المبسوط
المبسوط · الجزء العاشر
فَإِنَّ كَانَ الْمُسْلِمُونَ مُجْتَمَعِينَ عَلَى وَاحِدٍ ، وَكَانُوا آمِنِينَ بِهِ ، وَالسَّبِيلُ آمِنَةً فَخَرَجَ عَلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَحِينَئِذٍ يَجِبُ عَلَى مَنْ يَقْوَى عَلَى الْقِتَالِ أَنْ يُقَاتِلَ مَعَ إمَامِ الْمُسْلِمِينَ الْخَارِجِينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَإِنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي } ، وَالْأَمْرُ حَقِيقَةً لِلْوُجُوبِ ، وَلِأَنَّ الْخَارِجِينَ قَصَدُوا أَذَى الْمُسْلِمِينَ وَإِمَاطَةَ الْأَذَى مِنْ أَبْوَابِ الدِّينِ ، وَخُرُوجُهُمْ مَعْصِيَةٌ ، فَفِي الْقِيَامِ بِقِتَالِهِمْ نَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ وَهُوَ فَرْضٌ ، وَلِأَنَّهُمْ يُهَيِّجُونَ الْفِتْنَةَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْفِتْنَةُ نَائِمَةٌ لَعَنَ اللَّهُ مَنْ أَيْقَظَهَا } فَمَنْ كَانَ مَلْعُونًا عَلَى لِسَانِ صَاحِبِ الشَّرْعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ يُقَاتِلُ مَعَهُ ، وَاَلَّذِي رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَغَيْرَهُ لَزِمَ بَيْتَهُ تَأْوِيلُهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ طَاقَةٌ عَلَى الْقِتَالِ ، وَهُوَ فَرْضٌ عَلَى مَنْ يُطِيقُهُ ، وَالْإِمَامُ فِيهِ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَدْ قَامَ بِالْقِتَالِ ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أُمِرْتُ بِقِتَالِ الْمَارِقِينَ ، وَالنَّاكِثِينَ ، وَالْقَاسِطِينَ ، وَلِهَذَا بَدَأَ الْبَابَ بِحَدِيثِ كَثِيرٍ الْحَضْرَمِيِّ حَيْثُ قَالَ : دَخَلْتُ مَسْجِدَ 125 الْكُوفَةِ مِنْ قِبَلِ أَبْوَابِ كِنْدَةَ ، فَإِذَا نَفَرٌ خَمْسَةٌ يَشْتُمُونَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَفِيهِمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ بُرْنُسٌ يَقُولُ : أُعَاهِدُ اللَّهَ لَأَقْتُلَنَّهُ فَتَعَلَّقْتُ بِهِ ، وَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ فَأَتَيْتُ بِهِ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقُلْتُ : إنِّي سَمِعْتُ هَذَا يُعَاهِدُ اللَّهَ لَيَقْتُلَنَّكَ قَالَ : إذَنْ وَيْحَكَ مَنْ أَنْتَ قَالَ : أَنَا سِوَارُ الْمُنْقِرِيُّ فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَلِّ عَنْهُ . فَقُلْتُ : أُخَلِّي عَنْهُ ، وَقَدْ عَاهَدَ اللَّهَ لَيَقْتُلَنَّكَ . فَقَالَ : أَفَأَقْتُلُهُ وَلَمْ يَقْتُلْنِي . قُلْتُ : وَإِنَّهُ قَدْ شَتَمَكَ . قَالَ : فَاشْتُمْهُ إنْ شِئْتَ أَوْ دَعْهُ ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ خُرُوجٌ فَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى قَالَ : مَا لَمْ يَعْزِمُوا عَلَى الْخُرُوجِ فَالْإِمَامُ لَا يَتَعَرَّضُ لَهُمْ ، فَإِذَا بَلَغَهُ عَزْمُهُمْ عَلَى الْخُرُوجِ فَحِينَئِذٍ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُمْ فَيَحْبِسَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَتَفَاقَمَ الْأَمْرُ لِعَزْمِهِمْ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَتَهْيِيجِ الْفِتْنَةِ ، وَكَأَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَكُونُوا مُغَلِّبِينَ الْخُرُوجَ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَعْزِمُوا عَلَى ذَلِكَ أَوْ لَمْ يُصَدِّقْهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِيمَا أَخْبَرَهُ بِهِ مِنْ عَزْمِهِ عَلَى قَتْلِهِ ، فَلِهَذَا أَمَرَهُ بِأَنْ يُخَلِّيَ عَنْهُ ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ مِنْ قَوْلِهِ فَاشْتُمْهُ إنْ شِئْت أَنْ يَنْسُبَهُ إلَى مَا لَيْسَ فِيهِ فَذَلِكَ كَذِبٌ وَبُهْتَانٌ لَا رُخْصَةَ فِيهِ ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنْ يَنْسُبَهُ إلَى مَا عَلِمَهُ مِنْهُ ، فَيَقُولُ : يَا فَتَّانُ يَا شِرِّيرُ لِقَصْدِهِ إلَى الشَّرِّ وَالْفِتْنَةِ ، وَمَا أَشْبَهَهُ ذَلِكَ مِنْ الْكَلَامِ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى : { لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إلَّا مَنْ ظُلِمَ } .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث