المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء الثامن
الصفحة 1645 · ص. المطبوع 25
1604 مَسْأَلَةٌ : وَإِنْ مَاتَ الشَّفِيعُ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ : أَنَا آخُذُ شُفْعَتِي فَقَدْ بَطَلَ حَقُّهُ وَلَا حَقَّ لِوَرَثَتِهِ فِي الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ أَصْلًا ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا جَعَلَ الْحَقَّ لَهُ لَا لِغَيْرِهِ ، وَالْخِيَارُ لَا يُوَرَّثُ ، وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ .
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ فُضَيْلٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ : سَمِعْنَا أَنَّ الشُّفْعَةَ لَا تُبَاعُ وَلَا تُوهَبُ وَلَا تُوَرَّثُ وَلَا تُعَارُ ، هِيَ لِصَاحِبِهَا الَّذِي وَقَعَتْ لَهُ .
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ ، وَأَصْحَابِهِمْ .
وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : الشُّفْعَةُ لِوَرَثَتِهِ .
وَاحْتَجُّوا بِأَنْ قَالُوا : تُوَرَّثُ الشُّفْعَةُ كَمَا يُوَرَّثُ الْعَفْوُ فِي الدَّمِ أَوْ الْقِصَاصِ مَا نَعْلَمُ لَهُمْ شَيْئًا أُوهِمُوا بِهِ غَيْرَ هَذَا ، وَهَذَا بَاطِلٌ ; لِأَنَّهَا دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ ثُمَّ هُوَ احْتِجَاجٌ لِلْخَطَأِ بِالْخَطَأِ .
وَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْعَفْوَ وَالْقِصَاصَ يُوَرَّثَانِ ، خَطَأٌ ، بَلْ هُمَا لِمَنْ جَعَلَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مِنْ ذُكُورِ الْأَوْلِيَاءِ فَقَطْ ، وَإِنَّمَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى الْمِيرَاثَ فِي الْأَمْوَالِ ، لَا فِيمَا لَيْسَ مَالًا ، وَلَوْ وُرِّثَ الْخِيَارُ لَوَجَبَ أَنْ يُوَرَّثَ عِنْدَهُمْ فِيمَنْ جَعَلَ أَمْرَ امْرَأَتِهِ بِيَدِ إنْسَانٍ بِعَيْنِهِ وَخَيَّرَهُ فِي طَلَاقِهَا أَوْ إبْقَائِهَا ، فَمَاتَ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ ، فَكَانَ يَجِبُ عَلَى قَوْلِهِمْ أَنْ يَرِثَ وَرَثَتُهُ مَا جُعِلَ لَهُ مِنْ الْخِيَارِ ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ هَذَا .
وَنَسْأَلُهُمْ أَيْضًا : لِمَنْ يَأْخُذُونَ الْوَرَثَةَ بِالشُّفْعَةِ ، أَلِلْمَيِّتِ أَمْ لِأَنْفُسِهِمْ ؟ فَإِنْ قَالُوا : لِلْمَيِّتِ ؟ قُلْنَا : هَذَا بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا .
وَإِنْ قَالُوا : لِأَنْفُسِهِمْ ؟ قُلْنَا : هَذَا بَاطِلٌ ; لِأَنَّ شَرِكَتَهُمْ إنَّمَا حَدَثَتْ بَعْدَ الْبَيْعِ فَلَا تُوجَدُ شُفْعَةٌ ، وَلَمْ يَكُونُوا حِينَ الْبَيْعِ شُرَكَاءَ ، فَلَمْ تَجِبْ لَهُمْ شُفْعَةٌ .
وَهَذَا مِمَّا تَنَاقَضَ فِيهِ الْمَالِكِيُّونَ ، وَخَالَفُوا جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ : إنَّ 25 أَحَدَ الْأَوْلِيَاءِ الَّذِي لَهُمْ الْعَفْوُ أَوْ الْقِصَاصُ إنْ مَاتَ وَتَرَكَ زَوْجَةً وَبَنَاتٍ لَمْ يَرِثْنَ الْخِيَارَ الَّذِي لَهُ .
وَهَذَا مِمَّا تَنَاقَضَ فِيهِ الْحَنَفِيُّونَ ; لِأَنَّهُمْ يُوَرِّثُونَ الْعَفْوَ وَالْقِصَاصَ وَلَا يُوَرِّثُونَ الْخِيَارَ هَاهُنَا ، فَأَمَّا إذَا بَلَغَ الشَّرِيكَ أَمْرُ الْبَيْعِ فَقَالَ : أَنَا آخُذُ بِالشُّفْعَةِ ثُمَّ مَاتَ فَقَدْ صَحَّتْ لَهُ ، وَهِيَ مَوْرُوثَةٌ عَنْهُ حِينَئِذٍ ، وَلِوَرَثَتِهِ الطَّلَبُ ; لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ مَالٌ قَدْ تَمَّ لَهُ .
وَلَا مَعْنَى لِلطَّلَبِ عِنْدَ الْقَاضِي ، وَلَا لِحُكْمِ الْقَاضِي ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ قَطُّ وَلَا رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا جُعِلَ الْقَاضِي لِيُجْبِرَ الْمُمْتَنِعَ مِنْ الْحَقِّ فَقَطْ وَلَا مَزِيدَ ، وَلَوْ تَعَاطَى النَّاسُ الْحُقُوقَ بَيْنَهُمْ مَا اُحْتِيجَ إلَى قَاضٍ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث