المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء الثامن
1703 - مَسْأَلَةٌ : وَفَرْضٌ عَلَى السَّيِّدِ أَنْ يُعْطِيَ الْمُكَاتَبَ مَالًا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ مَا 253 طَابَتْ بِهِ نَفْسُهُ ، مِمَّا يُسَمَّى مَالًا فِي أَوَّلِ عَقْدٍ لِلْكِتَابَةِ ، وَيُجْبَرُ السَّيِّدُ عَلَى ذَلِكَ .
فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَهُ كُلِّفَ الْوَرَثَةُ ذَلِكَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ مَعَ الْغُرَمَاءِ .
بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } فَهَذَا أَمْرٌ لَا يَجُوزُ تَعَدِّيهِ - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ ، إلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ تَنَاقَضَ ، فَرَأَى قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى : { فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا } عَلَى النَّدْبِ - وَرَأَى وقَوْله تَعَالَى : { وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } عَلَى الْوُجُوبِ - وَهَذَا تَحَكُّمٌ ، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ لَمْ يَجِدْ فِيهِ عَدَدًا مَا أَحَدُهُمَا : مَوْكُولٌ إلَى السَّيِّدِ ، وَالْآخَرُ : مَوْكُولٌ إلَيْهِ وَإِلَى الْعَبْدِ بِالْمَعْرُوفِ ، مِمَّا لَا حَيْفَ فِيهِ وَلَا مَشَقَّةَ ، وَلَا حَرَجَ عَلَيْهِمَا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ : كِلَا الْأَمْرَيْنِ نَدْبٌ قَوْله تَعَالَى : { وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } أَمْرٌ لِلسَّيِّدِ وَلِغَيْرِهِ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : هَذَا خَطَأٌ . أَمَّا قَوْلُهُمْ " كِلَا الْأَمْرَيْنِ نَدْبٌ " فَلَا يَحِلُّ أَنْ يَحْمِلَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى : افْعَلُوا ، عَلَى : لَا تَفْعَلُوا إنْ شِئْتُمْ - وَلَا يَفْهَمُ هَذَا الْمَعْنَى أَحَدٌ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ - وَهَذِهِ إحَالَةٌ لِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ مَوَاضِعِهِ إلَّا بِنَصٍّ آخَرَ وَرَدَ بِذَلِكَ .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ " إنَّهُ أَمْرٌ لِلسَّيِّدِ وَغَيْرِهِ " فَبَاطِلٌ ; لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ : { فَكَاتِبُوهُمْ } .
فَصَحَّ ضَرُورَةً أَنَّ الْمَأْمُورِينَ بِالْكِتَابَةِ لَهُمْ : هُمْ الْمَأْمُورُونَ بِإِتْيَانِهِمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ ، لَا يَفْهَمُ أَحَدٌ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ غَيْرَ هَذَا - فَظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ وَتَحَكُّمُهُمْ بِالدَّعْوَى بِلَا دَلِيلٍ .
وَرُوِّينَا هَذَا الْقَوْلَ : أَنَّهُ حَثَّ عَلَيْهِ السَّيِّدَ وَغَيْرَهُ عَنْ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ مِنْ طَرِيقٍ فِيهَا الْحَسَنُ بْنُ وَاقِدٍ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : أَمَرَ بِذَلِكَ السَّيِّدَ وَغَيْرَهُ ، فَهَؤُلَاءِ رَأَوْهُ وَاجِبًا . كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ عَنْ يُونُسَ ، وَالْمُغِيرَةِ ، قَالَ يُونُسُ : عَنْ الْحَسَنِ وَقَالَ الْمُغِيرَةُ : عَنْ إبْرَاهِيمَ ثُمَّ اتَّفَقَا فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } قَالَ : أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى مَوْلَاهُ وَالنَّاسَ أَنْ يُعِينُوا الْمُكَاتَبَ . 254
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى نا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وَشَهِدْته كَاتَبَ عَبْدًا لَهُ عَلَى أَرْبَعَةِ آلَافٍ فَحَطَّ عَنْهُ أَلْفًا فِي آخِرِ نُجُومِهِ - ثُمَّ قَالَ : سَمِعْت عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ : { وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } الرُّبُعَ مِمَّا تُكَاتِبُوهُمْ عَلَيْهِ .
وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ الْقَاضِي نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ - نا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } قَالَ : رُبُعُ الْكِتَابَةِ - وَرُوِّينَا أَيْضًا فِي أَنَّهُ عُشْرُ الْكِتَابَةِ .
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } قَالَ : هُوَ الْعُشْرُ يُتْرَكُ لَهُ مِنْ كِتَابَتِهِ .
وَمِمَّنْ قَالَ : إنَّهُ وَاجِبٌ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نا أَبُو شَبِيبٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَاتَبَ مَوْلًى لَهُ يُقَالُ لَهُ : أَبُو أُمَيَّةَ ، فَجَاءَهُ بِنَجْمِهِ حِينَ هَلَّ ؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : يَا أَبَا أُمَيَّةَ اذْهَبْ فَاسْتَعِنْ بِهِ ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ كَانَ هَذَا فِي آخِرِ نَجْمٍ ؟ فَقَالَ عُمَرُ : لِعَلِيٍّ لَا أُدْرِكُهُ ، قَالَ عِكْرِمَةُ ثُمَّ قَرَأَ : { وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ }
وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَتْنِي أُمِّيّ عَنْ أَبِي عَنْ جَدِّي عُبَيْدِ اللَّهِ الْجَحْدَرِيِّ قَالَ الْمُبَارَكُ : وَحَدَّثَنِي مَيْمُونُ بْنُ جَابَانَ عَنْ عَمِّي عَنْ جَدِّي ، قَالَ : سَأَلْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ الْمُكَاتَبَةَ ؟ قَالَ لِي : كَمْ تَعْرِضُ ؟ قُلْت : مِائَةَ أُوقِيَّةٍ ، قَالَ : فَمَا اسْتَزَادَنِي ، قَالَ : فَكَاتِبْنِي وَأَرْسَلَ إلَى حَفْصَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ إنِّي كَاتَبْت غُلَامِي ، وَأَرَدْت أَنْ أُعَجِّلَ لَهُ طَائِفَةً مِنْ مَالِي فَأَرْسِلِي إلَيَّ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ إلَى أَنْ يَأْتِيَنِي شَيْءٌ ؟ فَأَرْسَلَتْ بِهَا إلَيْهِ ، فَأَخَذَهَا عُمَرُ بِيَمِينِهِ وَقَرَأَ : { وَاَلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } خُذْهَا بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : لَقَدْ كَانَ أَشْبَهَ بِأُمُورِ الدِّينِ ، وَأَدْخَلَ فِي السَّلَامَةِ أَنْ يَقُولَ الْحَنَفِيُّونَ بِقَوْلِ عَلِيٍّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَأَنْ يَقُولُوا : مِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ مِنْهُمْ ، حَيْثُ يَقُولُونَ مَا 255 يُضْحِكُ الثَّكَالَى ، وَيُبْعِدُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ، وَمِنْ الْمَعْقُولِ : أَنَّهُ إنْ انْكَشَفَ فِي فَخِذِ الْحُرَّةِ فِي الصَّلَاةِ ، أَوْ مِنْ السَّاقِ ، أَوْ مِنْ الْبَطْنِ ، أَوْ مِنْ الذِّرَاعِ ، أَوْ مِنْ الرَّأْسِ الرُّبُعُ : بَطَلَتْ الصَّلَاةُ ، فَإِنْ انْكَشَفَ أَقَلُّ لَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : { وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } قَالَ : رُبُعُ الْكِتَابَةِ } .
وَمِنْ طَرِيقِ الدَّبَرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَبِيبٍ - هُوَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ - أَخْبَرَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } قَالَ : رُبُعُ الْكِتَابَةِ } ، قَالَ عَلِيٌّ : فَإِنْ قِيلَ : فَلَمْ لَمْ تَأْخُذُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ ؟ قُلْنَا : لِأَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ إلَّا بَعْدَ اخْتِلَاطِ عَطَاءٍ .
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْعُقَيْلِيُّ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ نا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ نا أَبُو النُّعْمَانِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ قَالَ : تَغَيَّرَ حِفْظُ ابْنِ السَّائِبِ بَعْدُ وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ سَمِعَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَتَغَيَّرَ .
وَمِنْ طَرِيقِ الْعُقَيْلِيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ نا عَلِيٌّ - هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ - قَالَ : كَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ لَا يَرْوِي حَدِيثَ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ إلَّا عَنْ شُعْبَةَ ، وَسُفْيَانَ
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَصَحَّ اخْتِلَاطُهُ ، فَلَا يَحِلُّ أَنْ يُحْتَجَّ مِنْ حَدِيثِهِ إلَّا بِمَا صَحَّ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ اخْتِلَاطِهِ ، وَهَؤُلَاءِ الَّذِي ذَكَرْنَا لَمْ يَرْوِ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْهُ إلَّا مَوْقُوفًا عَلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَمَّا هُمْ فَإِذَا وَافَقَ الْخَبَرُ رَأْيَهُمْ لَمْ يُعَلِّلُوهُ - وَإِنْ كَانَ مَوْضُوعًا - فَإِذْ قَدْ سَقَطَ هَذَا الْخَبَرُ فَلَا حُجَّةَ لِأَهْلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ .
وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ عَلَى النَّدْبِ بِحَدِيثِ كِتَابَةِ سَلْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ { أَنَّ جُوَيْرِيَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ وَقَعَتْ فِي سَهْمِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ 256 أَوْ ابْنِ عَمٍّ لَهُ فَكَاتَبَهَا فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْتَعِينُهُ فَقَالَ لَهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : أَوْ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ أَقْضِ عَنْكِ كِتَابَتَكِ وَأَتَزَوَّجُكِ }
قَالُوا : فَلَمْ يَذْكُرْ فِي هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ إيتَاءَ مَالِ الْمُكَاتَبِ .
قَالَ عَلِيٌّ : لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا . أَمَّا خَبَرُ سَلْمَانَ فَإِنَّ مَالِكَهُ كَانَ يَهُودِيًّا غَيْرَ ذِمِّيٍّ ، بَلْ مُنَابِذٌ لَا تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ ، فَلَا مُتَعَلِّقَ لَهُمْ بِهَذَا .
وَأَعْجَبُ شَيْءٍ احْتِجَاجُهُمْ بِهِ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ لَهُ ذِكْرٌ مِنْ إيتَاءِ الْمَالِ ، وَمُخَالَفَتُهُمْ لَهُ فِيمَا أَجَازَهُ فِيهِ نَصًّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مِنْ إحْيَاءِ ثَلَاثِمِائَةِ نَخْلَةٍ ، وَأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ إلَى غَيْرِ أَجَلٍ مُسَمًّى ، وَلَا مَقْبُوضَةً ، وَهُمْ لَا يُجِيزُونَ شَيْئًا مِنْ هَذَا ، فَسُبْحَانَ مَنْ أَطْلَقَ أَلْسِنَتَهُمْ بِهَذِهِ الْعَظَائِمِ الَّتِي يَجِبُ أَنْ يَرْدَعَ عَنْهَا الْحَيَاءُ ، وَأَنْ يَرْدَعَ عَنْهَا الدِّينُ .
وَأَمَّا خَبَرُ جُوَيْرِيَةَ : فَلَيْسَ فِيهِ عَلَى مَاذَا كَاتَبَهَا ، وَلَا هَلْ كَاتَبَ إلَى أَجَلٍ أَمْ إلَى غَيْرِ أَجَلٍ ، فَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ حُجَّةً فِي إجَازَةِ الْكِتَابَةِ إلَى غَيْرِ أَجَلٍ ، وَكُلُّ كِتَابَةٍ أَفْسَدُوهَا إذْ لَمْ يَذْكُرُوا فِيهَا إيتَاءَ الْمَالِ ، فَلَيْسَ فِيهِ : أَنَّهَا لَمْ تُؤْتِ الْمَالَ ، فَلَا مُتَعَلِّقَ لَهُمْ بِهِ ، فَكَيْفَ وَهِيَ كِتَابَةٌ لَمْ تَتِمَّ بِلَا شَكٍّ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ : أَنَّ جُوَيْرِيَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ كَانَتْ مَوْلَاةً لِثَابِتٍ ، وَلَا لِابْنِ عَمِّهِ ، بَلْ قَدْ صَحَّ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا } .
فَبَطَلَ كُلُّ مَا مَوَّهُوا بِهِ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
وَقَالُوا : لَوْ كَانَ فَرْضًا لَكَانَ مَحْدُودَ الْقَدْرِ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَقُلْنَا : مِنْ أَيْنَ قُلْتُمْ هَذَا ؟ وَمَا الْمَانِعُ مِنْ أَنْ يَفْرِضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا عَطَاءً يَكِلُهُ إلَى اخْتِيَارِنَا ؟ وَأَيُّ شَيْءٍ أَعْطَيْنَاهُ كُنَّا قَدْ أَدَّيْنَا مَا عَلَيْنَا .
وَهَلَّا قُلْتُمْ هَذَا فِي الْمُتْعَةِ الَّتِي رَآهَا الْحَنَفِيُّونَ ، وَالشَّافِعِيُّونَ فَرْضًا - وَهِيَ غَيْرُ مَحْدُودَةِ الْقَدْرِ ؟ وَهَلَّا قَالَ هَذَا الْمَالِكِيُّونَ فِي الْخَرَاجِ الْمَضْرُوبِ عَلَى الْأَرْضِ الْمُفْتَتَحَةِ عَنْوَةً - وَهُوَ عِنْدَهُمْ فَرْضٌ غَيْرُ مَحْدُودِ الْقَدْرِ ؟ 257 وَكَمَا قَالُوا فِيمَا أَوْجَبُوا فِيهِ الْحُكُومَةَ فَرْضًا مِنْ الْخَرَاجِ - وَهُوَ غَيْرُ مَحْدُودِ الْقَدْرِ ؟ فَسُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ لَهُمْ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ وَفِي ظَنِّهِمْ : أَنْ يَتَعَقَّبُوا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى حُكْمَهُ بِمَا لَا يَتَعَقَّبُونَهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِيمَا يُشَرِّعُونَهُ فِي الدِّينِ بِآرَائِهِمْ - .
وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ .
تَمَّ كِتَابُ الْكِتَابَةِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَهُ كُلِّفَ الْوَرَثَةُ ذَلِكَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ مَعَ الْغُرَمَاءِ .
بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } فَهَذَا أَمْرٌ لَا يَجُوزُ تَعَدِّيهِ - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ ، إلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ تَنَاقَضَ ، فَرَأَى قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى : { فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا } عَلَى النَّدْبِ - وَرَأَى وقَوْله تَعَالَى : { وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } عَلَى الْوُجُوبِ - وَهَذَا تَحَكُّمٌ ، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ لَمْ يَجِدْ فِيهِ عَدَدًا مَا أَحَدُهُمَا : مَوْكُولٌ إلَى السَّيِّدِ ، وَالْآخَرُ : مَوْكُولٌ إلَيْهِ وَإِلَى الْعَبْدِ بِالْمَعْرُوفِ ، مِمَّا لَا حَيْفَ فِيهِ وَلَا مَشَقَّةَ ، وَلَا حَرَجَ عَلَيْهِمَا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ : كِلَا الْأَمْرَيْنِ نَدْبٌ قَوْله تَعَالَى : { وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } أَمْرٌ لِلسَّيِّدِ وَلِغَيْرِهِ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : هَذَا خَطَأٌ . أَمَّا قَوْلُهُمْ " كِلَا الْأَمْرَيْنِ نَدْبٌ " فَلَا يَحِلُّ أَنْ يَحْمِلَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى : افْعَلُوا ، عَلَى : لَا تَفْعَلُوا إنْ شِئْتُمْ - وَلَا يَفْهَمُ هَذَا الْمَعْنَى أَحَدٌ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ - وَهَذِهِ إحَالَةٌ لِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ مَوَاضِعِهِ إلَّا بِنَصٍّ آخَرَ وَرَدَ بِذَلِكَ .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ " إنَّهُ أَمْرٌ لِلسَّيِّدِ وَغَيْرِهِ " فَبَاطِلٌ ; لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ : { فَكَاتِبُوهُمْ } .
فَصَحَّ ضَرُورَةً أَنَّ الْمَأْمُورِينَ بِالْكِتَابَةِ لَهُمْ : هُمْ الْمَأْمُورُونَ بِإِتْيَانِهِمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ ، لَا يَفْهَمُ أَحَدٌ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ غَيْرَ هَذَا - فَظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ وَتَحَكُّمُهُمْ بِالدَّعْوَى بِلَا دَلِيلٍ .
وَرُوِّينَا هَذَا الْقَوْلَ : أَنَّهُ حَثَّ عَلَيْهِ السَّيِّدَ وَغَيْرَهُ عَنْ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ مِنْ طَرِيقٍ فِيهَا الْحَسَنُ بْنُ وَاقِدٍ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : أَمَرَ بِذَلِكَ السَّيِّدَ وَغَيْرَهُ ، فَهَؤُلَاءِ رَأَوْهُ وَاجِبًا . كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ عَنْ يُونُسَ ، وَالْمُغِيرَةِ ، قَالَ يُونُسُ : عَنْ الْحَسَنِ وَقَالَ الْمُغِيرَةُ : عَنْ إبْرَاهِيمَ ثُمَّ اتَّفَقَا فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } قَالَ : أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى مَوْلَاهُ وَالنَّاسَ أَنْ يُعِينُوا الْمُكَاتَبَ . 254
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى نا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وَشَهِدْته كَاتَبَ عَبْدًا لَهُ عَلَى أَرْبَعَةِ آلَافٍ فَحَطَّ عَنْهُ أَلْفًا فِي آخِرِ نُجُومِهِ - ثُمَّ قَالَ : سَمِعْت عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ : { وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } الرُّبُعَ مِمَّا تُكَاتِبُوهُمْ عَلَيْهِ .
وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ الْقَاضِي نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ - نا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } قَالَ : رُبُعُ الْكِتَابَةِ - وَرُوِّينَا أَيْضًا فِي أَنَّهُ عُشْرُ الْكِتَابَةِ .
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } قَالَ : هُوَ الْعُشْرُ يُتْرَكُ لَهُ مِنْ كِتَابَتِهِ .
وَمِمَّنْ قَالَ : إنَّهُ وَاجِبٌ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نا أَبُو شَبِيبٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَاتَبَ مَوْلًى لَهُ يُقَالُ لَهُ : أَبُو أُمَيَّةَ ، فَجَاءَهُ بِنَجْمِهِ حِينَ هَلَّ ؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : يَا أَبَا أُمَيَّةَ اذْهَبْ فَاسْتَعِنْ بِهِ ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ كَانَ هَذَا فِي آخِرِ نَجْمٍ ؟ فَقَالَ عُمَرُ : لِعَلِيٍّ لَا أُدْرِكُهُ ، قَالَ عِكْرِمَةُ ثُمَّ قَرَأَ : { وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ }
وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَتْنِي أُمِّيّ عَنْ أَبِي عَنْ جَدِّي عُبَيْدِ اللَّهِ الْجَحْدَرِيِّ قَالَ الْمُبَارَكُ : وَحَدَّثَنِي مَيْمُونُ بْنُ جَابَانَ عَنْ عَمِّي عَنْ جَدِّي ، قَالَ : سَأَلْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ الْمُكَاتَبَةَ ؟ قَالَ لِي : كَمْ تَعْرِضُ ؟ قُلْت : مِائَةَ أُوقِيَّةٍ ، قَالَ : فَمَا اسْتَزَادَنِي ، قَالَ : فَكَاتِبْنِي وَأَرْسَلَ إلَى حَفْصَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ إنِّي كَاتَبْت غُلَامِي ، وَأَرَدْت أَنْ أُعَجِّلَ لَهُ طَائِفَةً مِنْ مَالِي فَأَرْسِلِي إلَيَّ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ إلَى أَنْ يَأْتِيَنِي شَيْءٌ ؟ فَأَرْسَلَتْ بِهَا إلَيْهِ ، فَأَخَذَهَا عُمَرُ بِيَمِينِهِ وَقَرَأَ : { وَاَلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } خُذْهَا بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : لَقَدْ كَانَ أَشْبَهَ بِأُمُورِ الدِّينِ ، وَأَدْخَلَ فِي السَّلَامَةِ أَنْ يَقُولَ الْحَنَفِيُّونَ بِقَوْلِ عَلِيٍّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَأَنْ يَقُولُوا : مِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ مِنْهُمْ ، حَيْثُ يَقُولُونَ مَا 255 يُضْحِكُ الثَّكَالَى ، وَيُبْعِدُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ، وَمِنْ الْمَعْقُولِ : أَنَّهُ إنْ انْكَشَفَ فِي فَخِذِ الْحُرَّةِ فِي الصَّلَاةِ ، أَوْ مِنْ السَّاقِ ، أَوْ مِنْ الْبَطْنِ ، أَوْ مِنْ الذِّرَاعِ ، أَوْ مِنْ الرَّأْسِ الرُّبُعُ : بَطَلَتْ الصَّلَاةُ ، فَإِنْ انْكَشَفَ أَقَلُّ لَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : { وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } قَالَ : رُبُعُ الْكِتَابَةِ } .
وَمِنْ طَرِيقِ الدَّبَرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَبِيبٍ - هُوَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ - أَخْبَرَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } قَالَ : رُبُعُ الْكِتَابَةِ } ، قَالَ عَلِيٌّ : فَإِنْ قِيلَ : فَلَمْ لَمْ تَأْخُذُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ ؟ قُلْنَا : لِأَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ إلَّا بَعْدَ اخْتِلَاطِ عَطَاءٍ .
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْعُقَيْلِيُّ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ نا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ نا أَبُو النُّعْمَانِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ قَالَ : تَغَيَّرَ حِفْظُ ابْنِ السَّائِبِ بَعْدُ وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ سَمِعَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَتَغَيَّرَ .
وَمِنْ طَرِيقِ الْعُقَيْلِيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ نا عَلِيٌّ - هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ - قَالَ : كَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ لَا يَرْوِي حَدِيثَ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ إلَّا عَنْ شُعْبَةَ ، وَسُفْيَانَ
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَصَحَّ اخْتِلَاطُهُ ، فَلَا يَحِلُّ أَنْ يُحْتَجَّ مِنْ حَدِيثِهِ إلَّا بِمَا صَحَّ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ اخْتِلَاطِهِ ، وَهَؤُلَاءِ الَّذِي ذَكَرْنَا لَمْ يَرْوِ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْهُ إلَّا مَوْقُوفًا عَلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَمَّا هُمْ فَإِذَا وَافَقَ الْخَبَرُ رَأْيَهُمْ لَمْ يُعَلِّلُوهُ - وَإِنْ كَانَ مَوْضُوعًا - فَإِذْ قَدْ سَقَطَ هَذَا الْخَبَرُ فَلَا حُجَّةَ لِأَهْلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ .
وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ عَلَى النَّدْبِ بِحَدِيثِ كِتَابَةِ سَلْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ { أَنَّ جُوَيْرِيَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ وَقَعَتْ فِي سَهْمِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ 256 أَوْ ابْنِ عَمٍّ لَهُ فَكَاتَبَهَا فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْتَعِينُهُ فَقَالَ لَهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : أَوْ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ أَقْضِ عَنْكِ كِتَابَتَكِ وَأَتَزَوَّجُكِ }
قَالُوا : فَلَمْ يَذْكُرْ فِي هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ إيتَاءَ مَالِ الْمُكَاتَبِ .
قَالَ عَلِيٌّ : لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا . أَمَّا خَبَرُ سَلْمَانَ فَإِنَّ مَالِكَهُ كَانَ يَهُودِيًّا غَيْرَ ذِمِّيٍّ ، بَلْ مُنَابِذٌ لَا تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ ، فَلَا مُتَعَلِّقَ لَهُمْ بِهَذَا .
وَأَعْجَبُ شَيْءٍ احْتِجَاجُهُمْ بِهِ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ لَهُ ذِكْرٌ مِنْ إيتَاءِ الْمَالِ ، وَمُخَالَفَتُهُمْ لَهُ فِيمَا أَجَازَهُ فِيهِ نَصًّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مِنْ إحْيَاءِ ثَلَاثِمِائَةِ نَخْلَةٍ ، وَأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ إلَى غَيْرِ أَجَلٍ مُسَمًّى ، وَلَا مَقْبُوضَةً ، وَهُمْ لَا يُجِيزُونَ شَيْئًا مِنْ هَذَا ، فَسُبْحَانَ مَنْ أَطْلَقَ أَلْسِنَتَهُمْ بِهَذِهِ الْعَظَائِمِ الَّتِي يَجِبُ أَنْ يَرْدَعَ عَنْهَا الْحَيَاءُ ، وَأَنْ يَرْدَعَ عَنْهَا الدِّينُ .
وَأَمَّا خَبَرُ جُوَيْرِيَةَ : فَلَيْسَ فِيهِ عَلَى مَاذَا كَاتَبَهَا ، وَلَا هَلْ كَاتَبَ إلَى أَجَلٍ أَمْ إلَى غَيْرِ أَجَلٍ ، فَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ حُجَّةً فِي إجَازَةِ الْكِتَابَةِ إلَى غَيْرِ أَجَلٍ ، وَكُلُّ كِتَابَةٍ أَفْسَدُوهَا إذْ لَمْ يَذْكُرُوا فِيهَا إيتَاءَ الْمَالِ ، فَلَيْسَ فِيهِ : أَنَّهَا لَمْ تُؤْتِ الْمَالَ ، فَلَا مُتَعَلِّقَ لَهُمْ بِهِ ، فَكَيْفَ وَهِيَ كِتَابَةٌ لَمْ تَتِمَّ بِلَا شَكٍّ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ : أَنَّ جُوَيْرِيَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ كَانَتْ مَوْلَاةً لِثَابِتٍ ، وَلَا لِابْنِ عَمِّهِ ، بَلْ قَدْ صَحَّ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا } .
فَبَطَلَ كُلُّ مَا مَوَّهُوا بِهِ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
وَقَالُوا : لَوْ كَانَ فَرْضًا لَكَانَ مَحْدُودَ الْقَدْرِ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَقُلْنَا : مِنْ أَيْنَ قُلْتُمْ هَذَا ؟ وَمَا الْمَانِعُ مِنْ أَنْ يَفْرِضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا عَطَاءً يَكِلُهُ إلَى اخْتِيَارِنَا ؟ وَأَيُّ شَيْءٍ أَعْطَيْنَاهُ كُنَّا قَدْ أَدَّيْنَا مَا عَلَيْنَا .
وَهَلَّا قُلْتُمْ هَذَا فِي الْمُتْعَةِ الَّتِي رَآهَا الْحَنَفِيُّونَ ، وَالشَّافِعِيُّونَ فَرْضًا - وَهِيَ غَيْرُ مَحْدُودَةِ الْقَدْرِ ؟ وَهَلَّا قَالَ هَذَا الْمَالِكِيُّونَ فِي الْخَرَاجِ الْمَضْرُوبِ عَلَى الْأَرْضِ الْمُفْتَتَحَةِ عَنْوَةً - وَهُوَ عِنْدَهُمْ فَرْضٌ غَيْرُ مَحْدُودِ الْقَدْرِ ؟ 257 وَكَمَا قَالُوا فِيمَا أَوْجَبُوا فِيهِ الْحُكُومَةَ فَرْضًا مِنْ الْخَرَاجِ - وَهُوَ غَيْرُ مَحْدُودِ الْقَدْرِ ؟ فَسُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ لَهُمْ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ وَفِي ظَنِّهِمْ : أَنْ يَتَعَقَّبُوا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى حُكْمَهُ بِمَا لَا يَتَعَقَّبُونَهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِيمَا يُشَرِّعُونَهُ فِي الدِّينِ بِآرَائِهِمْ - .
وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ .
تَمَّ كِتَابُ الْكِتَابَةِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث