المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء الثامن
الصفحة 1798 · ص. المطبوع 349
349 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الْوَصَايَا 1751 - مَسْأَلَةٌ : الْوَصِيَّةُ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مَنْ تَرَكَ مَالًا ، لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ } قَالَ ابْنُ عُمَرَ : مَا مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُذْ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ إلَّا وَعِنْدِي وَصِيَّتِي .
وَرُوِّينَا إيجَابَ الْوَصِيَّةِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِنْ قَوْلِهِ .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ : كَانَ طَلْحَةُ ، وَالزُّبَيْرُ يُشَدِّدَانِ فِي الْوَصِيَّةِ - وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ، وَطَلْحَةَ بْنِ مُطَرِّفٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَغَيْرِهِمْ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَجَمِيعِ أَصْحَابِنَا . 350 وَقَالَ قَوْمٌ : لَيْسَتْ فَرْضًا ، وَاحْتَجُّوا : بِأَنَّ هَذَا الْخَبَرَ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ فِيهِ { ۝ لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ } .
قَالُوا : فَرَدَّ الْأَمْرَ إلَى إرَادَتِهِ ؟ وَقَالُوا : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوصِ ، وَرَوَوْا : أَنَّ ابْنَ عُمَرَ - وَهُوَ رَاوِي الْخَبَرِ - لَمْ يُوصِ ، وَأَنَّ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ بِحَضْرَةِ عُمَرَ لَمْ يُوصِ ، وَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ فِيمَنْ تَرَكَ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ : قَلِيلٌ ، لَيْسَ فِيهَا وَصِيَّةٌ ، وَأَنَّ عَلِيًّا نَهَى مَنْ لَمْ يَتْرُكْ إلَّا مِنْ السَّبْعِمِائَةِ إلَى التِّسْعِمِائَةِ عَنْ الْوَصِيَّةِ ، وَأَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ فِيمَنْ تَرَكَ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ : فِي هَذَا فَضْلٌ عَنْ وَلَدِهِ .
وَعَنْ النَّخَعِيِّ لَيْسَتْ الْوَصِيَّةُ فَرْضًا .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : كُلُّ هَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ - : أَمَّا مَنْ زَادَ فِي رِوَايَتِهِ " يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ " فَإِنَّ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ رَوَاهُ كَمَا أَوْرَدْنَا بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ ، لَكِنْ بِلَفْظِ الْإِيجَابِ فَقَطْ .
وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ، وَعَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ .
وَرَوَاهُ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ .
وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ ، وَيُونُسُ عَنْ نَافِعٍ - وَكِلَا الرِّوَايَتَيْنِ صَحِيحٌ .
فَإِذْ هُمَا صَحِيحَانِ فَقَدْ وَجَبَتْ الْوَصِيَّةُ بِرِوَايَةِ مَالِكٍ ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُرِيدَهَا وَلَا بُدَّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ . 351 وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوصِ فَقَدْ كَانَتْ تَقَدَّمَتْ وَصِيَّتُهُ بِجَمِيعِ مَا تَرَكَ بِقَوْلِهِ الثَّابِتِ يَقِينًا { ۝ إنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُوَرَّثُ ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ } وَهَذِهِ وَصِيَّةٌ صَحِيحَةٌ بِلَا شَكٍّ ، لِأَنَّهُ أَوْصَى بِصَدَقَةِ كُلِّ مَا يَتْرُكُ إذَا مَاتَ ، وَإِنَّمَا صَحَّ الْأَثَرُ بِنَفْيِ الْوَصِيَّةِ الَّتِي تَدَّعِيهَا الرَّافِضَةُ إلَى عَلِيٍّ فَقَطْ .
وَأَمَّا مَا رَوَوْا مِنْ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يُوصِ ، فَبَاطِلٌ ; لِأَنَّ هَذَا إنَّمَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ أَشْهَلَ بْنِ حَاتِمٍ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - .
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ - وَهُوَ لَا شَيْءَ - وَالثَّابِتُ عَنْهُ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ مِنْ إيجَابِهِ الْوَصِيَّةَ ، وَأَنَّهُ لَمْ يَبِتْ لَيْلَتَهُ مُذْ سَمِعَ هَذَا الْخَبَرَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ .
وَأَمَّا حَدِيثُ حَاطِبٍ وَعُمَرَ : فَمِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، وَهِيَ أَسْقَطُ مِنْ أَنْ يُشْتَغَلَ بِهَا .
وَأَمَّا خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ : فَفِيهِ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - .
وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ فَإِنَّهُ حَدُّ الْقَلِيلِ بِمَا بَيْنَ السَّبْعِمِائَةِ إلَى التِّسْعِمِائَةِ وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا - وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ بَيَانٌ بِمَا ادَّعَوْا .
ثُمَّ لَوْ صَحَّ كُلُّ ذَلِكَ لَمَا كَانَتْ فِيهِ حُجَّةٌ ; لِأَنَّهُ قَدْ عَارَضَهُمْ صَحَابَةٌ ، كَمَا أَوْرَدْنَا ، وَإِذَا وَقَعَ التَّنَازُعُ لَمْ يَكُنْ قَوْلُ طَائِفَةٍ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ أُخْرَى ، وَالْفَرْضُ حِينَئِذٍ هُوَ الرُّجُوعُ إلَى الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ ، وَكِلَاهُمَا يُوجِبُ فَرْضَ الْوَصِيَّةِ ، أَمَّا السُّنَّةُ : فَكَمَا أَوْرَدْنَا ، وَأَمَّا الْقُرْآنُ : فَكَمَا نُورِدُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ؟
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث