المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء الثامن
الصفحة 1737 · ص. المطبوع 246
1693 - مَسْأَلَةٌ : وَمَنْ كُوتِبَ إلَى غَيْرِ أَجَلٍ مُسَمًّى فَهُوَ عَلَى كِتَابَتِهِ مَا عَاشَ السَّيِّدُ [ وَهُوَ ] وَمَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِ السَّيِّدِ فَمَتَى أَدَّى مَا كَاتَبَ عَلَيْهِ عَتَقَ ; لِأَنَّ هَذِهِ صِفَةُ كِتَابَتِهِ وَعَقْدِهِ فَلَا يَجُوزُ تَعَدِّيهِ ، وَمَنْ كُوتِبَ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى نَجْمٍ وَاحِدٍ أَوْ نَجْمَيْنِ فَصَاعِدًا ، فَحَلَّ وَقْتُ النَّجْمِ وَلَمْ يُؤَدِّ ، فَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ . فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ : أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ فِي الْمُكَاتَبِ يُؤَدِّي صَدْرًا مِنْ كِتَابَتِهِ ثُمَّ يَعْجِزُ ؟ قَالَ : يُرَدُّ عَبْدًا ، سَيِّدُهُ أَحَقُّ بِشَرْطِهِ الَّذِي شَرَطَ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَأَخْبَرَنِي إسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ أَنَّ نَافِعًا أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ فَعَلَ ذَلِكَ . يَعْنِي أَنَّهُ رَدَّ مُكَاتَبًا لَهُ فِي الرِّقِّ ، إذْ عَجَزَ بَعْدَ أَنْ أَدَّى نِصْفَ كِتَابَتِهِ .
وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ : إذَا عَجَزَ الْمُكَاتَبُ فَأَدْخَلَ نَجْمًا فِي نَجْمٍ رُدَّ فِي الرِّقِّ . 246 وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ كَاتَبَ أَفْلَحَ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَسَأَلَهُ إبْطَالَ الْكِتَابَةِ دُونَ أَنْ يَعْجِزَ ؟ فَأَجَابَهُ إلَى ذَلِكَ فَرَدَّهُ عَبْدًا ثُمَّ أَعْتَقَهُ بَتْلًا . وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ : أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ . وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ . وَقَالَ هَؤُلَاءِ : تَعْجِيزُ الْمُكَاتَبِ جَائِزٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ دُونَ السُّلْطَانِ ، إلَّا أَنَّ لِمَالِكٍ قَوْلًا ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّعْجِيزُ إلَّا بِحُكْمِ السُّلْطَانِ . ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِتَعْجِيزِهِ . رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، وَابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ عَنْ خَلَاصِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : إذَا عَجَزَ الْمُكَاتَبُ اسْتَسْعَى حَوْلَيْنِ - زَادَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ فَإِنْ أَدَّى ، وَإِلَّا رُدَّ فِي الرِّقِّ - وَبِهَذَا يَقُولُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ - وَلَمْ يَقُلْ جَابِرٌ ، وَلَا ابْنُ عُمَرَ بِالتَّلَوُّمِ ، بَلْ أَرَقَّهُ ابْنُ عُمَرَ سَاعَةَ ذَكَرَ أَنَّهُ عَجَزَ - وَبِهِ يَقُولُ أَبُو سُلَيْمَانَ ، وَأَصْحَابُنَا . وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ فِي الْمُكَاتَبِ يَعْجِزُ : إنَّهُ يُعْتَقُ بِالْحِسَابِ - يَعْنِي بِحِسَابِ مَا أَدَّى . وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : لَا يُرَقُّ حَتَّى يَتَوَالَى عَلَيْهِ نَجْمَانِ لَا يُؤَدِّيهِمَا . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيِّ : إذَا عَجَزَ اُسْتُوْفِيَ بِهِ شَهْرَانِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : إذَا عَجَزَ اسْتَوْفَى بِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَقَطْ ثُمَّ يُرَقُّ - وَقَالَ مَالِكٌ : يَتَلَوَّمُ لَهُ السُّلْطَانُ بِقَدْرِ مَا يَرَى .
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ : قَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ : إذَا عَجَزَ الْمُكَاتَبُ اسْتَسْعَى ، وَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ قَوْلَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَشُرَيْحٍ إذَا أَدَّى النِّصْفَ فَلَا رِقَّ عَلَيْهِ ، وَهُوَ غَرِيمٌ - وَهُوَ صَحِيحٌ عَنْهُمْ . وَقَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ : إذَا أَدَّى ثُلُثَ كِتَابَتِهِ فَهُوَ غَرِيمٌ . وَقَوْلَ إبْرَاهِيمَ : إذَا أَدَّى رُبُعَ كِتَابَتِهِ فَهُوَ غَرِيمٌ . وَقَوْلَ عَطَاءٍ : إذَا أَدَّى ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ كِتَابَتِهِ فَهُوَ غَرِيمٌ . 247 وَقَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ وَشُرَيْحٍ : إذَا أَدَّى قِيمَتَهُ فَهُوَ غَرِيمٌ - وَهُوَ قَوْلٌ صَحِيحٌ عَنْهُمَا . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : مَا نَعْلَمُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ حُجَّةً ، وَأَعْجَبُهَا قَوْلُ مَنْ حَدَّ التَّلَوُّمَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ بِشَهْرَيْنِ ، وَمَنْ جَعَلَ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ أَفَرَأَيْت إنْ لَمْ يَتَلَوَّمْ لَهُ السُّلْطَانُ إلَّا سَاعَةً ، إذْ رَأَى أَنْ يَتَلَوَّمَ لَهُ خَمْسِينَ عَامًا . ثُمَّ نَقُولُ لِجَمِيعِهِمْ : لَا تَخْلُو الْكِتَابَةُ مِنْ أَنْ تَكُونَ دَيْنًا لَازِمًا ، أَوْ تَكُونَ عِتْقًا بِصِفَةٍ لَا دَيْنًا ، وَلَا سَبِيلَ إلَى ثَالِثٍ أَصْلًا ، لَا فِي الدِّيَانَةِ وَلَا فِي الْمَعْقُولِ . فَإِنْ كَانَتْ عِتْقًا بِصِفَةٍ فَالْوَاجِبُ أَنَّهُ سَاعَةَ يَحِلُّ الْأَجَلُ فَلَا يُؤَدِّيهِ ، فَلَمْ يَأْتِ بِالصِّفَةِ الَّتِي لَا عِتْقَ لَهُ إلَّا بِهَا - فَقَدْ بَطَلَ عَقْدُهُ وَلَا عِتْقَ لَهُ ، وَلَا يَجُوزُ التَّلَوُّمُ عَلَيْهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ ، كَمَنْ قَالَ لِغُلَامِهِ : إنْ قَدِمَ أَبِي يَوْمِي هَذَا فَأَنْتَ حُرٌّ فَقَدِمَ أَبُوهُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَلَا عِتْقَ لَهُ . وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا - وَهُوَ قَوْلُ جَابِرٍ ، وَابْنِ عُمَرَ .
وَقَدْ تَنَاقَضُوا أَقْبَحَ تَنَاقُضٍ ، وَمَنَعُوا مِنْ بَيْعِهِ - وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ شَيْئًا - . فَصَحَّ أَنَّهَا لَيْسَتْ عِنْدَهُمْ عِتْقًا بِصِفَةٍ ، أَوْ يَكُونَ دَيْنًا وَاجِبًا ، فَلَا سَبِيلَ إلَى إبْطَالِهِ . كَمَا رُوِّينَا عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ . فَوَجَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَدْ حَكَمَ بِشُرُوعِ الْعِتْقِ فِيهِ بِقَدْرِ مَا أَدَّى . فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّهَا دَيْنٌ وَاجِبٌ يَسْقُطُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى مِنْهُ كَسَائِرِ الدُّيُونِ وَأَنَّهُ لَيْسَ عِتْقًا بِصِفَةٍ أَصْلًا ; لِأَنَّ أَدَاءَ بَعْضِ الْكِتَابَةِ لَيْسَ هُوَ الصِّفَةَ الَّتِي تَعَاقَدَا الْعِتْقَ عَلَيْهَا ، فَإِذْ هِيَ كَذَلِكَ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ } وَقَالَ تَعَالَى : { أَوْفُوا بِالْعُقُودِ } فَوَجَبَ الْوَفَاءُ بِعَقْدِ الْكِتَابَةِ ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا بِالْقَوْلِ أَصْلًا - وَوَجَبَتْ النَّظِرَةُ إلَى الْمَيْسَرَةِ وَلَا بُدَّ .
فَإِنْ قِيلَ : فَإِذْ هِيَ دَيْنٌ كَمَا تَقُولُ ، فَهَلَّا حَكَمْتُمْ بِهِ - وَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ أَوْ السَّيِّدُ ، أَوْ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ - كَمَا حَكَمْتُمْ فِي سَائِرِ الدُّيُونِ ؟ قُلْنَا : لَمْ نَفْعَلْ ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ دَيْنًا مُطْلَقًا ، وَإِنَّمَا هُوَ دَيْنٌ يَصِحُّ بِثَبَاتِ الْمِلْكِ ، وَيَبْطُلُ بِبُطْلَانِ الْمِلْكِ ، لِأَنَّهُ إنَّمَا وَجَبَ لِلسَّيِّدِ بِشَرْطِ أَنْ يُعْتِقَهُ بِأَدَائِهِ عَلَى الْعَبْدِ بِشَرْطِ أَنْ 248 يَكُونَ بِأَدَائِهِ حُرًّا فَقَطْ - بِهَذَا جَاءَ الْقُرْآنُ ، وَفَسَّرَتْهُ السُّنَّةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ . فَإِذَا مَاتَ السَّيِّدُ فَقَدْ بَطَلَ وُجُودُ الْمُعْتِقِ ، فَبَطَلَ الشَّرْطُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ ، وَبَطَلَ الشَّرْطُ عَنْ الْعَبْدِ ، إذْ لَا سَبِيلَ إلَى تَمَامِهِ أَبَدًا . وَإِذَا مَاتَ الْعَبْدُ فَقَدْ بَطَلَ وُجُودُهُ ، وَبَطَلَ الشَّرْطُ الَّذِي كَانَ لَهُ مِنْ الْعِتْقِ ، فَبَطَلَ دَيْنُ السَّيِّدِ ، إذْ لَا سَبِيلَ إلَى مَا كَانَ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ الدَّيْنَ إلَّا بِهِ ، وَإِنْ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ فَكَذَلِكَ أَيْضًا قَدْ بَطَلَ عِتْقُهُ فِي عَبْدِ غَيْرِهِ ، فَبَطَلَ مَا كَانَ لَهُ مِنْ الدَّيْنِ مِمَّا لَا يَجِبُ لَهُ إلَّا بِمَا قَدْ بَطَلَ ، وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ - . وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث