المبسوط
المبسوط · الجزء الثامن
وَإِذَا حَلَفَ لَا يَسْكُنُ دَارَ فُلَانٍ هَذِهِ ، فَبَاعَهَا فَسَكَنَ الْحَالِفُ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ لَمْ يَحْنَثْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى : يَحْنَثُ ، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ وَالثَّوْبُ ، وَكُلُّ مَا يُضَافُ إلَى إنْسَانٍ بِالْمِلْكِ . وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ جَمَعَ فِي كَلَامِهِ بَيْنَ الْإِشَارَةِ وَالْإِضَافَةِ ، فَيَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِالْإِشَارَةِ ; لِأَنَّهَا أَبْلُغُ فِي التَّعْرِيفِ مِنْ الْإِضَافَةِ ، فَإِنَّهَا تَقْطَعُ الشَّرِكَةَ ، وَالْإِضَافَةُ لَا تَقْطَعُ الشَّرِكَةَ ، فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ : لَا أَسْكُنُ هَذِهِ الدَّارَ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا لَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ زَوْجَةَ فُلَانٍ هَذِهِ صَدِيقِ فُلَانٍ هَذَا ، فَكَلَّمَ بَعْدَمَا عَادَاهُ ، وَفَارَقَهَا يَحْنَثُ لِمَا قُلْنَا .
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : لَا أُكَلِّمُ صَاحِبَ هَذَا الطَّيْلَسَانِ ، فَكَلَّمَ بَعْدَ مَا بَاعَ الطَّيْلَسَانَ يَحْنَثُ وَأَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ : عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى مِلْكٍ يُضَافُ إلَى مَالِكٍ ، فَلَا يَبْقَى بَعْدَ زَوَالِ الْمِلْكِ ، كَمَا لَوْ كَانَ أَطْلَقَ دَارَ فُلَانٍ ، وَتَحْقِيقُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ الدَّارَ لَا يُقْصَدُ هَجْرُهَا لِعَيْنِهَا ، بَلْ لِأَذًى حَصَلَ مِنْ مَالِكِهَا ، وَالْيَمِينُ تَتَقَيَّدُ بِمَقْصُودِ الْحَالِفِ فَصَارَ بِمَعْرِفَةِ مَقْصُودِهِ كَأَنَّهُ قَالَ : مَادَامَ لِفُلَانٍ بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ وَالصَّدِيقِ ، فَإِنَّهُ يَقْصِدُ هِجْرَانَهُمَا لِعَيْنِهَا ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ لِصَاحِبِ الطَّيْلَسَانِ ; لِأَنَّهُ يَقْصِدُ هِجْرَانَهُ لِعَيْنِهِ لَا لِطَيْلَسَانِهِ ، فَكَانَ ذِكْرُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِلتَّعْرِيفِ لَا لِتَقْيِيدِ الْيَمِينِ . ( فَإِنْ قِيلَ ) فِي الْعَبْدِ : هُوَ آدَمِيٌّ ، فَيُقْصَدُ هِجْرَانُهُ لِعَيْنِهِ ، وَمَعَ ذَلِكَ قُلْتُمْ : إذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ عَبْدَ فُلَانٍ هَذَا ، فَكَلَّمَهُ بَعْدَ مَا بَاعَهُ لَا يَحْنَثُ . ( قُلْنَا ) : ذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ فِي نَوَادِرِهِ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَحْنَثُ بِهَذَا فِي الْعَبْدِ .
وَوَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْعَبْدَ مَمْلُوكٌ سَاقِطُ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ الْأَحْرَارِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْأَذَى مِنْهُ لَا يُقْصَدُ هِجْرَانُهُ بِالْيَمِينِ ، فَلَا يُجْعَلُ لَهُ هَذِهِ الْمَنْزِلَةُ ، وَلَكِنْ إنَّمَا يَحْلِفُ إذَا كَانَ الْأَذَى مِنْ مِلْكِهِ ; وَلِأَنَّ إضَافَةَ الْمَمْلُوكِ إلَى الْمَالِكِ حَقِيقَةً كَالِاسْمِ ، ثُمَّ لَوْ جَمَعَ فِي يَمِينِهِ بَيْنَ ذِكْرِ الِاسْمِ وَالْعَيْنِ ، وَزَالَ الِاسْمُ لَمْ يَبْقَ الْيَمِينُ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ بِعَيْنِهَا ، فَجُعِلَتْ بُسْتَانًا فَدَخَلَ لَمْ يَحْنَثْ لِزَوَالِ الِاسْمِ ، فَكَذَلِكَ إذَا جَمَعَ بَيْنَ الْإِضَافَةِ وَالتَّعْيِينِ فَزَالَتْ الْإِضَافَةُ لَا يَبْقَى الْيَمِينُ ، بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ وَالصَّدِيقِ ، فَالْإِضَافَةُ هُنَاكَ لَيْسَتْ بِحَقِيقَةٍ ، وَلَكِنَّهُ تَعْرِيفٌ كَالنِّسْبَةِ ، وَكَمَا أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ الْيَمِينُ بِالْعَيْنِ دُونَ النِّسْبَةِ ، فَكَذَلِكَ هُنَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ دُونَ الْإِضَافَةِ ، فَإِنْ نَوَى أَنْ لَا يَسْكُنَهَا وَإِنْ زَالَتْ الْإِضَافَةُ فَلَهُ مَا نَوَى ; لِأَنَّهُ شَدَّدَ الْأَمْرَ عَلَى نَفْسِهِ بِنِيَّتِهِ ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَوْ نَوَى أَنْ لَا يَسْكُنَهَا مَا دَامَتْ لِفُلَانٍ فَلَهُ مَا نَوَى ; لِأَنَّ الْمَنْوِيَّ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ لَفْظِهِ .
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : لَا أُكَلِّمُ صَاحِبَ هَذَا الطَّيْلَسَانِ ، فَكَلَّمَ بَعْدَ مَا بَاعَ الطَّيْلَسَانَ يَحْنَثُ وَأَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ : عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى مِلْكٍ يُضَافُ إلَى مَالِكٍ ، فَلَا يَبْقَى بَعْدَ زَوَالِ الْمِلْكِ ، كَمَا لَوْ كَانَ أَطْلَقَ دَارَ فُلَانٍ ، وَتَحْقِيقُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ الدَّارَ لَا يُقْصَدُ هَجْرُهَا لِعَيْنِهَا ، بَلْ لِأَذًى حَصَلَ مِنْ مَالِكِهَا ، وَالْيَمِينُ تَتَقَيَّدُ بِمَقْصُودِ الْحَالِفِ فَصَارَ بِمَعْرِفَةِ مَقْصُودِهِ كَأَنَّهُ قَالَ : مَادَامَ لِفُلَانٍ بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ وَالصَّدِيقِ ، فَإِنَّهُ يَقْصِدُ هِجْرَانَهُمَا لِعَيْنِهَا ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ لِصَاحِبِ الطَّيْلَسَانِ ; لِأَنَّهُ يَقْصِدُ هِجْرَانَهُ لِعَيْنِهِ لَا لِطَيْلَسَانِهِ ، فَكَانَ ذِكْرُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِلتَّعْرِيفِ لَا لِتَقْيِيدِ الْيَمِينِ . ( فَإِنْ قِيلَ ) فِي الْعَبْدِ : هُوَ آدَمِيٌّ ، فَيُقْصَدُ هِجْرَانُهُ لِعَيْنِهِ ، وَمَعَ ذَلِكَ قُلْتُمْ : إذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ عَبْدَ فُلَانٍ هَذَا ، فَكَلَّمَهُ بَعْدَ مَا بَاعَهُ لَا يَحْنَثُ . ( قُلْنَا ) : ذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ فِي نَوَادِرِهِ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَحْنَثُ بِهَذَا فِي الْعَبْدِ .
وَوَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْعَبْدَ مَمْلُوكٌ سَاقِطُ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ الْأَحْرَارِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْأَذَى مِنْهُ لَا يُقْصَدُ هِجْرَانُهُ بِالْيَمِينِ ، فَلَا يُجْعَلُ لَهُ هَذِهِ الْمَنْزِلَةُ ، وَلَكِنْ إنَّمَا يَحْلِفُ إذَا كَانَ الْأَذَى مِنْ مِلْكِهِ ; وَلِأَنَّ إضَافَةَ الْمَمْلُوكِ إلَى الْمَالِكِ حَقِيقَةً كَالِاسْمِ ، ثُمَّ لَوْ جَمَعَ فِي يَمِينِهِ بَيْنَ ذِكْرِ الِاسْمِ وَالْعَيْنِ ، وَزَالَ الِاسْمُ لَمْ يَبْقَ الْيَمِينُ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ بِعَيْنِهَا ، فَجُعِلَتْ بُسْتَانًا فَدَخَلَ لَمْ يَحْنَثْ لِزَوَالِ الِاسْمِ ، فَكَذَلِكَ إذَا جَمَعَ بَيْنَ الْإِضَافَةِ وَالتَّعْيِينِ فَزَالَتْ الْإِضَافَةُ لَا يَبْقَى الْيَمِينُ ، بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ وَالصَّدِيقِ ، فَالْإِضَافَةُ هُنَاكَ لَيْسَتْ بِحَقِيقَةٍ ، وَلَكِنَّهُ تَعْرِيفٌ كَالنِّسْبَةِ ، وَكَمَا أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ الْيَمِينُ بِالْعَيْنِ دُونَ النِّسْبَةِ ، فَكَذَلِكَ هُنَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ دُونَ الْإِضَافَةِ ، فَإِنْ نَوَى أَنْ لَا يَسْكُنَهَا وَإِنْ زَالَتْ الْإِضَافَةُ فَلَهُ مَا نَوَى ; لِأَنَّهُ شَدَّدَ الْأَمْرَ عَلَى نَفْسِهِ بِنِيَّتِهِ ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَوْ نَوَى أَنْ لَا يَسْكُنَهَا مَا دَامَتْ لِفُلَانٍ فَلَهُ مَا نَوَى ; لِأَنَّ الْمَنْوِيَّ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ لَفْظِهِ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث