المبسوط
المبسوط · الجزء الحادي عشر
الصفحة 4113 · ص. المطبوع 160
قَالَ : ( وَلَا تَصِحُّ الشَّرِكَةُ بِالْعُرُوضِ ) ، وَاعْلَمْ بِأَنَّ الشَّرِكَةَ بِالنُّقُودِ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ جَائِزَةٌ ، وَلَا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ بِالتِّبْرِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ . وَقَدْ ذُكِرَ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى بِتِبْرٍ بِعَيْنِهِ شَيْئًا ، فَهَلَكَ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ . فَقَدْ جَعَلَ التِّبْرَ كَالنُّقُودِ ، حَتَّى قَالَ : لَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ . فَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْعُرْفِ فِي كُلِّ 160 مَوْضِعٍ . فَإِنْ كَانَتْ الْمُبَايَعَاتُ بَيْنَ النَّاسِ فِي بَلْدَةٍ بِالتِّبْرِ ; فَهُوَ كَالنُّقُودِ لَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ ، وَيَجُوزُ الشَّرِكَةُ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ عُرْفٌ ظَاهِرٌ ; فَهُوَ كَالْعُرُوضِ لَا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ بِهِ ، فَإِنْ كَانَ التَّعْيِينُ مُفِيدًا فِيهِ ، فَهُوَ مُعْتَبَرٌ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُفِيدًا لَا يُعْتَبَرُ ، كَتَعَيُّنِ الصَّنْجَانِ وَالْقِيمَاتِ . ( فَأَمَّا الشَّرِكَةُ بِالْفُلُوسِ ) إنْ كَانَتْ نَافِعَةً لَا تَجُوزُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَتَجُوزُ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ .
( وَذَكَرَ ) الْكَرْخِيُّ فِي كِتَابِهِ أَنَّ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ كَقَوْلِ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ . وَالْأَصَحُّ مَا قُلْنَا : ، وَهُوَ بِنَاءً عَلَى مَسْأَلَةِ كِتَابِ الْبُيُوعِ إذَا بَاعَ قُلْنَا : تَعْيِينُهُ بِفَلْسَيْنِ بِأَعْيَانِهَا يَجُوزُ " عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةِ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ " ، وَتَعَيُّنُ الْفُلُوسِ بِالتَّعْيِينِ بِمَنْزِلَةِ الْجَوْزِ ، وَالْبَيْضِ " وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ " لَا يَجُوزُ ، وَلَا تَتَعَيَّنُ الْفُلُوسُ الرَّائِجَةُ بِالتَّعْيِينِ كَالنُّقُودِ ، فَكَذَلِكَ فِي حُكْمِ الشَّرِكَةِ . مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : هِيَ بِمَنْزِلَةِ النُّقُودِ مَا دَامَتْ رَائِجَةً . وَهُمَا يَقُولَانِ : الرَّوَاجُ فِي الْفُلُوسِ عَارِضٌ فِي اصْطِلَاحِ النَّاسِ ، وَذَلِكَ يَتَبَدَّلُ سَاعَةً فَسَاعَةً ، فَلَوْ جَوَّزْنَا الشَّرِكَةَ بِهَا أَدَّى إلَى جَهَالَةِ رَأْسِ الْمَالِ عِنْدَ قِسْمَةِ الرِّبْحِ إذَا كَسَدَتْ الْفُلُوسُ ، وَأَخَذَ النَّاسُ غَيْرَهَا ; لِأَنَّ رَأْسَ الْمَالِ عِنْدَ قِسْمَةِ الرِّبْحِ يَحْصُلُ بِاعْتِبَارِ الْمَالِيَّةِ لَا بِاعْتِبَارِ الْعَدَدِ ، وَمَالِيَّةُ الْفُلُوسِ تَخْتَلِفُ بِالرَّوَاجِ وَالْكَسَادِ .
( وَرَوَى ) الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ الْمُضَارَبَةَ بِالْفُلُوسِ الرَّائِجَةِ تَصِحُّ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ : لَا تَصِحُّ الشَّرِكَةُ بِهَا ، وَلَا تَصِحُّ الْمُضَارَبَةُ ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ : فِي الْمُضَارَبَةِ يَحْصُلُ رَأْسُ الْمَالِ أَوَّلًا لِيَظْهَرَ الرِّبْحُ ، وَالْفُلُوسُ رُبَّمَا تَكْسُدُ فَلَا تُعْرَفُ مَالِيَّتُهَا بَعْدَ الْكَسَادِ إلَّا بِالْحَزْرِ ، وَالظَّنِّ . وَلَا وَجْهَ لِاعْتِبَارِ الْعَدَدِ ; لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِصَاحِبِ الْمَالِ . فَأَمَّا فِي الشَّرِكَةِ إذَا كَسَدَتْ الْفُلُوسُ يُمْكِنُ تَحْصِيلُ رَأْسِ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِاعْتِبَارِ الْعَدَدِ ; لِأَنَّ حَالَهُمَا فِيهِ سَوَاءٌ ، فَلَا يَخْتَصُّ أَحَدُهُمَا بِالضَّرَرِ دُونَ الْآخَرِ . ( فَأَمَّا ) الشَّرِكَةُ بِالْعُرُوضِ مِنْ الدَّوَابِّ وَالثِّيَابِ وَالْعَبِيدِ : لَا تَصِحُّ " عِنْدَنَا " ، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَمَالِكٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ هِيَ صَحِيحَةٌ ; لِلتَّعَامُلِ وَحَاجَةِ النَّاسِ إلَى ذَلِكَ ، وَلِاعْتِبَارِ شَرِكَةِ الْعَقْدِ بِشَرِكَةِ الْمِلْكِ ، وَفِي الْكِتَابِ عِلَلٌ لِلْفَسَادِ ، فَقَالَ : لِأَنَّ رَأْسَ الْمَالِ مَجْهُولٌ ، يُرِيدُ بِهِ أَنَّ الْعُرُوضَ لَيْسَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ . وَعِنْدَ الْقِسْمَةِ لَا بُدَّ مِنْ تَحْصِيلِ رَأْسِ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ; لِيَظْهَرَ الرِّبْحُ . فَإِذَا كَانَ رَأْسُ مَالِهِمَا مِنْ الْعُرُوضِ ، فَتَحْصِيلُهُ عِنْدَ الْقِسْمَةِ يَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ ، وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ الْقِيمَةِ الْحَزْرُ وَالظَّنُّ ، وَلَا يَثْبُتُ التَّيَقُّنُ بِهِ . ثُمَّ الشَّرِكَةُ مُخْتَصَّةٌ بِرَأْسِ مَالٍ يَكُونُ أَوَّلُ التَّصَرُّفِ بِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ شِرَاءً لَا بَيْعًا ، وَفِي الْعُرُوضِ أَوَّلُ التَّصَرُّفِ يَكُونُ بَيْعًا ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَصِيرُ مُوَكِّلًا لِصَاحِبِهِ بِبَيْعِ مَتَاعِهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ بَعْضُ 161 رِبْحِهِ ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ . وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ صِحَّةَ الشَّرِكَةِ بِاعْتِبَارِ الْوَكَالَةِ . فَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَا تَجُوزُ الْوَكَالَةُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ ، فَكَذَلِكَ الشَّرِكَةُ . وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ الْوَكِيلَ بِالْبَيْعِ يَكُونُ أَمِينًا ، فَإِذَا شُرِطَ لَهُ جُزْءٌ مِنْ الرِّبْحِ كَانَ هَذَا رِبْحَ مَا لَمْ يَضْمَنْ ، وَالْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ يَكُونُ ضَامِنًا لِلثَّمَنِ فِي ذِمَّتِهِ ، فَإِذَا شُرِطَ لَهُ نِصْفُ الرِّبْحِ كَانَ ذَلِكَ رِبْحُ مَا قَدْ ضَمِنَ ، وَلِأَنَّ فِي الشَّرِكَةِ بِالْعُرُوضِ رُبَّمَا يَظْهَرُ الرِّبْحُ فِي مِلْكِ أَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ تَصَرُّفٍ بِتَغَيُّرِ السِّعْرِ فَلَوْ جَازَ اسْتَحَقَّ الْآخَرُ حِصَّتَهُ مِنْ ذَلِكَ الرِّبْحِ مِنْ غَيْرِ ضَمَانٍ لَهُ فِيهِ . وَرُبَّمَا يَخْسَرُ أَحَدُهُمَا بِتَرَاجُعِ سِعْرِ عُرُوضِهِ وَيَرْبَحُ الْآخَرُ ; فَلِهَذِهِ الْمُعَانِي بَطَلَتْ الشَّرِكَةُ بِالْعُرُوضِ ، فَإِنْ بَاعَا الْعُرُوضَ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ قَسَمَا الثَّمَنَ عَلَى قِيمَةِ مَتَاعِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَوْمَ بَاعَهُ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَابِعٌ لِمِلْكِهِ ، وَالْمُسَمَّى مِنْ الثَّمَنِ بِمُقَابَلَةِ جَمِيعِ مَا دَخَلَ فِي الْعَقْدِ مِنْ الْعُرُوضِ ، فَيُقَسَّمُ عَلَيْهِمَا بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حِصَّةُ عَرَضِهِ ; لِأَنَّ الشَّرِكَةَ لَمَّا فَسَدَتْ كَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ .
( وَكَذَلِكَ ) لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ مَالِ أَحَدِهِمَا دَرَاهِمَ وَرَأْسُ مَالِ الْآخَرِ عُرُوضًا فِي مُفَاوَضَةٍ وَلَا عَنَانٍ ; لِجَهَالَةِ رَأْسِ الْمَالِ فِي نَصِيبِ صَاحِبِ الْعُرُوضِ ، عَلَى مَا بَيَّنَّا .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث