَى قَوْلِ أَحَدٍ مِنْهُمْ ، فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَحْتَجُّوا بِخَبَرٍ يُخَالِفُونَهُ ; لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ : إنْ كَانَ الدَّيْنُ لَا يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ قِيمَةِ الْعَبْدِ فَإِنَّمَا يَسْعَى فِي الدَّيْنِ فَقَطْ ، ثُمَّ فِي ثُلُثَيْ مَا يَبْقَى مِنْ قِيمَتِهِ بَعْدَ الدَّيْنِ فَقَطْ - وَهُوَ قَوْلُنَا إذَا أَوْصَى بِعِتْقِهِ ، وَنَحْنُ نَقُولُ : إنْ كَانَ الدَّيْنُ يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ قِيمَتِهِ ; فَالْعِتْقُ بَاطِلٌ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .
فَكُلُّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ قَدْ خَالَفَتْ ذَلِكَ الْحَدِيثَ . ثُمَّ جَمِيعُهُمْ مُخَالِفٌ لِجَمِيعِ هَذِهِ الْآثَارِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا إلَّا : " عِنْدَ مَوْتِهِ ، وَعِنْدَ مَوْتِكُمْ " وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا ذِكْرٌ لِمَرَضٍ أَصْلًا ، فَالْمَرَضُ شَيْءٌ زَادُوهُ بِآرَائِهِمْ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْآثَارِ نَصٌّ مِنْهُ ، وَلَا دَلِيلٌ عَلَيْهِ ، وَقَدْ يَمُوتُ الصَّحِيحُ فَجْأَةً ، وَمِنْ مَرَضٍ خَفِيفٍ ، فَاقْتِصَارُهُمْ عَلَى الْمَرَضِ مِنْ أَيْنَ خَرَجَ ؟ وَهَلَّا رَاعُوا مَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ مِنْ لَفْظِ " عِنْدَ مَوْتِهِ " فَجَعَلُوا مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ " عِنْدَ مَوْتِهِ " صَحِيحًا فَعَلَهُ ؟ أَوْ مَرِيضًا مِنْ الثُّلُثِ ، وَجَعَلُوا مَا فَعَلُوا فِي صِحَّتِهِ أَوْ مَرَضِهِ مِمَّا تَأَخَّرَ عَنْهُ مَوْتُهُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ ؟ فَظَهَرَ أَنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الْآثَارِ مُخَالِفَةٌ لِقَوْلِهِمْ ، وَأَنَّهَا مِنْ النَّوْعِ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ لِأَقْوَالٍ لَهُمْ ، لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ فِيمَا احْتَجُّوا لَهُ بِهِ ، وَهَذَا إيهَامٌ مِنْهُمْ قَبِيحٌ ، وَتَدْلِيسٌ فِي الدِّينِ - فَسَقَطَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَا .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث