المبسوط
المبسوط · الجزء الرابع عشر
الصفحة 5261 · ص. المطبوع 94
وَعَنْ الْحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : { ۝ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشُّفْعَةِ ، وَالْجِوَارِ } وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَات بِالْجِوَارِ ، وَهُوَ دَلِيلٌ لَنَا عَلَى اسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ بِسَبَبِ الْجِوَارِ فَأَمَّا مَعْنَى اللَّفْظِ الْآخَرِ { ۝ أَنَّ الْجَارَ كَانَ مُنَازِعًا ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ بِالْجِوَارِ وَبِالشُّفْعَةِ } ، فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجِوَارَ يُسْتَحَقُّ بِهِ الشُّفْعَةُ حَتَّى سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ الْخُصُومَةَ فَقَضَى بِهِ وَبِالشُّفْعَةِ ، وَعَنْ الْحَسَنِ قَالَ : إذَا اقْتَسَمَ الْقَوْمُ الْأَرَضِينَ وَرَفَعُوا سَرَبًا بَيْنَهُمْ فَهُمْ شُفَعَاءُ ، وَبِهِ نَأْخُذُ ، فَنَقُولُ : الشَّرِكَةُ فِي السَّرَبِ تُسْتَحَقُّ بِهِ الشُّفْعَةُ ; لِأَنَّهَا شَرِكَةٌ فِي حُقُوقِ الْمَبِيعِ فَيَثْبُتُ بِاعْتِبَارِهِ حَقُّ الشُّفْعَةِ كَالشَّرِكَةِ فِي نَفْسِ الْمَبِيعِ ; لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى دَفْعِ الضَّرَرِ الْبَادِي لِسُوءِ الْمُجَاوَرَةِ يَتَحَقَّقُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ جَمِيعًا ، وَعَنْ شُرَيْحٍ قَالَ : الشُّفْعَةُ بِالْأَبْوَابِ ، فَأَقْرَبُ الْأَبْوَابِ إلَى الدَّارِ أَحَقُّ بِالشُّفْعَةِ وَلَسْنَا نَأْخُذُ بِهَذَا ، وَإِنَّمَا الشُّفْعَةُ عِنْدَنَا 94 لِلْجَارِ الْمُلَاصِقِ فَأَمَّا الْجَارُ الْمُحَاذِي ، فَلَا شُفْعَةَ لَهُ بِالْمُجَاوَرَةِ سَوَاءٌ كَانَ أَقْرَبَ بَابًا ، أَوْ أَبْعَدَ ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ قُرْبُ الْبَابِ فِي التَّقْدِيمِ فِي الشُّفْعَةِ عَلَى مَا رُوِيَ { ۝ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : إنَّ لِي جَارَيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا أَبَرُّ قَالَ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْك بَابًا . } ، وَهَذَا ; لِأَنَّ اطِّلَاعَهُ وَاطِّلَاعَ أَوْلَادِهِ عَلَى مَا يَدْخُلُ مَنْزِلَهُ مِنْ النِّعْمَةِ أَكْثَرُ ، فَهُوَ بِالْهَدِيَّةِ أَحَقُّ ، وَهَذَا تَأْوِيلُ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ كَانَ يَقُولُ فِي الْهَدَايَا : ابْدَءُوا بِجَارِنَا الْيَهُودِيِّ . } فَأَمَّا فِي الشُّفْعَةِ ، فَالْمُعْتَبَرُ هُوَ الْقُرْبُ وَاتِّصَالُ أَحَدِ الْمِلْكَيْنِ بِالْآخَرِ ، وَذَلِكَ فِي الْجَارِ الْمُلَاصِقِ دُونَ الْجَارِ الْمُحَاذِي ، فَإِنَّ بَيْنَ الْمِلْكَيْنِ طَرِيقًا نَافِذًا ، وَذُكِرَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَا : لَا شُفْعَةَ ، إلَّا لِشَرِيكٍ لَمْ يُقَاسِمْ ، وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَلَيْسَ يَأْخُذُ بِهِ أَهْلُ الْكُوفَةِ ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ رَجَعَ إلَيْهِ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، فَإِنَّهُ كَانَ فِي الِابْتِدَاءِ يَقْضِي بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ حَتَّى كَتَبَ إلَيْهِ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَهْدِيُّ يَأْمُرُهُ بِأَنْ لَا يَقْضِيَ بِالشُّفْعَةِ ، إلَّا لِشَرِيكٍ لَمْ يُقَاسِمْ فَأَخَذَ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ كَانَ عَامِلًا لَهُ وَنَحْنُ أَخَذْنَا بِقَوْلِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَقَدْ أَثْبَتَ الشُّفْعَةَ لِلْجَارِ حِينَ قَالَ : لِبَنِي عُذْرَةَ أَنْتُمْ شُفَعَاؤُنَا فِي أَمْوَالِ الْيَهُودِ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ وَأَخَذْنَا بِالْآثَارِ الْمَشْهُورَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ مَتَى صَحَّ عَنْهُ كَانَ حُجَّةً عَلَى كُلِّ صَحَابِيٍّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث