المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء الثاني عشر
الصفحة 2394 · ص. المطبوع 379
2300 - مَسْأَلَةٌ : السُّكْرُ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : أَبَاحَ أَبُو حَنِيفَةَ شُرْبَ نَقِيعِ الزَّبِيبِ إذَا طُبِخَ ، وَشُرْبَ نَقِيعِ التَّمْرِ إذَا طُبِخَ ، وَشُرْبَ عَصِيرِ الْعِنَبِ إذَا طُبِخَ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ - وَإِنْ أَسْكَرَ كُلُّ ذَلِكَ - فَهُوَ عِنْدَهُ حَلَالٌ ، وَلَا حَدَّ فِيهِ مَا لَمْ يَشْرَبْ مِنْهُ الْقَدْرَ الَّذِي يُسْكِرُ - وَإِنْ سَكِرَ مِنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ .
وَإِنْ شَرِبَ نَبِيذَ تِينٍ مُسْكِرٍ ، أَوْ نَقِيعَ عَسَلٍ مُسْكِرٍ ، أَوْ عَصِيرَ تُفَّاحٍ مُسْكِرٍ ، أَوْ شَرَابَ قَمْحٍ ، أَوْ شَعِيرٍ ، أَوْ ذُرَةٍ مُسْكِرٍ : فَسَكِرَ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ ، أَوْ لَمْ يَسْكَرْ ، فَلَا حَدَّ فِي ذَلِكَ أَصْلًا ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَهُمْ يَقُولُونَ : إنَّ الْحُدُودَ لَا تُؤْخَذُ قِيَاسًا أَصْلًا ؟ 379 فَنَقُولُ لَهُمْ : أَيْنَ وَجَدْتُمْ هَذَا التَّقْسِيمَ ؟ أَفِي قُرْآنٍ ، أُمّ فِي سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ ، أَوْ سَقِيمَةٍ ، أَوْ مَوْضُوعَةٍ ؟ أَوْ فِي إجْمَاعٍ ، أَوْ دَلِيلِ إجْمَاعٍ ؟ أَمْ فِي قَوْلِ صَاحِبٍ ، أَمْ فِي قَوْلِ أَحَدٍ قَبْلَكُمْ ، أَمْ فِي قِيَاسٍ ، أَمْ فِي رَأْيِ يَصِحُّ ؟ فَلَا سَبِيلَ لَهُمْ إلَى وُجُودِ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ ؟ ; لِأَنَّهُمْ ، إنْ قَالُوا : حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الْخَمْرَ فِي الْقُرْآنِ ؟ قُلْنَا : نَعَمْ ، فَمِنْ أَيْنَ وَجَدْتُمْ أَنْتُمْ الْحَدَّ فِي السُّكْرِ مِمَّا لَيْسَ خَمْرًا عِنْدَكُمْ ، بَلْ هُوَ حَلَالٌ عِنْدَكُمْ طَيِّبٌ ، وَهُوَ مَطْبُوخُ عَصِيرِ الْعِنَبِ إذَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ ، وَنَقِيعُ الزَّبِيبِ ، وَنَقِيعُ التَّمْرِ إذَا طُبِخَا ، وَلَا خَمْرَ هَاهُنَا أَصْلًا ؟ فَإِنْ قَالُوا : { ۝ جَلَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّكْرَانَ إذْ أُتِيَ بِهِ } .
وَرَوَوْا حَدِيثَ الْخَمْرِ بِعَيْنِهَا ، وَالسُّكْرُ مِنْ غَيْرِهَا ، أَوْ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ ، و { ۝ اشْرَبُوا فِي الظُّرُوفِ وَلَا تَسْكَرُوا } وَمَا كَانَ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْأَخْبَارِ ؟ قُلْنَا لَهُمْ : وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - فَأَنْتُمْ أَوَّلُ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ ، فَإِنَّكُمْ لَا تَرَوْنَ الْحَدَّ عَلَى مَنْ وُجِدَ سَكْرَانَ .
وَأَيْضًا : فَهَلْ وَجَدْتُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَهُ مِمَّاذَا سَكِرَ ؟ فَإِنْ قَالَ لَهُ : مِنْ نَبِيذِ عَسَلٍ ، أَوْ شَرَابِ شَعِيرٍ ، أَوْ شَرَابِ ذُرَةٍ ، أَطْلَقَهُ ، وَقَدْ كَانَ كُلُّ ذَلِكَ مَوْجُودًا كَثِيرًا عَلَى عَهْدِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ .
وَإِنْ قَالَ لَهُ : مِنْ نَبِيذِ تَمْرٍ ، أَوْ نَقِيعِ زَبِيبٍ ، أَوْ عَصِيرِ عِنَبٍ : حَدَّهُ .
هَلْ جَاءَ هَذَا قَطُّ فِي نَقْلٍ صَادِقٍ أَوْ كَاذِبٍ ؟ فَأَنَّى لَكُمْ هَذَا التَّقْسِيمُ السَّخِيفُ ؟ فَعَنْهُ سَأَلْنَاكُمْ ، وَعَنْ تَحْرِيمِكُمْ بِهِ ، وَتَحْلِيلِكُمْ ، وَعَنْ إبَاحَتِكُمْ بِهِ الْأَشْيَاءَ الْمُحَرَّمَةَ ، أَوْ إسْقَاطِكُمْ حُدُودَ اللَّهِ تَعَالَى الْوَاجِبَةَ ؟ فَإِنْ قَالُوا : قَدْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى حَدِّ الشَّارِبِ بِعَصِيرِ الْعِنَبِ الَّذِي لَمْ يُطْبَخْ إذَا سَكِرَ ، وَاخْتُلِفَ فِيمَا عَدَاهُ ؟ قُلْنَا لَهُمْ : فَمِنْ أَيْنَ أَوْجَبْتُمْ الْحَدَّ عَلَى مَنْ سَكِرَ مِنْ نَبِيذِ التَّمْرِ - مَطْبُوخًا كَانَ أَوْ 380 غَيْرَ مَطْبُوخٍ - وَمِنْ نَبِيذِ الرُّطَبِ كَذَلِكَ ، وَمِنْ نَبِيذِ الزَّهْوِ ، وَمِنْ نَبِيذِ الْبُسْرِ ، وَمِنْ نَبِيذِ الزَّبِيبِ كَذَلِكَ ، وَلَا إجْمَاعَ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِ ؟ وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ الْحَسَنِ وَغَيْرِهِ : أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى السَّكْرَانِ مِنْ النَّبِيذِ - وَكَذَلِكَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى - وَلَا يَجِدُونَ أَبَدًا قَوْلَ صَاحِبٍ ، وَلَا قَوْلَ تَابِعٍ بِمِثْلِ هَذَا التَّقْسِيمِ .
وَكَذَلِكَ مَنْ اُضْطُرَّ إلَى الْخَمْرِ لِعَطَشٍ ، أَوْ لِاخْتِنَاقٍ ، فَشَرِبَ مِنْهَا مِقْدَارَ مَا يُزِيلُ عَطَشَهُ ، أَوْ اخْتِنَاقَهُ ، وَذَلِكَ حَلَالٌ لَهُ - عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ - فَسَكِرَ مِنْ ذَلِكَ ؟ وَهَذَا لَا يَقُولُونَهُ .
فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ السُّكْرَ لَا حَدَّ فِيهِ أَصْلًا ، وَإِنَّمَا الْحَدُّ ، وَالتَّحْرِيمُ ، فِي الْمُسْكِرِ - سَكِرَ مِنْهُ أَوْ لَمْ يَسْكَرْ - وَقَدْ نَجِدُ مَنْ يَسْكَرُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْطَالٍ - أَوْ أَرْبَعَةٍ سُكْرًا شَدِيدًا - وَنَجِدُ مَنْ لَا يَسْكَرُ مِنْ أَزِيدَ مِنْ عِشْرِينَ رِطْلًا مِنْ خَمْرٍ ، وَلَا تَتَغَيَّرُ لَهُ حَالَةٌ أَصْلًا .
وَأَمَّا الْقَذْفُ بِشُرْبِ الْخَمْرِ - فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْلَ هَذَا بِأَبْوَابٍ وَقَوْلُ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةُ وَغَيْرِهِ إيجَابُ الْحَدِّ فِيهِ ، وَبَيَّنَّا أَنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ ، إذْ لَمْ يَأْتِ بِهِ قُرْآنٌ ، وَلَا سُنَّةٌ ، وَلَا إجْمَاعٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
وَأَمَّا التَّعْرِيضُ فِي الْقَذْفِ - فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كَلَامِنَا فِي حَدِّ الْقَذْفِ وَتَقَصَّيْنَاهُ هُنَالِكَ أَنَّهُ لَا حَدَّ فِي التَّعْرِيضِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ الْحَدَّ فِيهِ قُرْآنٌ ، وَلَا سُنَّةٌ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا صَحِيحَةٌ ، وَلَا سَقِيمَةٌ ، وَلَا إجْمَاعٌ ; لِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ ، وَلَيْسَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ بَعْضٍ - وَذَكَرْنَا صِحَّةَ الْخَبَرِ { ۝ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الَّذِي أَخْبَرَهُ : أَنَّ امْرَأَتَهُ وَلَدَتْ وَلَدًا أَسْوَدَ - وَهُوَ يُعَرِّضُ بِنَفْيِهِ } .
وَفِي { ۝ الَّذِي أَخْبَرَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : أَنَّ امْرَأَتَهُ لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ فَلَمْ يُوجِبْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ حَدَّ الْقَذْفِ } - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ . 2301 -
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث