المبسوط
المبسوط · الجزء الخامس عشر
الصفحة 5580 · ص. المطبوع 108
، وَإِنْ اسْتَأْجَرَ حَمَّالًا لِيَحْمِلَ لَهُ شَيْئًا عَلَى ظَهْرِهِ ، أَوْ عَلَى دَابَّتِهِ إلَى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ فَحَمَلَهُ وَصَاحِبُهُ يَمْشِي مَعَهُ ، أَوْ لَيْسَ مَعَهُ فَانْكَسَرَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ ، أَوْ عَثَرَ فَانْكَسَرَتْ الدَّابَّةُ فَانْكَسَرَ الْمَتَاعُ ( قَالَ : ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اعْلَمْ بِأَنَّ الْحَمَّالَ أَجِيرٌ مُشْتَرَكٌ بِمَنْزِلَةِ الْقَصَّارِ ، وَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ فِعْلِهِ بِأَنْ زَحَمَهُ النَّاسُ فَفِي وُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ خِلَافٌ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ كَمَا بَيَّنَّا ، وَإِنْ تَلِفَ بِفِعْلِهِ بِأَنْ تَعَثَّرَ فَانْكَسَرَ الْمَتَاعُ فَهُوَ ضَامِنٌ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ فَإِنَّ التَّلَفَ حَصَلَ بِجِنَايَةِ يَدِهِ ، ثُمَّ عِنْدَنَا لِصَاحِبِ الْمَتَاعِ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ مَحْمُولًا إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي سَقَطَ وَأَعْطَاهُ مِنْ الْأَجْرِ بِحِصَّتِهِ ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ غَيْرَ مَحْمُولٍ وَلَا أَجْرَ لَهُ ، وَهَذَا ; لِأَنَّ الْعَمَلَ صَارَ مُسَلَّمًا إنْ كَانَ صَاحِبُهُ يَمْشِي مَعَهُ فَلَا يُشْكِلُ ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ لَا يَمْشِي مَعَهُ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُسَلَّمًا بِاتِّصَالِهِ بِمِلْكِهِ ، ثُمَّ تَغَيَّرَ قَبْلَ تَمَامِ التَّسْلِيمِ فَيَثْبُتُ الْخِيَارُ لِهَذَا وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : الصَّفْقَةُ قَدْ تَفَرَّقَتْ عَلَيْهِ فِيمَا لَمْ يَحْصُلْ الْمَقْصُودُ إلَّا بِجُمْلَتِهِ فَإِنَّ مَقْصُودَ صَاحِبِ الْمَتَاعِ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِوُصُولِ الْمَتَاعِ إلَى مَوْضِعِ حَاجَتِهِ فَإِذَا انْكَسَرَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَقَدْ انْفَسَخَ الْعَقْدُ فِيمَا بَقِيَ لِلْفَوَاتِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الصَّفْقَةَ قَدْ تَفَرَّقَتْ فَإِنْ شَاءَ رَضِيَ بِهَذَا التَّفَرُّقِ وَقَرَّرَ الْعَقْدَ فِيمَا اسْتَوْفَى مِنْ الْعَمَلِ وَأَعْطَاهُ مِنْ الْأَجْرِ بِحِصَّتِهِ ، وَإِنْ شَاءَ أَبَى ذَلِكَ وَفَسَخَ الْعَقْدَ فِي الْكُلِّ فَيُضَمِّنُهُ قِيمَتَهُ غَيْرَ مَحْمُولٍ وَلَا أَجْرَ لَهُ ; وَلِهَذَا كَانَ الْخِيَارُ لِصَاحِبِ الْمَتَاعِ وَلَوْ هَلَكَ فِي نِصْفِ الطَّرِيقِ بِغَيْرِ فِعْلِهِ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَكَانَ لَهُ نِصْفُ الْأَجْرِ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ الْعَمَلَ مِنْ الْقَصَّارِ ; لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ هُنَا صَارَ مُسَلَّمًا بِنَفْسِهِ ; وَلِهَذَا لَا يَسْتَوْجِبُ الْحَبْسَ إذَا فَرَغَ مِنْ الْعَمَلِ فَكَانَ هُوَ فِي هَذَا الْحُكْمِ كَأَجِيرِ الْوَاحِدِ بِخِلَافِ الْقَصَّارِ فَالتَّسْلِيمُ هُنَاكَ لَا يَتِمُّ بِإِقَامَةِ الْعَمَلِ بِدَلِيلِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ لِاسْتِيفَاءِ الْأَجْرِ
وَهَذَا الْفَصْلُ يُوهِنُ طَرِيقَةَ الرَّازِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ ، وَيَتَبَيَّنُ بِهِ أَنَّ الصَّحِيحَ مَا قُلْنَا أَوَّلًا مِنْ أَنَّ ثُبُوتَ الْخِيَارِ لِلتَّغَيُّرِ إلَى الْبَدَلِ وَقِيَامِ الْبَدَلِ مَقَامَ الْأَصْلِ فِي فَسْخِ الْعَقْدِ فِيهِ حَتَّى أَنَّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ; لَمَّا لَمْ يَجِبْ الْبَدَلُ وَهُوَ الضَّمَانُ لَا يُمْكِنُ فَسْخُ الْعَقْدِ فِيمَا أَقَامَ مِنْ الْعَمَلِ فَكَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ بِحِصَّةِ ذَلِكَ وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ فِي الْكِرَاءِ إلَى مَكَّةَ لَا يُعْطَى شَيْئًا مِنْ كِرَائِهِ حَتَّى يَرْجِعَ مِنْ مَكَّةَ ، وَكَذَلِكَ 108 كَأَنْ يَقُولُ فِي جَمِيعِ مَنْ يُحَمِّلُ الْحُمُولَةَ عَلَى ظَهْرِهِ ، أَوْ عَلَى دَابَّتِهِ ، أَوْ سَفِينَةٍ ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : كُلُّ مَا صَارَ مَسِيرًا لَهُ مِنْ الْأَجْرِ شَيْءٌ مَعْرُوفٌ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَسَوَاءٌ كَانَ الْأَجْرُ دَرَاهِمَ ، أَوْ ثَوْبًا ، أَوْ عَبْدًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْأُجْرَةَ لَا تُمْلَكُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَلَا يَجِبُ تَسْلِيمُهَا بِهِ عِنْدَنَا عَيْنًا كَانَ ، أَوْ دَيْنًا وَإِنَّمَا تُمْلَكُ بِأَحَدِ مَعَانٍ ثَلَاثَةٍ إمَّا التَّعْجِيلُ ، أَوْ شَرْطُ التَّعْجِيلِ ، أَوْ اسْتِيفَاءُ مَا يُقَابِلُهُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تُمْلَكُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَيَجِبُ تَسْلِيمُهَا عِنْدَ تَسْلِيمِ الدَّارِ ، أَوْ الدَّابَّةِ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَحُجَّتُهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ هَذَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَمُطْلَقُهُ يُوجِبُ مِلْكَ الْبَدَلِ بِنَفْسِهِ كَعَقْدِ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَهَذَا ; لِأَنَّ مَا هُوَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الْمَنْفَعَةُ وَمَنْفَعَةُ الْعَيْنِ فَكَمَا يُمْلَكُ الْبَدَلُ فِي الْعَقْدِ الْوَارِدِ عَلَى الْعَيْنِ بِنَفْسِهِ ، فَكَذَلِكَ فِي الْعَقْدِ الْوَارِدِ عَلَى الْمَنْفَعَةِ
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمَنْفَعَةَ فِي حُكْمِ الْعَيْنِ صِحَّةُ الِاسْتِئْجَارِ بِأُجْرَةٍ مُؤَجَّلَةٍ وَمَا لَيْسَ بِعَيْنٍ فَهُوَ دَيْنٌ وَالدَّيْنُ بِالدَّيْنِ حَرَامٌ فِي الشَّرْعِ وَهَذَا ; لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ ، وَإِنْ كَانَتْ مَعْدُومَةً عِنْدَ الْعَقْدِ حَقِيقَةً فَقَدْ جُعِلَتْ كَالْمَوْجُودَةِ حُكْمًا بِدَلِيلِ جَوَازِ الْعَقْدِ وَلُزُومِهِ وَعَقْدُ الْمُعَاوَضَةِ عَلَى الْمَعْدُومِ لَا يَنْعَقِدُ وَلَا يُلْتَزَمُ وَلِلشَّرْعِ وِلَايَةٌ أَنْ يَجْعَلَ الْمَعْدُومَ حَقِيقَةً مَوْجُودًا حُكْمًا لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهِ كَمَا جَعَلَ النُّطْفَةَ فِي الرَّحِمِ وَلَا حَيَاةَ فِيهَا كَالْحَيِّ حُكْمًا فِي حَقِّ الْإِرْثِ وَالْعِتْقِ وَالْوَصِيَّةِ وَكَمَا جُعِلَ الْحَيُّ حَقِيقَةً كَالْمَيِّتِ حُكْمًا وَالْمُرْتَدِّ اللَّاحِقِ بِدَارِ الْحَرْبِ وَإِذَا صَارَتْ مَوْجُودَةً حُكْمًا الْتَحَقَتْ بِالْمَوْجُودِ حَقِيقَةً فَتَصِيرُ مَمْلُوكَةً بِالْعَقْدِ وَكَمَا يَصِيرُ مَمْلُوكًا بِالْعَقْدِ حُكْمًا يَصِيرُ مُسَلَّمًا بِتَسْلِيمِ الدَّارِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ بِالْإِجَارَةِ مِنْ الْغَيْرِ وَأَنَّهُ لَوْ اسْتَأْجَرَ دَارَيْنِ فَانْهَدَمَتْ إحْدَاهُمَا بِالْقَبْضِ لَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ فِي رَدِّ الْأُخْرَى لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ بَعْدَ التَّمَامِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْقَبْضِ وَأَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى سُكْنَى دَارٍ سَنَةً فَسَلَّمَ الدَّارَ إلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَحْبِسَ نَفْسَهَا لِاسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ تَسْلِيمِ الدَّارِ إلَيْهَا وَلَا يَدْخُلُ عَلَى هَذَا مَا إذَا انْهَدَمَتْ الدَّارُ فَإِنَّ الْمَنْفَعَةَ لَا تَتْلَفُ فِي ضَمَانِ الْمُسْتَأْجِرِ ; لِأَنَّا جَعَلْنَاهَا كَالْمَوْجُودَةِ الْمُسَلَّمَةِ بِاعْتِبَارِ عَرَضِيَّةِ الْوُجُودِ فِي الْمُدَّةِ وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ بِانْهِدَامِ الدَّارِ وَهُوَ كَمَا لَوْ جَعَلْنَا النُّطْفَةَ فِي الرَّحِمِ كَالْحَيِّ لِكَوْنِهَا مُعَدَّةً لِذَلِكَ فَإِنْ زَالَ ذَلِكَ بِالِانْفِصَالِ مَيِّتًا بَطَلَ حُكْمُ الْعِتْقِ وَالْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ لَهُ لِانْعِدَامِ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ جُعِلَ كَالْمَوْجُودِ
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْأُجْرَةَ تُمْلَكُ بِشَرْطِ التَّعْجِيلِ وَلَوْ كَانَ مُقْتَضَى مُطْلَقِ الْعَقْدِ تَأَخُّرُ الْمِلْكِ فِي الْأَجْرِ أَوْ لَمْ تُجْعَلْ الْمَنْفَعَةُ كَالْمَوْجُودَةِ حُكْمًا ; لَمَا وَجَبَ الْأَجْرُ بِالشَّرْطِ كَمَا قُلْتُمْ فِي الْإِجَارَةِ الْمُضَافَةِ إلَى وَقْتٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَلِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِي الْبَابِ أَنْ تُقَامَ عَيْنُ الدَّارِ مَقَامَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي 109 حَقِّ انْعِقَادِ الْعَقْدِ ، فَكَذَلِكَ فِي مِلْكِ الْبَدَلِ كَعَقْدِ السَّلَمِ فَإِنَّ الذِّمَّةَ لَمَّا أُقِيمَتْ مَقَامَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ هُنَاكَ فِي انْعِقَادِ الْعَقْدِ وَلُزُومِهِ مَلَكَ الْبَدَلَ بِهِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ هَذَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَيَقْتَضِي تَقَابُلَ الْبَدَلَيْنِ فِي الْمِلْكِ وَالتَّسْلِيمِ كَعَقْدِ الْبَيْعِ ، ثُمَّ أَحَدُ الْبَدَلَيْنِ وَهُوَ الْمَنْفَعَةُ لَمْ تَصِرْ مَمْلُوكَةً بِنَفْسِ الْعَقْدِ ، فَكَذَلِكَ الْأُجْرَةُ وَهَذَا ; لِأَنَّهُ مَعْدُومٌ فِي نَفْسِهِ ، وَالْمِلْكُ مِنْ صِفَاتِ الْمَوْجُودَاتِ فَالْمَعْدُومُ لَا يُوصَفُ بِشَيْءٍ سِوَى أَنَّهُ مَعْدُومٌ وَالْمِلْكُ عِبَارَةٌ عَنْ الْقُدْرَةِ فَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ عَلَى الْمَعْدُومِ وَإِذَا لَمْ يَمْلِكْ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ فَلَوْ مَلَكَ الْبَدَلِ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، وَذَلِكَ لَيْسَ بِقَضِيَّةِ الْمُعَاوَضَةِ ، ثُمَّ عِنْدَ الْحُدُوثِ تُمْلَكُ الْمَنْفَعَةِ بِعَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ بِغَيْرِ عِوَضٍ ; لِأَنَّ الْعِوَضَ كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ مِنْ قَبْلُ وَمِلْكُهُ لَا يَكُونُ عِوَضًا عَنْ مِلْكِهِ وَلَا وَجْهَ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْمَنَافِعَ الَّتِي تَحْدُثُ فِي الْمُدَّةِ تُجْعَلُ مَوْجُودَةً حُكْمًا ; لِأَنَّهُ إنَّمَا يُقَدَّرُ الشَّيْءُ حُكْمًا إذَا كَانَ يُتَصَوَّرُ حَقِيقَةً كَمَا فِيمَا اسْتَشْهَدُوا بِهِ فَإِنَّ الْحَيَّ يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْمَوْتُ وَالْمَيِّتَ يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْحَيَاةُ وَلَا تَصَوُّرَ لِوُجُودِ الْمَنَافِعِ الَّتِي تَحْدُثُ فِي الْمُدَّةِ جُمْلَةً فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَدَّرَ حُكْمًا ، فَأَمَّا جَوَازُ الْعَقْدِ لَيْسَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمَنْفَعَةَ تُجْعَلُ مَوْجُودَةً حُكْمًا
وَكَيْف يُقَالُ هَذَا وَالْمَوْجُودُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ حَقِيقَةً لَا يَقْبَلُ الْعَقْدَ فَإِنَّ الْمَنْفَعَةَ عَرَضٌ لَا يُتَصَوَّرُ بَقَاؤُهَا وَقْتَيْنِ وَالتَّسْلِيمَ بِحُكْمِ الْعَقْدِ يَكُونُ عَقِيبَهُ وَالْجُزْءَ الْمَوْجُودَ حَقِيقَةً لَا بَقَاءَ لَهُ لِيُسَلَّمَ عَقِيبَ الْعَقْدِ وَمَا لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ التَّسْلِيمُ بِحُكْمِ الْعَقْدِ لَا يَكُونُ مَحَلًّا لِعُقُودِ الْمُعَاوَضَةِ ، فَلَوْ جَعَلْنَاهَا كَالْمَوْجُودَةِ حَقِيقَةً لَمْ تَقْبَلْ الْعَقْدَ فَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ جَوَازَ الْعَقْدِ لَمْ يَكُنْ بِالطَّرِيقِ الَّذِي قَالَهُ الْخَصْمُ بَلْ بِأَحَدِ الطَّرِيقِينَ إمَّا بِإِقَامَةِ عَيْنِ الدَّارِ الْمُنْتَفَعِ بِهَا مَقَامَ الْمَنْفَعَةِ فِي حَقِّ صِحَّةِ الْإِيجَابِ ، ثُمَّ انْعِقَادُ الْعَقْدِ حَقُّ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي حُكْمِ الْمُضَافِ إلَى وَقْتِ الْحُدُوثِ وَهُوَ مَعْنَى مَا قُلْنَا إنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ فِي حُكْمِ عُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ يَتَجَدَّدُ انْعِقَادُهَا بِحَسَبِ مَا يَحْدُثُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ وَهَذَا ; لِأَنَّ الْإِيجَابَ بَعْدَ الْوُجُودِ لَا يَتَحَقَّقُ ، وَحُكْمُ الِانْعِقَادِ بَعْدَ الْإِيجَابِ يَحْتَمِلُ التَّأْخِيرَ فِي حُكْمِ الْمَحَلِّ كَالطَّلَاقِ الْمُضَافِ وَالْعِتْقِ الْمُضَافِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْمُزَارَعَةِ عَلَى أَصْلِ الْخَصْمِ وَالْمُضَارَبَةِ بِالِاتِّفَاقِ ، أَوْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ الْإِيجَابُ بَعْدَ وُجُودِ الْمَنْفَعَةِ سَقَطَ اعْتِبَارُ الْوُجُودِ فِيهِ شَرْعًا لِانْعِقَادِ الْعَقْدِ تَيْسِيرًا وَلَكِنْ عَرَضِيَّةُ الْوُجُودِ بِكَوْنِ الْعَيْنِ مُنْتَفَعًا بِهَا تَكْفِي لِانْعِقَادِ الْعَقْدِ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ رَضِيعَةً صَحَّ النِّكَاحُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ عَرَضِيَّةَ الْوُجُودِ فِيمَا هُوَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ وَهُوَ مِلْكُ الْحِلِّ يُقَامُ مَقَامَ الْوُجُودِ وَعَلَى الطَّرِيقَيْنِ جَمِيعًا إقَامَةُ الشَّيْءِ مَقَامَ غَيْرِهِ تَكُونُ بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ فَتُقَدَّرُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي مِلْكِ الْبَدَلِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ ; لِأَنَّ الْمِلْكَ حُكْمُ السَّبَبِ وَالْحُكْمُ قَدْ يَتَأَخَّرُ عَنْ السَّبَبِ وَإِنَّمَا الشَّرْطُ أَنْ لَا يَخْلُوَ السَّبَبُ عَنْ الْحُكْمِ ، فَأَمَّا أَنْ يَقْتَرِنَ . 110 بِهِ فَلَا وَفِي حُكْمِ مِلْكِ الْبَدَلِ لَا ضَرُورَةَ فَاعْتَبَرْنَا مَا هُوَ الْأَصْلُ وَهُوَ أَنْ يَتَأَخَّرَ إلَى وُجُودِ الْمِلْكِ فِيمَا يُقَابِلُهُ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ قَبْلَ تَسْلِيمِ الدَّارِ لَا يَجِبُ تَسْلِيمُ الْأَجْرِ وَلَوْ جُعِلَتْ الْمَنْفَعَةُ كَالْعَيْنِ لَكَانَ أَوَّلُ التَّسْلِيمَيْنِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ كَالثَّمَنِ فِي بَيْعِ الْعَيْنِ وَلَا يَقُولُ : إنَّ الْمَنْفَعَةَ دَيْنٌ فَإِنَّ الدَّيْنَ مَحَلُّهُ الذِّمَّةُ وَهُوَ لَا يَلْتَزِمُ الْمَنْفَعَةَ فِي الذِّمَّةِ فَكَيْف نَقُولُ ذَلِكَ
وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ الْعَدَمُ عِنْدَ الْعَقْدِ فَمَا يَكُونُ دَيْنًا فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَوْجُودِ بِوُجُودِ مَحَلِّهِ وَلِهَذَا جَعَلْنَا الْمُسْلَمَ فِيهِ مَمْلُوكًا بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَجَعَلْنَا بَدَلَهُ مَمْلُوكًا حَتَّى وَجَبَ عَلَى رَبِّ السَّلَمِ تَسْلِيمُهُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَهَذَا بِخِلَافِ النِّكَاحِ فَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ هُنَاكَ الْعَيْنُ وَالْمِلْكُ فِي بَابِ النِّكَاحِ لَا يَحْتَمِلُ التَّأَخُّرَ عَنْ السَّبَبِ فَلِهَذِهِ الضَّرُورَةِ جَعَلْنَاهُ كَالْمَوْجُودِ فِي حُكْمِ الْمِلْكِ
فَأَمَّا إذَا شَرَطَ التَّعْجِيلَ فَنَقُولُ امْتِنَاعُ الْمِلْكِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ كَانَ بِمُقْتَضَى مُطْلَقِ الْمُعَاوَضَةِ ، وَذَلِكَ يَتَغَيَّرُ بِالشَّرْطِ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ فَإِنَّ مُقْتَضَى مُطْلَقِ الْعَقْدِ مِلْكُ الْمَبِيعِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ ، ثُمَّ يَتَأَخَّرُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ وَمُقْتَضَى مُطْلَقِ الْبَيْعِ وُجُوبُ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ ، ثُمَّ يَتَعَيَّنُ شَرْطُ الْأَجَلِ بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ الْمُضَافَةِ فَإِنَّ امْتِنَاعَ ثُبُوتِ الْمِلْكِ هُنَا لَيْسَ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ بَلْ بِالتَّصْرِيحِ بِالْإِضَافَةِ إلَى وَقْتٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَالْمُضَافُ إلَى وَقْتٍ لَا يَكُونُ مَوْجُودًا قَبْلَ ذَلِكَ الْوَقْتِ فَلَا يَتَغَيَّرُ هَذَا الْمَعْنَى بِالشَّرْطِ ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يُمْلَكُ بِشَرْطِ التَّعْجِيلِ ثَبَتَ أَنَّهُ يُمْلَكُ بِالتَّعْجِيلِ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ فَوْقَ اشْتِرَاطِ التَّعْجِيلِ ، وَذَلِكَ ; لِأَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ بِالْقَبْضِ وَلِلْقَبْضِ تَأْثِيرٌ فِي إثْبَاتِ الْمِلْكِ فِيمَا لَمْ يُمْلَكْ بِنَفْسِ الْعَقْدِ كَمَا فِي الْهِبَةِ ، وَنَفَقَةُ الزَّوْجَةِ تُمْلَكُ بِالْقَبْضِ لِمُدَّةٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَلَا يُمْلَكُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ ، ثُمَّ كَمَا لَا ضَرُورَةَ فِي الْمِلْكِ لَا ضَرُورَةَ فِي التَّسْلِيمِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَتَأَخَّرُ التَّسْلِيمُ عَنْ الْعَقْدِ فَلَا يُجْعَلُ مُسَلِّمًا بِتَسْلِيمِ الدَّارِ وَهَذَا ; لِأَنَّ تَأْثِيرَ التَّسْلِيمِ بِحُكْمِ الْمُعَاوَضَةِ فِي نَقْلِ الضَّمَانِ
وَلَمَّا لَمْ يَنْتَقِلْ إلَى ضَمَانِ الْمُسْتَأْجِرِ عَرَفْنَا أَنَّهُ لَمْ يَصِرْ مُسَلَّمًا إلَيْهِ وَجَوَازُ تَصَرُّفِهِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ تَصَرُّفُ الْآخَرِ لِعَجْزِهِ عَنْ التَّصَرُّفِ بَعْدَ الْوُجُودِ حَقِيقَةً كَمَا بَيَّنَّا ، وَكَذَلِكَ فِي حُكْمِ تَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ ; فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ ذَلِكَ عِنْدَ الْقَبْضِ حَقِيقَةً فَتُقَامُ الدَّارُ فِيهِ مَقَامَهُ كَمَا فِي حُكْمِ التَّصَرُّفِ وَصِحَّةُ تَسْمِيَةِ الْمَنْفَعَةِ صَدَاقًا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ صِحَّةُ الْعَقْدِ مِلْكُ الْمُسَمَّى بِنَفْسِ الْعَقْدِ ; فَإِنَّهُ فِي حُكْمِ الْبَيْعِ عِنْدَنَا وَلِهَذَا لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى عَبْدِ الْغَيْرِ صَحَّتْ التَّسْمِيَةُ وَيَتَأَخَّرُ الْمِلْكُ إلَّا أَنْ يُحَصِّلَ الزَّوْجُ مِلْكُ الْعَقْدُ لِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ مُجَرَّدُ تَسْلِيمِ الدَّارِ فِي سُقُوطِ حَقِّهَا فِي الْحَبْسِ لِوُجُودِ الرِّضَاءِ مِنْهَا بِذَلِكَ فَإِنَّهَا لَمَّا جَعَلَتْ الصَّدَاقَ الْمَنَافِعَ الَّتِي تُوجَدُ فِي الْمُدَّةِ مَعَ عِلْمِهَا أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ تَسْلِيمُهَا جُمْلَةً فَقَدْ صَارَتْ رَاضِيَةً بِسُقُوطِ حَقِّهَا فِي الْحَبْسِ عِنْدَ تَسْلِيمِ الدَّارِ إلَيْهَا لَتُحْدِثُ الْمَنْفَعَةَ عَلَى مِلْكِهَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا 111 بِمَهْرٍ مُنَجَّمٍ وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ أَوَّلًا فِي الْكِرَاءِ إلَى مَكَّةَ لَا يُعْطِيهِ شَيْئًا مِنْ الْكِرَاءِ حَتَّى يَرْجِعَ مِنْ مَكَّةَ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ ; لِأَنَّ مَقْصُودَهُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ ، وَوُجُوبُ تَسْلِيمِ الْأَجْرِ بَعْدَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ خَيَّاطًا لِيَخِيطَ لَهُ ثَوْبًا لَا يَلْزَمُهُ إيفَاءُ الْأَجْرِ مَا لَمْ يَفْرُغْ مِنْ الْعَمَلِ ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : كُلَّمَا سَارَ مَسِيرًا لَهُ مِنْ الْأَجْرِ شَيْءٌ مَعْرُوفٌ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ ; لِأَنَّ الْعَمَلَ بِحَسَبِهِ يَصِيرُ مُسَلَّمًا وَإِنَّمَا يَجِبُ تَسْلِيمُ الْأَجْرِ عِنْدَ تَسْلِيمِ مَا يُقَابِلُهُ وَكَانَ يَنْبَغِي فِي الْقِيَاسِ أَنَّهُ كُلَّمَا سَارَ شَيْئًا وَلَوْ خَطْوَةً يَجِبُ تَسْلِيمُ مَا يُقَابِلُهُ مِنْ الْأَجْرِ وَلَكِنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ لَا يُعْرَفُ فَلَوْ أَخَذْنَا بِالْقِيَاسِ لَمْ نَتَفَرَّغْ إلَى شُغْلٍ آخَرَ بَلْ يُسَلِّمُ الْأَجْرَ فِي كُلِّ سَاعَةٍ بِقَدْرِ مَا يَسْتَوْفِي مِنْ الْعَمَلِ وَذَلِكَ بَعِيدٌ وَكَانَ الْكَرْخِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : كُلَّمَا سَارَ مَرْحَلَةً أَوْفَى حِصَّتَهُ مِنْ الْأَجْرِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ : إذَا سَارَ ثُلُثَ الطَّرِيقِ طَالَبَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الْأَجْرِ ; لِأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ الطَّرِيقِ قَدْ يَكْتَرِي الْمَرْءُ فِيهِ دَابَّةً ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلَى أُخْرَى
وَعَلَى هَذَا لَوْ اسْتَأْجَرَ دَارًا مُدَّةً مَعْلُومَةً فَفِي قَوْلِهِ الْأَوَّل مَا لَمْ تَنْتَهِ الْمُدَّةُ لَا يَجِبُ تَسْلِيمُ الْأَجْرِ وَفِي قَوْلِهِ الْآخَرِ إذَا مَضَى مِنْ الْمُدَّةِ مَا لَهُ حِصَّةٌ مَعْلُومَةٌ مِنْ الْأَجْرِ يَجِبُ إيفَاءُ الْأَجْرِ بِحِسَابِهِ فَالْكَرْخِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَدَّرَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ ، وَإِنْ عَجَّلَ الْأَجْرَ كُلَّهُ فَهُوَ جَائِزٌ ; لِأَنَّهُ أَخَذَ بِالْفَضْلِ وَأَوْفَى قَبْلَ وُجُوبِ الْإِيفَاءِ فَهُوَ كَمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ إذَا عَجَّلَهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا عَجَّلَ مِنْ الْأَجْرِ ; لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ مَلَكَ ذَلِكَ بِالْقَبْضِ بَعْدَ انْعِقَادِ الْعَقْدِ فَلَا يَرْجِعُ فِيهِ حَالَ بَقَاءِ الْعَقْدِ ، وَإِنْ أَشَرَطَ فِي الْعَقْدِ أَنْ لَا يُسَلِّمَ الْأَجْرَ حَتَّى يَرْجِعَ ، أَوْ حَتَّى تَنْتَهِيَ الْمُدَّةُ فَهُوَ جَائِزٌ أَمَّا فِي قَوْلِهِ الْأَوَّلِ فَهَذَا شَرْطٌ يُوَافِقُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَفِي قَوْلِهِ الْآخَرِ هَذَا اشْتِرَاطُ الْأَجَلِ فِي الْأَجْرِ وَالْأَجْرُ قِيَاسُ الثَّمَنِ يَثْبُتُ الْأَجَلُ فِيهِ إذَا كَانَ دَيْنًا وَلَا يَصِحُّ التَّأْجِيلُ فِيهِ إذَا كَانَ عَيْنًا
وَلَوْ أَبْرَأَهُ عَنْ جَمِيع الْأَجْرِ ، أَوْ وَهَبَهُ لَهُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ دَيْنًا لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَصَحَّ فِي قَوْلِهِ الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَلَا تَبْطُلُ بِهِ الْإِجَارَةُ ، وَإِنْ كَانَ عَيْنًا لَمْ يَصِحُّ حَتَّى يَقْبَلَ الْآخَرُ فَإِنْ قَبِلَ بَطَلَتْ الْإِجَارَةُ ; لِأَنَّ الْمُعَيَّنَ مِنْ الْأَجْرِ كَالْمَبِيعِ ، وَالْمُشْتَرِي إذَا وَهَبَ الْمَبِيعَ مِنْ الْبَائِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا تَصِحُّ الْهِبَةُ مَا لَمْ يَقْبَلْ فَإِذَا قَبِلَ انْفَسَخَ الْعَقْدُ ، فَأَمَّا إذَا كَانَ دَيْنًا فَمِنْ أَصْحَابِنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ مَنْ يَقُولُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يَجِبُ الْأَجْرُ بِالْعَقْدِ مُؤَجَّلًا وَالْإِبْرَاءُ عَنْ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ صَحِيحٌ وَفِي قَوْلِهِ الْآخَرِ لَا يَجِبُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ عَيْنًا كَانَ ، أَوْ دَيْنًا وَالْإِبْرَاءُ قَبْلَ الْوُجُوبِ لَا يَصِحُّ وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ 112 بَنَوْا مَسْأَلَةَ الْمُصَارَفَةِ عَلَى هَذَا وَلَكِنَّ هَذَا شَيْءٌ لَا يُرْوَى عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ نَصًّا وَفِي الْجَامِعِ بَنَى الْمَسَائِلَ عَلَى أَنَّ الْأَجْرَ لَا يَجِبُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ عَيْنًا كَانَ ، أَوْ دَيْنًا وَلَكِنَّ وَجْهَ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ أَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ هُوَ الْعَقْدُ ، وَالْعَقْدُ مُنْعَقِدٌ إلَّا أَنَّ الْوُجُوبَ تَأَخَّرَ لِتَأَخُّرِ مَا يُقَابِلُهُ وَالْإِبْرَاءُ بَعْدَ وُجُوبِ سَبَبِ الْوُجُوبِ صَحِيحٌ ، كَالْإِبْرَاءِ عَنْ نَفَقَةِ الْعِدَّةِ مَشْرُوطًا فِي الْخُلْعِ وَهَذَا ; لِأَنَّ السَّبَبَ لَمَّا اُعْتُبِرَ فِي جَوَازِ أَدَاءِ الْوَاجِبِ وَأُقِيمَ مَقَامَ الْوُجُوبِ فَكَذَلِكَ فِي الْإِسْقَاطِ وَجْهُ قَوْلِهِ الْآخَرِ أَنَّ الْإِبْرَاءَ إسْقَاطٌ وَإِسْقَاطُ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ لَا يَتَحَقَّقُ وَالْهِبَةُ تَمْلِيكٌ وَتَمْلِيكُ مَا لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لَا يَصِحُّ
وَلَوْ جَازَ الْإِبْرَاءُ وَبَقِيَ الْعَقْدُ بِمِلْكِ الْمُسْتَأْجِرِ الْمَنْفَعَةَ عِنْدَ الِاسْتِيفَاءِ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَهَذَا يُخَالِفُ قَضِيَّةَ الْإِجَارَةِ فَإِنَّهُ مِنْ حُكْمِ الْإِعَارَةِ ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْإِبْرَاءَ عَنْ بَعْضِ الْأُجْرَةِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ شَيْءٍ مِنْ الْمَنْفَعَةِ صَحِيحٌ ; لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْحَطِّ فَيَلْتَحِقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ ، وَيَصِيرُ كَأَنَّهُ عَقَدَ فِي الِابْتِدَاءِ بِمَا بَقِيَ وَلَوْ بَاعَهُ بِالْأَجْرِ مَتَاعًا وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ فَهُوَ جَائِزٌ ; لِأَنَّ الشِّرَاءَ لَا يَتَعَلَّقُ بِالدَّيْنِ الْمُضَافِ إلَيْهِ بَلْ بِمِثْلِهِ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ .
( أَلَا تَرَى ) أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى بِالدَّيْنِ الْمَظْنُونِ شَيْئًا ، ثُمَّ تَصَادَقَا عَلَى أَنْ لَا دَيْنَ بَقِيَ الشِّرَاءُ صَحِيحًا ، ثُمَّ لَمَّا اتَّفَقَا عَلَى الْمُقَاصَّةِ بِالْأَجْرِ مَعَ عِلْمِهِمَا بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ فَكَأَنَّهُمَا شَرَطَا تَعْجِيلَ الْأَجْرِ وَيُجْعَلُ ذَلِكَ مُضْمَرًا فِي كَلَامِهِمَا لِتَحْصِيلِ مَقْصُودِهِمَا كَمَا إذَا قَالَ : اعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ يُجْعَلُ التَّمْلِيكُ مُضْمَرًا لِتَحْصِيلِ مَقْصُودِهِمَا فَيَصِيرُ الْأَجْرُ بِالثَّمَنِ قِصَاصًا بِهَذَا الطَّرِيقِ وَلَا يَكُونُ لِلْبَائِعِ حَقُّ حَبْسِ الْمَبِيعِ بِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ ، فَإِنْ لَمْ يُوَفِّهِ الْعَمَلَ لِعُذْرٍ رَجَعَ عَلَيْهِ بِالدَّرَاهِمِ دُونَ الْمَتَاعِ ; لِأَنَّهُ لَمَّا انْفَسَخَ الْعَقْدُ بَعْدَمَا صَارَ مُسْتَوْفِيًا لِلْأَجْرِ بِالْمُقَاصَّةِ وَجَبَ رَدُّ مَا اسْتَوْفَى كَمَا لَوْ اسْتَوْفَاهُ حَقِيقَةً
أَوْ لَمَّا انْفَسَخَ الْعَقْدُ ظَهَرَ أَنَّ الْأَجْرَ غَيْرُ وَاجِبٍ وَأَنَّ الْمُقَاصَّةَ لَا تَقَعُ بِهِ وَلَكِنَّ أَصْلَ الشِّرَاءِ بَقِيَ صَحِيحًا بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهِ فَيُطَالِبُهُ بِالثَّمْنِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث