المبسوط
المبسوط · الجزء الثاني عشر
قَالَ ( وَكُلُّ شَيْءٍ يَنْقَطِعُ مِنْ أَيْدِي النَّاسِ فَلَا خَيْرَ فِي السَّلَمِ فِيهِ ) وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنْ يَكُونَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مَوْجُودًا عِنْدَ الْعَقْدِ مُنْقَطِعًا عَنْ أَيْدِي النَّاسِ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ فَلِهَذَا لَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّ السَّلَمَ إلَيْهِ بِالْعَقْدِ يَلْتَزِمُ التَّسْلِيمَ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَقْدُورَ التَّسْلِيمِ عِنْدَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْعَقْدُ ( الثَّانِي : ) أَنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا وَقْتَ الْعَقْدِ مَوْجُودًا فِي أَيْدِي النَّاسِ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا وَيَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ( الثَّالِثُ : ) أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا عِنْدَ الْعَقْدِ وَعِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ وَلَكِنَّهُ يَنْقَطِعُ عَنْ أَيْدِي النَّاسِ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ فَهَذَا لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا وَعَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ ( الرَّابِعُ : ) أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ إلَى وَقْتِ الْمَحِلِّ عَلَى وَجْهٍ لَا يَنْقَطِعُ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ فَيَكُونُ الْعَقْدُ صَحِيحًا بِالِاتِّفَاقِ وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { دَخَلَ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَهُمْ يُسَلِّفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ - وَرُبَّمَا قَالَ : ثَلَاثَ سِنِينَ - فَقَالَ : مِنْ أَسْلَمَ مِنْكُمْ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ } وَمَعْلُومٌ أَنَّ الثِّمَارَ الرَّطْبَةَ لَا تَبْقَى إلَى هَذِهِ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ وَمَعَ هَذَا قَرَّهُمْ عَلَى السَّلَمِ فِيهَا وَالْمَعْنَى فِيهِ وَهُوَ أَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ مَعْلُومٌ مَقْدُورُ التَّسْلِيمِ عِنْدَ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ فَيَجُوزُ الْعَقْدُ كَمَا لَوْ كَانَ مَوْجُودًا مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ إلَى وَقْتِ الْمَحِلِّ وَبَيَانِ الْوَصْفِ أَنَّ وُجُوبَ التَّسْلِيمِ بِحُكْمِ الْعَقْدِ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ وَعِنْدَ ذَلِكَ هُوَ مَوْجُودٌ فِي الْعَالَمِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِ الدَّيْنِ بِوُجُودِ جِنْسِهِ فِي الْعَالَمِ وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ مِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَمُوتَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ عَقِيبَ الْعَقْدِ فَيَحِلَّ الْأَجَلُ لِأَنَّ هَذَا مَوْهُومٌ
وَلَا يُبْنَى الْعَقْدُ عَلَى الْمَوْهُومَاتِ أَلَا تَرَى أَنَّ اعْتِبَارَ هَذَا الْمَوْهُومِ يُؤَدِّي إلَى الْحُلُولِ أَوْ جَهَالَةِ الْأَجَلِ وَذَلِكَ مُبْطِلٌ لِعَقْدِ السَّلَمِ وَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا فِي الْحَالِ فَدَلَّ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ يَنْقَطِعُ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ الْمَحِلِّ يَجُوزُ الْعَقْدُ وَإِنْ كَانَ يُتَوَهَّمُ أَنْ يَتَأَخَّرَ التَّسْلِيمُ إلَى أَنْ يَنْقَطِعَ وَلَيْسَ هَذَا نَظِيرَ مَا لَوْ عَيَّنَ مِكْيَالًا أَوْ قِيَمًا تُخَالِفُ مَا بَيْنَ النَّاسِ لِأَنَّ بُطْلَانَ الْعَقْدِ لَيْسَ بِاعْتِبَارِ هَلَاكِ مَا عَيَّنَهُ بَلْ بِاعْتِبَارِ جَهَالَةِ قَدْرِ الْمُسْلَمِ فِيهِ كَتَعْيِينِ الْمُسْلَمِ فِيهِ لَا لِأَنَّهُ يَتَوَهَّمُ أَوْ يُصِيبُ ثِمَارَ تِلْكَ النَّخْلَةِ آفَةٌ وَالدَّلِيلُ أَنَّ وُجُودَ السَّلَمِ فِيهِ فِي مَكَانِ الْعَقْدِ لَيْسَ بِشَرْطٍ بِجَوَازِ الْعَقْدِ فَكَذَلِكَ فِي زَمَانِ الْعَقْدِ لَا التَّسْلِيمِ لَا يَتَأَتَّى إلَّا بِمَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ فَكُلٌّ يَسْقُطُ اعْتِبَارُ وُجُودِهِ فِي مَكَانِ الْعَقْدِ فَكَذَلِكَ فِي زَمَانِ الْعَقْدِ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تُسَلِّفُوا فِي الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا } وَفِي الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا } وَلَمْ يُرِدْ بِهِ النَّهْيَ عَنْ بَيْعهَا سَلَمًا وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ قُدْرَةَ الْعَاقِدِ 135 عَلَى تَسْلِيمِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ شَرْطٌ لِجَوَازِ الْعَقْدِ كَمَا فِي بَيْعِ الْعَيْنِ وَهَذَا لِأَنَّ الْمُلْتَزِمَ لِلتَّسْلِيمِ هُوَ الْعَاقِدُ فَيُشْتَرَطُ قُدْرَتُهُ عَلَى التَّسْلِيمِ وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مَعْدُومًا فِي الْحَالِ لِأَنَّ الْعَاقِدَ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ إلَّا بِإِيصَالِ حَيَاتِهِ وَأَنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ وَإِيصَالَ حَيَّاتِهِ بِأَوَانِ الْوُجُودِ مَوْهُومٌ وَبِالْمَوْهُومِ لَا تَثْبُتُ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ فَإِنْ قِيلَ حَيَاتُهُ مَعْلُومَةٌ فِي الْحَالِ
وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ حَيًّا إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ وَإِنَّمَا الْمَوْتُ مَوْهُومٌ قَبْلَهُ قُلْنَا نَعَمْ وَلَكِنْ بَقَاؤُهُ حَيًّا إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ فَيَكُونُ مُعْتَبَرًا فِي إبْقَاءِ مَالِهِ عَلَى مِلْكِهِ لَا فِي تَوْرِيثِهِ مِنْ مُورِثِهِ فَبِهَذَا الطَّرِيقِ لَا تَثْبُتُ قُدْرَتُهُ عَلَى التَّسْلِيمِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا فِي الْحَالِ حَتَّى تَكُونَ حَيَاتُهُ مُتَّصِلَةً بِأَوَانِ ذَلِكَ الشَّيْءِ ثُمَّ عَجْزُهُ بِالْمَوْتِ أَوْ بِآخِرِ التَّسْلِيمِ إلَى أَنْ يَنْقَطِعَ مَوْهُومٌ فَلَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي إفْسَادِ الْعَقْدِ يُقَرِّرُهُ أَنَّ مَا بَعْدَ الْعَقْدِ بِمَنْزِلَةِ حَالَةِ الْمَحِلِّ لِأَنَّ زَمَانَ الْمَحِلِّ وَقْتُ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ بِشَرْطِ بَقَائِهِ حَيًّا إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ وَذَلِكَ مَوْهُومٌ وَمَا بَعْدَ الْعَقْدِ وَقْتَ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ يُشْتَرَطُ مَوْتُهُ وَذَلِكَ مَوْهُومٌ أَيْضًا فَاسْتَوَيَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ثُمَّ يُشْتَرَطُ الْوُجُودُ وَقْتَ الْمَحِلِّ بِالِاتِّفَاقِ فَلِذَلِكَ يُشْتَرَطُ الْوُجُودُ مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ إلَى وَقْتِ الْمَحِلِّ بِخِلَافِ مَا وَرَاءَ الْمَحِلِّ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِزَمَانِ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ ابْتِدَاءً وَإِنَّمَا هُوَ زَمَانُ بَقَاءِ مَا وَجَبَ مِنْ التَّسْلِيمِ وَلَا يُعْتَبَرُ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ مَا يُعْتَبَرُ فِي حَالَةِ الِابْتِدَاءِ كَخُلُوِّ الْمَحِلِّ عَنْ الرِّدَّةِ وَالْعِدَّةِ فِي النِّكَاحِ وَالشُّهُودِ تُعْتَبَرُ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ لَا عِنْدَ الْبَقَاءِ وَاعْتِبَارُ الزَّمَانِ بِالْمَكَانِ سَاقِطٌ لِأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ نَقْلُهُ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان فَبِانْعِدَامِهِ فِي مَكَانِ الْعَقْدِ لَا تَنْعَدِمُ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ وَلَا يَتَحَقَّقُ نَقْلُهُ مِنْ زَمَانٍ إلَى زَمَانٍ فَتَنْعَدِمُ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ لِعَدَمِ الْوُجُودِ فِي زَمَانِ الْعَقْدِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وُجُودُهُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي جَعَلَاهُ مَحِلَّ التَّسْلِيمِ وَيُشْتَرَطُ وُجُودُهُ فِي زَمَانِ الْمَحِلِّ وَمَا افْتَرَقَا إلَّا لِمَا قُلْنَا وَإِذَا كَانَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مَوْجُودًا مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ إلَى وَقْتِ الْمَحِلِّ ثُمَّ لَمْ يَأْخُذْهُ بَعْدَ مَحَلِّ الْأَجَلِ حَتَّى انْقَطَعَ فَرَبُّ السَّلَمِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ رَأْسَ الْمَالِ وَإِنْ شَاءَ صَبَرَ حَتَّى يَجِيءَ حِينُهُ فَيَأْخُذُ مَا أَسْلَمَ فِيهِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ زُفَرُ : يَبْطُلُ الْعَقْدُ وَيَسْتَرِدُّ رَأْسَ الْمَالِ لِأَنَّ الِانْقِطَاعَ مِنْ أَيْدِي النَّاسِ فِي الْعَجْزِ عَنْ تَسْلِيمِ الدَّيْنِ بِمَنْزِلَةِ هَلَاكِ الْعَيْنِ فِي الْعَجْزِ عَنْ التَّسْلِيمِ
وَلَوْ هَلَكَ الْمَبِيعُ فِي بَيْعِ الْعَيْنِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ بَطَلَ بِهِ الْبَيْعُ فَكَذَلِكَ إذَا انْقَطَعَتْ مِنْ أَيْدِي النَّاسِ وَقَاسَ بِمَا لَوْ اشْتَرَى بِفُلُوسٍ شَيْئًا فَكَسَدَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ يَبْطُلُ الْعَقْدُ لِهَذَا الْمَعْنَى فَكَذَلِكَ إذَا انْقَطَعَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مِنْ أَيْدِي النَّاسِ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يُعْذَرُ بِتَسْلِيمِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بِعَارِضٍ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ فَيَتَخَيَّرُ فِيهِ 136 الْعَاقِدُ كَمَا لَوْ أَبَقَ الْعَبْدُ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَهَذَا لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَبَقَاءُ الدَّيْنِ بِبَقَاءِ مَحِلِّهِ وَمَحِلُّ الدَّيْنِ إنَّمَا هُوَ الذِّمَّةُ فَكَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ بَاقِيًا بِبَقَاءِ الذِّمَّةِ وَلَكِنَّ تَأَخُّرَ تَسْلِيمِهِ إلَى أَوَانِ وُجُودِهِ وَفِيهِ يُعْتَبَرُ شَرْطُ الْعَقْدِ فَيَثْبُتُ لِلْعَاقِدِ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ وَيَسْتَرِدَّ رَأْسَ الْمَالِ وَبَيْنَ أَنْ يَصْبِرَ حَتَّى يَأْتِيَ أَوَانُهُ فَيَأْخُذَ الْمُسْلَمَ فِيهِ وَبِهِ فَارَقَ هَلَاكَ الْعَيْنِ فَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ هُنَاكَ يَفُوتُ أَصْلًا وَكَذَلِكَ الْفُلُوسُ إذَا كَسَدَتْ فَإِنَّ الْعَقْدَ إنَّمَا تَنَاوَلَ فُلُوسًا هِيَ ثَمَنٌ فَبَعْدَ الْكَسَادِ لَا يَبْقَى ثَمَنًا أَصْلًا يُوَضِّحُهُ أَنَّ مَا يَكْسُدُ مِنْ الْفُلُوسِ لَا يَرُوجُ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ لَا يُدْرَى مَتَى يَرُوجُ فَلَمْ يَكُنْ لِلْقُدْرَةِ فِيهِ عَلَى التَّسْلِيمِ أَوَانٌ مَعْلُومٌ فَلِهَذَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ هُنَا لِادِّرَاكِ الثِّمَارِ لِلْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ أَوَانٍ مَعْلُومٍ فَيُخَيَّرُ رَبُّ السَّلَمِ إنْ شَاءَ رَضِيَ بِالتَّأْخِيرِ وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ الْعَقْدَ وَأَخَذَ رَأْسَ مَالِهِ
وَلَا يُبْنَى الْعَقْدُ عَلَى الْمَوْهُومَاتِ أَلَا تَرَى أَنَّ اعْتِبَارَ هَذَا الْمَوْهُومِ يُؤَدِّي إلَى الْحُلُولِ أَوْ جَهَالَةِ الْأَجَلِ وَذَلِكَ مُبْطِلٌ لِعَقْدِ السَّلَمِ وَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا فِي الْحَالِ فَدَلَّ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ يَنْقَطِعُ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ الْمَحِلِّ يَجُوزُ الْعَقْدُ وَإِنْ كَانَ يُتَوَهَّمُ أَنْ يَتَأَخَّرَ التَّسْلِيمُ إلَى أَنْ يَنْقَطِعَ وَلَيْسَ هَذَا نَظِيرَ مَا لَوْ عَيَّنَ مِكْيَالًا أَوْ قِيَمًا تُخَالِفُ مَا بَيْنَ النَّاسِ لِأَنَّ بُطْلَانَ الْعَقْدِ لَيْسَ بِاعْتِبَارِ هَلَاكِ مَا عَيَّنَهُ بَلْ بِاعْتِبَارِ جَهَالَةِ قَدْرِ الْمُسْلَمِ فِيهِ كَتَعْيِينِ الْمُسْلَمِ فِيهِ لَا لِأَنَّهُ يَتَوَهَّمُ أَوْ يُصِيبُ ثِمَارَ تِلْكَ النَّخْلَةِ آفَةٌ وَالدَّلِيلُ أَنَّ وُجُودَ السَّلَمِ فِيهِ فِي مَكَانِ الْعَقْدِ لَيْسَ بِشَرْطٍ بِجَوَازِ الْعَقْدِ فَكَذَلِكَ فِي زَمَانِ الْعَقْدِ لَا التَّسْلِيمِ لَا يَتَأَتَّى إلَّا بِمَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ فَكُلٌّ يَسْقُطُ اعْتِبَارُ وُجُودِهِ فِي مَكَانِ الْعَقْدِ فَكَذَلِكَ فِي زَمَانِ الْعَقْدِ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تُسَلِّفُوا فِي الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا } وَفِي الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا } وَلَمْ يُرِدْ بِهِ النَّهْيَ عَنْ بَيْعهَا سَلَمًا وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ قُدْرَةَ الْعَاقِدِ 135 عَلَى تَسْلِيمِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ شَرْطٌ لِجَوَازِ الْعَقْدِ كَمَا فِي بَيْعِ الْعَيْنِ وَهَذَا لِأَنَّ الْمُلْتَزِمَ لِلتَّسْلِيمِ هُوَ الْعَاقِدُ فَيُشْتَرَطُ قُدْرَتُهُ عَلَى التَّسْلِيمِ وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مَعْدُومًا فِي الْحَالِ لِأَنَّ الْعَاقِدَ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ إلَّا بِإِيصَالِ حَيَاتِهِ وَأَنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ وَإِيصَالَ حَيَّاتِهِ بِأَوَانِ الْوُجُودِ مَوْهُومٌ وَبِالْمَوْهُومِ لَا تَثْبُتُ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ فَإِنْ قِيلَ حَيَاتُهُ مَعْلُومَةٌ فِي الْحَالِ
وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ حَيًّا إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ وَإِنَّمَا الْمَوْتُ مَوْهُومٌ قَبْلَهُ قُلْنَا نَعَمْ وَلَكِنْ بَقَاؤُهُ حَيًّا إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ فَيَكُونُ مُعْتَبَرًا فِي إبْقَاءِ مَالِهِ عَلَى مِلْكِهِ لَا فِي تَوْرِيثِهِ مِنْ مُورِثِهِ فَبِهَذَا الطَّرِيقِ لَا تَثْبُتُ قُدْرَتُهُ عَلَى التَّسْلِيمِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا فِي الْحَالِ حَتَّى تَكُونَ حَيَاتُهُ مُتَّصِلَةً بِأَوَانِ ذَلِكَ الشَّيْءِ ثُمَّ عَجْزُهُ بِالْمَوْتِ أَوْ بِآخِرِ التَّسْلِيمِ إلَى أَنْ يَنْقَطِعَ مَوْهُومٌ فَلَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي إفْسَادِ الْعَقْدِ يُقَرِّرُهُ أَنَّ مَا بَعْدَ الْعَقْدِ بِمَنْزِلَةِ حَالَةِ الْمَحِلِّ لِأَنَّ زَمَانَ الْمَحِلِّ وَقْتُ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ بِشَرْطِ بَقَائِهِ حَيًّا إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ وَذَلِكَ مَوْهُومٌ وَمَا بَعْدَ الْعَقْدِ وَقْتَ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ يُشْتَرَطُ مَوْتُهُ وَذَلِكَ مَوْهُومٌ أَيْضًا فَاسْتَوَيَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ثُمَّ يُشْتَرَطُ الْوُجُودُ وَقْتَ الْمَحِلِّ بِالِاتِّفَاقِ فَلِذَلِكَ يُشْتَرَطُ الْوُجُودُ مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ إلَى وَقْتِ الْمَحِلِّ بِخِلَافِ مَا وَرَاءَ الْمَحِلِّ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِزَمَانِ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ ابْتِدَاءً وَإِنَّمَا هُوَ زَمَانُ بَقَاءِ مَا وَجَبَ مِنْ التَّسْلِيمِ وَلَا يُعْتَبَرُ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ مَا يُعْتَبَرُ فِي حَالَةِ الِابْتِدَاءِ كَخُلُوِّ الْمَحِلِّ عَنْ الرِّدَّةِ وَالْعِدَّةِ فِي النِّكَاحِ وَالشُّهُودِ تُعْتَبَرُ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ لَا عِنْدَ الْبَقَاءِ وَاعْتِبَارُ الزَّمَانِ بِالْمَكَانِ سَاقِطٌ لِأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ نَقْلُهُ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان فَبِانْعِدَامِهِ فِي مَكَانِ الْعَقْدِ لَا تَنْعَدِمُ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ وَلَا يَتَحَقَّقُ نَقْلُهُ مِنْ زَمَانٍ إلَى زَمَانٍ فَتَنْعَدِمُ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ لِعَدَمِ الْوُجُودِ فِي زَمَانِ الْعَقْدِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وُجُودُهُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي جَعَلَاهُ مَحِلَّ التَّسْلِيمِ وَيُشْتَرَطُ وُجُودُهُ فِي زَمَانِ الْمَحِلِّ وَمَا افْتَرَقَا إلَّا لِمَا قُلْنَا وَإِذَا كَانَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مَوْجُودًا مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ إلَى وَقْتِ الْمَحِلِّ ثُمَّ لَمْ يَأْخُذْهُ بَعْدَ مَحَلِّ الْأَجَلِ حَتَّى انْقَطَعَ فَرَبُّ السَّلَمِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ رَأْسَ الْمَالِ وَإِنْ شَاءَ صَبَرَ حَتَّى يَجِيءَ حِينُهُ فَيَأْخُذُ مَا أَسْلَمَ فِيهِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ زُفَرُ : يَبْطُلُ الْعَقْدُ وَيَسْتَرِدُّ رَأْسَ الْمَالِ لِأَنَّ الِانْقِطَاعَ مِنْ أَيْدِي النَّاسِ فِي الْعَجْزِ عَنْ تَسْلِيمِ الدَّيْنِ بِمَنْزِلَةِ هَلَاكِ الْعَيْنِ فِي الْعَجْزِ عَنْ التَّسْلِيمِ
وَلَوْ هَلَكَ الْمَبِيعُ فِي بَيْعِ الْعَيْنِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ بَطَلَ بِهِ الْبَيْعُ فَكَذَلِكَ إذَا انْقَطَعَتْ مِنْ أَيْدِي النَّاسِ وَقَاسَ بِمَا لَوْ اشْتَرَى بِفُلُوسٍ شَيْئًا فَكَسَدَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ يَبْطُلُ الْعَقْدُ لِهَذَا الْمَعْنَى فَكَذَلِكَ إذَا انْقَطَعَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مِنْ أَيْدِي النَّاسِ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يُعْذَرُ بِتَسْلِيمِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بِعَارِضٍ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ فَيَتَخَيَّرُ فِيهِ 136 الْعَاقِدُ كَمَا لَوْ أَبَقَ الْعَبْدُ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَهَذَا لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَبَقَاءُ الدَّيْنِ بِبَقَاءِ مَحِلِّهِ وَمَحِلُّ الدَّيْنِ إنَّمَا هُوَ الذِّمَّةُ فَكَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ بَاقِيًا بِبَقَاءِ الذِّمَّةِ وَلَكِنَّ تَأَخُّرَ تَسْلِيمِهِ إلَى أَوَانِ وُجُودِهِ وَفِيهِ يُعْتَبَرُ شَرْطُ الْعَقْدِ فَيَثْبُتُ لِلْعَاقِدِ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ وَيَسْتَرِدَّ رَأْسَ الْمَالِ وَبَيْنَ أَنْ يَصْبِرَ حَتَّى يَأْتِيَ أَوَانُهُ فَيَأْخُذَ الْمُسْلَمَ فِيهِ وَبِهِ فَارَقَ هَلَاكَ الْعَيْنِ فَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ هُنَاكَ يَفُوتُ أَصْلًا وَكَذَلِكَ الْفُلُوسُ إذَا كَسَدَتْ فَإِنَّ الْعَقْدَ إنَّمَا تَنَاوَلَ فُلُوسًا هِيَ ثَمَنٌ فَبَعْدَ الْكَسَادِ لَا يَبْقَى ثَمَنًا أَصْلًا يُوَضِّحُهُ أَنَّ مَا يَكْسُدُ مِنْ الْفُلُوسِ لَا يَرُوجُ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ لَا يُدْرَى مَتَى يَرُوجُ فَلَمْ يَكُنْ لِلْقُدْرَةِ فِيهِ عَلَى التَّسْلِيمِ أَوَانٌ مَعْلُومٌ فَلِهَذَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ هُنَا لِادِّرَاكِ الثِّمَارِ لِلْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ أَوَانٍ مَعْلُومٍ فَيُخَيَّرُ رَبُّ السَّلَمِ إنْ شَاءَ رَضِيَ بِالتَّأْخِيرِ وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ الْعَقْدَ وَأَخَذَ رَأْسَ مَالِهِ
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث