المبسوط
المبسوط · الجزء الرابع
الصفحة 1360 · ص. المطبوع 11
. ( قَالَ ) يَرْمُلُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ فِي كُلِّ شَوْطٍ مِنْهَا مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ طَوَافٍ بَعْدَهُ سَعْيٌ فَالرَّمَلُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ مِنْهَا سُنَّةٌ ، وَكُلُّ طَوَافٍ لَيْسَ بَعْدَهُ سَعْيٌ فَلَا رَمَلَ فِيهِ ، وَالرَّمَلُ هُوَ الِاضْطِبَاعُ ، وَهَزُّ الْكَتِفَيْنِ ، وَهُوَ أَنْ يُدْخِلَ أَحَدَ جَانِبَيْ رِدَائِهِ تَحْتَ إبْطِهِ ، وَيُلْقِيه عَلَى الْمَنْكِبِ الْآخَرِ ، وَيَهُزُّ الْكَتِفَيْنِ فِي مَشْيِهِ كَالْمُبَارِزِ الَّذِي يَتَبَخْتَرُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ ، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : لَا رَمَلَ فِي الطَّوَافِ ، وَإِنَّمَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إظْهَارًا لِلْجَلَادَةِ لِلْمُشْرِكِينَ عَلَى مَا رُوِيَ { ۝ أَنَّ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ لَمَّا أَخْلَوْا لَهُ الْبَيْتَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَصَعِدُوا الْجَبَلَ طَافَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَصْحَابِهِ فَسَمِعَ بَعْضَ الْمُشْرِكِينَ يَقُولُ لِبَعْضٍ : أَضْنَاهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ ، فَاضْطَبَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِدَاءَهُ فَرَمَلَ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ : رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً أَرَى مِنْ نَفْسِهِ قُوَّةً وَجَلَدًا } فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ لِإِظْهَارِ الْجَلَادَةِ يَوْمَئِذٍ ، وَقَدْ انْعَدَمَ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْآنَ فَلَا مَعْنَى لِلرَّمَلِ ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّ الرَّمَلَ سُنَّةٌ لِحَدِيثِ جَابِرٍ ، وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ طَافَ يَوْمَ النَّحْرِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَرَمَلَ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ ، وَلَمْ يَبْقَ الْمُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ } .
وَرُوِيَ { ۝ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا أَرَادَ الرَّمَلَ فِي طَوَافِهِ فَقَالَ : عَلَامَ أَهُزُّ كَتِفَيَّ ، وَلَيْسَ هُنَا أَحَدٌ أُرَائِيه ، وَلَكِنَّنِي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ فَأَفْعَلُهُ اتِّبَاعًا لَهُ } . وَأَكْثَرُ مَا فِيهِ أَنَّ سَبَبَهُ مَا ذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلَكِنَّهُ صَارَ سُنَّةً بِذَلِكَ السَّبَبِ فَيَبْقَى بَعْدَ زَوَالِهِ كَرَمْيِ الْجِمَارِ سَبَبُهُ رَمْيُ الْخَلِيلِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ ، ثُمَّ بَقِيَ بَعْدَ زَوَالِ ذَلِكَ السَّبَبِ ، وَالرَّمَلُ مِنْ 11 الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ عِنْدَنَا .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا رَمَلَ بَيْنَ الرُّكْنِ الْيَمَانِي وَالْحَجَرِ وَإِنَّمَا الرَّمَلُ مِنْ الْحَجَرِ إلَى الرُّكْنِ الْيَمَانِي
وَرُوِيَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ كَانَ يَرْمُلُ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إلَى الرُّكْنِ الْيَمَانِي ; لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَطَّلِعُونَ عَلَيْهِ فَإِذَا تَحَوَّلَ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ حَالَ الْبَيْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فَكَانَ لَا يَرْمُلُ } . وَبِهَذَا أَخَذَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى ، وَلَكِنَّا نَأْخُذُ بِحَدِيثِ جَابِرٍ وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا { ۝ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَمَلَ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ مِنْ الْحَجَرِ إلَى الْحَجَرِ }
( قَالَ ) وَإِنْ زَحَمَك النَّاسُ فِي رَمَلِكَ فَقُمْ فَإِذَا وَجَدْتَ مَسْلَكًا فَارْمُلْ ; لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ إقَامَةُ السُّنَّةِ فِي الطَّوَافِ لِلزِّحَامِ فَلْيَصْبِرْ حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْ إقَامَةِ السُّنَّةِ كَالْمَزْحُومِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَصْبِرُ حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْ السُّجُودِ ، وَتَطُوفُ الْأَرْبَعَةَ الْأَشْوَاطَ الْأُخَرَ مَشْيًا عَلَى هِينَتِك عَلَى هَذَا اتَّفَقَ رُوَاةُ نُسُكِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكُلَّمَا مَرَرْت بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فِي طَوَافِك هَذَا فَاسْتَلِمْهُ إنْ اسْتَطَعْت مِنْ غَيْرِ أَنْ تُؤْذِيَ مُسْلِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَاسْتَقْبِلْهُ وَكَبِّرْ وَهَلِّلْ ; لِأَنَّ أَشْوَاطَ الطَّوَافِ كَرَكَعَاتِ الصَّلَوَاتِ فَكَمَا تَفْتَتِحُ كُلَّ رَكْعَةٍ تَقُومُ إلَيْهَا بِالتَّكْبِيرِ فَكَذَلِكَ تَفْتَتِحُ كُلَّ شَوْطٍ بِاسْتِلَامِ الْحَجَرِ ، وَإِنْ افْتَتَحَتْ بِهِ الطَّوَافَ ، وَخَتَمْتَهُ بِهِ أَجْزَأَكَ كَمَا فِي الصَّلَوَاتِ فَتَرْكُ تَكْبِيرَاتِ الِانْتِقَالِ لَا يَمْنَعُ الْجَوَازَ فَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ بِتَرْكِ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ عِنْدَ افْتِتَاحِ كُلِّ شَوْطٍ فَإِذَا كَانَ افْتِتَاحُهُ لِلطَّوَافِ بِاسْتِلَامِ الْحَجَرِ ، وَخَتْمُهُ بِذَلِكَ فَفِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ يُجْعَلُ كَالْمُسْتَلِمِ حُكْمًا .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث