المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء الرابع
الصفحة 815 · ص. المطبوع 448
800 - مَسْأَلَةٌ : وَلَا يَجُوزُ صَوْمُ الْيَوْمِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ شَعْبَانَ تَطَوُّعًا أَصْلًا وَلَا لِمَنْ صَادَفَ يَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ - : نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ نَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ نَا أَبُو دَاوُد نَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ قَالَ : قَدِمَ عَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ الْمَدِينَةَ فَمَالَ إلَى مَجْلِسِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَأَقَامَهُ ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ إنَّ هَذَا يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { ۝ إذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا } فَقَالَ الْعَلَاءُ : اللَّهُمَّ إنَّ أَبِي حَدَّثَنِي 448 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : هَكَذَا رَوَاهُ سُفْيَانُ عَنْ الْعَلَاءِ ، وَالْعَلَاءُ ثِقَةٌ رَوَى عَنْهُ : شُعْبَةُ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، وَمِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ ، وَأَبُو الْعُمَيْسِ ، وَكُلُّهُمْ يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ فَلَا يَضُرُّهُ غَمْزُ ابْنِ مَعِينٍ لَهُ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِأَبِي هُرَيْرَةَ مُخَالَفَةُ مَا رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالظَّنُّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ ; فَمَنْ ادَّعَى هَاهُنَا إجْمَاعًا فَقَدْ كَذَبَ . وَقَدْ كَرِهَ قَوْمٌ الصَّوْمَ بَعْدَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ جُمْلَةً ، إلَّا أَنَّ الصَّحِيحَ الْمُتَيَقَّنَ مِنْ مُقْتَضَى لَفْظِ هَذَا الْخَبَرِ النَّهْيُ عَنْ الصِّيَامِ بَعْدَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ ، وَلَا يَكُونُ الصِّيَامُ فِي أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ بَاقِي الشَّهْرِ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ بَيِّنًا ، وَلَا يَخْلُو شَعْبَانُ مِنْ أَنْ يَكُونَ ثَلَاثِينَ أَوْ تِسْعًا وَعِشْرِينَ ; فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فَانْتِصَافُهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ; وَإِنْ كَانَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ فَانْتِصَافُهُ فِي نِصْفِ الْيَوْمِ الْخَامِسِ عَشَرَ ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْ الصِّيَامِ بَعْدَ النِّصْفِ ، فَحَصَلَ مِنْ ذَلِكَ النَّهْيُ عَنْ صِيَامِ الْيَوْمِ السَّادِسَ عَشَرَ بِلَا شَكٍّ . فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رَوَيْتُمْ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ أَبِي الْعُمَيْسِ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ إذَا كَانَ النِّصْفُ مِنْ شَعْبَانَ فَأَمْسِكُوا عَنْ الصَّوْمِ حَتَّى يَكُونَ رَمَضَانُ } . قُلْنَا : نَعَمْ ، وَهَذَا يَحْتَمِلُ النَّهْيَ عَنْ كُلِّ مَا بَعْدَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ ; وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْ بَعْضِ مَا بَعْدَ النِّصْفِ ، وَلَيْسَ أَحَدُ الِاحْتِمَالَيْنِ أَوْلَى بِظَاهِرِ اللَّفْظِ مِنْ الْآخَرِ ; وَقَدْ رُوِّينَا مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ قَوْلِ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ : { ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ } وَقَوْلِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ : { ۝ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ إلَّا قَلِيلًا } وَقَوْلُهُمَا هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يُدَاوِمُ ذَلِكَ فَوَجَبَ اسْتِعْمَالُ هَذِهِ الْأَخْبَارِ كُلِّهَا وَأَلَّا يُرَدَّ مِنْهَا شَيْءٌ لِشَيْءٍ أَصْلًا ; فَصَحَّ صِيَامُ أَكْثَرِ شَعْبَانَ مَرْغُوبًا فِيهِ ، وَصَحَّ جَوَازُ صَوْمِ آخِرِهِ ; فَلَمْ يَبْقَ يَقِينُ النَّهْيِ إلَّا عَلَى مَا لَا شَكَّ فِيهِ وَهُوَ الْيَوْمُ 449 السَّادِسَ عَشَرَ كَمَا قُلْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
وَمَنْ ادَّعَى نَسْخًا فِي خَبَرِ الْعَلَاءِ فَقَدْ كَذَبَ وَقَفَا مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ . وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا خَلَا مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ مِمَّا لَا يُعْرَفُ أَنَّ أَحَدًا قَالَهُ قَبْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، أَكْثَرُ ذَلِكَ مِمَّا قَالُوهُ بِرَأْيٍ لَا بِنَصٍّ ؟ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ : يُجْزِئُ مَنْ مَسَحَ الرَّأْسَ فِي الْوُضُوءِ مِقْدَارُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ وَلَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْهُ ، وَمَرَّةً قَالَ : رُبْعُ الرَّأْسِ وَلَا يُجْزِئُ أَقَلُّ ، وَيُجْزِي مَسْحُهُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ وَلَا يُجْزِئُ بِأُصْبُعَيْنِ وَلَا بِأُصْبُعٍ . وَأَجَازُوا الِاسْتِنْجَاءَ بِالرَّوْثِ . وَقَوْلُهُ : الْمِرَّةُ وَالْمَاءُ الْخَارِجَانِ ، مِنْ الْجَوْفِ يَنْقُضَانِ الْوُضُوءَ إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِلْءَ الْفَمِ ، فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ لَمْ يَنْقُضْ الْوُضُوءَ ; وَكَذَلِكَ تَعَمُّدُ الْقَيْءِ وَالدَّمُ الْخَارِجُ مِنْ الْجَوْفِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ إنْ غَلَبَ عَلَى الْبُصَاقِ وَإِنْ لَمْ يَمْلَأْ الْفَمَ ، وَالْبَلْغَمُ الْخَارِجُ مِنْ الْجَوْفِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَإِنْ مَلَأَ الْفَمَ . وَقَوْلُهُ فِي صَدَقَةِ الْخَيْلِ : إنْ شَاءَ أَعْطَى عَنْ كُلِّ رَأْسٍ مِنْ الْإِنَاثِ أَوْ الذُّكُورِ أَوْ الْإِنَاثِ مَخْلُوطِينَ عَنْ كُلِّ رَأْسٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ ، وَإِنْ شَاءَ قَوَّمَهَا قِيمَةً وَأَعْطَى عَنْ كُلِّ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةً ، وَلَا يُعْطِي مِنْ الذُّكُورِ الْمُفْرَدَةِ شَيْئًا . وَقَوْلُهُ : الزَّكَاةُ فِي كُلِّ مَا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ إلَّا الْحَطَبَ ، وَالْقَصَبَ ، وَالْحَشِيشَ ، وَقَصَبَ الزَّرِيرَةِ ، فَإِنْ كَانَ الْخَارِجُ فِي الدَّارِ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ ، وَكُلُّ هَذَا لَا يُعْلَمُ أَحَدٌ قَالَهُ قَبْلَهُمْ . وَكَقَوْلِ مَالِكٍ : مَنْ تَرَكَ مِنْ الصَّلَاةِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ ، أَوْ ثَلَاثَ تَسْمِيعَاتٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ ، فَإِنْ تَرَكَ تَكْبِيرَتَيْنِ فَأَقَلَّ لَمْ تَبْطُلْ وَلَا تَسْمِيعَتَيْنِ فَأَقَلَّ . وَقَوْلُهُ فِي الزَّكَاةِ فِيمَا تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ وَمِمَّا لَا زَكَاةَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْحُبُوبِ . وَقَوْلُهُ : إنَّ الزَّكَاةَ تَسْقُطُ بِمَوْتِ الْمَرْءِ إلَّا زَكَاةَ عَامِهِ ذَلِكَ . وَقَوْلُهُ فِيمَا تَخْرُجُ مِنْهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ مِنْ الْحُبُوبِ . وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ : فِيمَا يَخْرُجُ مِنْهُ الزَّكَاةُ مِنْ الْحُبُوبِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهُ . وَقَوْلُهُ : فِيمَا يَخْرُجُ مِنْهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ مِنْ الْحُبُوبِ وَمَا لَا يُجْزِئُ فِيهَا مِنْهَا . 450
وَقَوْلُهُ فِي أَنَّ الْمَاءَ إنْ كَانَ خَمْسَمِائَةِ رِطْلٍ بِالْبَغْدَادِيِّ لَهُ لَمْ يَقْبَلْ نَجَاسَةً إلَّا أَنْ تُغَيِّرَهُ ، فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ - وَلَوْ بِوَزْنِ دِرْهَمٍ - فَإِنَّهُ يُنَجَّسُ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ . وَكُلُّ هَذَا لَا يُعْرَفُ لَهُ قَائِلٌ قَبْلَ مَنْ ذَكَرْنَا .
وَلَوْ تَتْبَعْنَا مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ مِثْلِ هَذَا لَبَلَغَ لِأَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ : أُلُوفًا مِنْ الْمَسَائِلِ ، وَلَبَلَغَ لِلشَّافِعِيِّ مِائَتَيْنِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث