المبسوط
المبسوط · الجزء الثالث عشر
الصفحة 4721 · ص. المطبوع 16
قَالَ وَإِذَا اشْتَرَى عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ يُعْتِقُهُ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ بِهَذَا الشَّرْطِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِحَدِيثِ بَرِيرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَإِنَّهَا جَاءَتْ إلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَسْتَعِينُهَا فِي الْمُكَاتَبَةِ قَالَتْ إنْ شِئْتِ عَدَدْتُهَا لِأَهْلِكِ وَأَعْتِقُكِ فَرَضِيَتْ بِذَلِكَ فَاشْتَرَتْهَا وَأَعْتَقَتْهَا ، وَإِنَّمَا اشْتَرَتْهَا بِشَرْطِ الْعِتْقِ ، وَقَدْ أَجَازَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا وَلِأَنَّ الشِّرَاءَ بِشَرْطِ الْإِعْتَاقِ مُتَعَارَفٌ بَيْنَ النَّاسِ ; لِأَنَّ بَيْعَ الْعَبْدِ سِمَةٌ مُتَعَارَفٌ فِي الْوَصَايَا وَغَيْرِهِ وَتَفْسِيرُهُ الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْعِتْقِ وَلِأَنَّ الْعِتْقَ فِي الْمَبِيعِ قُبِضَ حَتَّى إذَا أَعْتَقَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ صَارَ قَابِضًا ، وَالْقَبْضُ مِنْ أَحْكَامِ الْعَقْدِ فَاشْتِرَاطُهُ فِي الْعَقْدِ يُلَائِمُ الْعَقْدَ وَلَا يُفْسِدُهُ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ نَهْيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ ; وَلِأَنَّ فِي هَذَا الشَّرْطِ مَنْفَعَةً لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، وَالْعَقْدُ لَا يَقْتَضِيهِ فَيَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ كَمَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يَبِيعَ يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَوْ شَرَطَ فِي الْجَارِيَةِ أَنْ يَسْتَوْلِدَهَا أَوْ فِي الْعَبْدِ أَنْ يُدَبِّرَهُ كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا فَإِذَا كَانَ اشْتِرَاطُ حَقِّ الْعِتْقِ لَهَا يُفْسِدُ الْبَيْعَ فَاشْتِرَاطُ حَقِيقَةِ الْعِتْقِ أَوْلَى وَدَعْوَاهُ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ يُلَائِمُ الْعَقْدَ لَا مَعْنَى لَهُ فَإِنَّ الْبَيْعَ مُوجِبٌ لِلْمِلْكِ وَالْعِتْقَ مُبْطِلٌ لَهُ فَكَيْفَ يَكُونُ بَيْنَهُمَا مُلَاءَمَةٌ ، ثُمَّ هَذَا الشَّرْطُ يَمْنَعُ اسْتِدَامَةَ الْمِلْكِ فَيَكُونُ ضِدَّ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْعَقْدِ وَبَيْعُ الْعَبْدِ لِسِمَةٍ 16 لَا يَكُونُ بِشَرْطِ الْعِتْقِ بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ وَعْدًا مِنْ الْمُشْتَرِي ، ثُمَّ الْبَيْعُ بِعَقْدٍ مُطْلَقًا وَهُوَ تَأْوِيلُ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَإِنَّهَا اشْتَرَتْ بَرِيرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مُطْلَقًا وَوَعَدَتْ لَهَا أَنَّ تُعْتِقَهَا لِتَرْضَى هِيَ بِذَلِكَ فَإِنَّ بَيْعَ الْمُكَاتَبَةِ لَا يَجُوزُ بِغَيْرِ رِضَاهَا فَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ الْمُشْتَرِي فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ فَيَكُونُ مَضْمُونًا بِالْقِيمَةِ عِنْدَ تَعَذُّرِ رَدِّ الْعَيْنِ .
وَإِنْ أَعْتَقَهُ فَعَلَيْهِ الثَّمَنُ الْمُسَمَّى فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ اسْتِحْسَانًا وَفِي قَوْلِهِمَا عَلَيْهِ قِيمَتُهُ وَهُوَ الْقِيَاسُ ; لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ وَقَدْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ بِإِعْتَاقِهِ فَيَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ كَمَا لَوْ تَعَذَّرَ بَيْعُهُ أَوْ اسْتِهْلَاكُهُ بِوَجْهٍ آخَرَ يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَاهَا بِشَرْطِ التَّدْبِيرِ أَوْ الِاسْتِيلَادِ كَانَتْ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ إذَا تَعَذَّرَ رَدُّهَا ثَانٍ وَفَّى بِذَلِكَ الشَّرْطِ فَكَذَا إذَا اشْتَرَى بِشَرْطِ الْعِتْقِ اعْتِبَارُ الْحَقِيقَةِ الْحُرْمَةُ بِحَقِيقَةِ الْعِتْقِ وَأَبُو حَنِيفَةَ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ : زَالَ الْمُفْسِدُ قَبْلَ تَقَرُّرِهِ فَيَجِبُ الثَّمَنُ كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ بِأَجَلٍ مَجْهُولٍ ثُمَّ أَسْقَطَهُ قَبْلَ مُضِيِّهِ ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْحُكْمَ بِفَسَادِ هَذَا الْعَقْدِ كَانَ لِمَخَافَةِ أَنْ لَا يَفِيَ الْمُشْتَرِي بِالْعِتْقِ وَلِيَكُونَ فِي الْإِقْدَامِ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ مُخْتَارًا غَيْرَ مُجْبَرٍ عَلَيْهِ ، وَقَدْ زَالَ هَذَا الْمَعْنَى حِينَ أَقْدَمَ عَلَى إعْتَاقِهِ مُخْتَارًا ، وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَا يُلَائِمُ الْعَقْدَ بِنَفْسِهِ وَلَكِنْ يُلَائِمُ الْعَقْدَ بِحُكْمِهِ ; لِأَنَّ الْعِتْقَ يُنْهِي الْمِلْكَ فَإِنَّ الْمِلْكَ فِي بَنِي آدَمَ ثَابِتٌ إلَى الْعِتْقِ فَيَكُونُ الْعِتْقُ مَنْهِيًّا لَهُ وَإِنْهَاءُ الشَّيْءِ يُقَرِّرُهُ وَلِهَذَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ بِهِ رَجَعَ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَهُ ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ شِرَاءَ الْقَرِيبِ إعْتَاقٌ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ مُتَمِّمٌ عَلَيْهِ الْعِتْقَ وَهِيَ الْمِلْكُ فَكَانَ هَذَا الشَّرْطُ مُلَائِمًا بِحُكْمِهِ لِلْعَقْدِ وَبِصُورَتِهِ غَيْرُ مُلَائِمٍ ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُجْبَرُ عَلَى إنْهَاءِ مِلْكِهِ بِالْعِتْقِ .
وَبِالشَّرْطِ يُجْبَرُ عَلَيْهِ فَلَا يُحْكَمُ بِفَسَادِ الْعَقْدِ عَلَى الثَّبَاتِ وَلَكِنَّهُ مَوْقُوفٌ ، فَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ بِوَجْهٍ آخَرَ يَتَقَرَّرُ الْفَسَادُ لِوُجُودِ صُورَةِ الشَّرْطِ دُونَ الْحُكْمِ ، وَإِنْ أَعْتَقَهُ تَتَقَرَّرَ صِفَةُ الْجَوَازِ بِاعْتِبَارِ الْمُلَاءَمَةِ بِحُكْمِ الْعَقْدِ وَهُوَ إنْهَاءُ الْمِلْكِ بِهِ فَيَلْزَمُهُ الثَّمَنُ الْمُسَمَّى وَإِنَّمَا سَمَّاهُ اسْتِحْسَانًا لِمَعْنَى التَّوَقُّفِ فِيهِ فِي الِابْتِدَاءِ وَمُخَالَفَةِ صُورَتِهِ مَعْنًى بِخِلَافِ شَرْطِ الِاسْتِيلَادِ وَالتَّدْبِيرِ فَالْمِلْكُ بِهِ لَا يَنْتَهِي ، وَمَعْنَى الْمُلَاءَمَةِ بِاعْتِبَارِ إنْهَاءِ الْمِلْكِ بِهِ فَلِهَذَا تَتَعَيَّنُ صِفَةُ الْفَسَادِ هُنَاكَ وَفَّى بِالشَّرْطِ أَوْ لَمْ يَفِ
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث