المبسوط
المبسوط · الجزء السادس عشر
الصفحة 5930 · ص. المطبوع 105
. وَإِذَا رَأَى الْقَاضِي وَهُوَ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ ، أَوْ غَيْرِهِ رَجُلًا يَزْنِي أَوْ يَسْرِقُ ، أَوْ يُشْرِبُ الْخَمْرَ ، ثُمَّ رُفِعَ إلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدَّ فِي الْقِيَاسِ ; لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ بِاكْتِسَابِهِ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلْحَدِّ عَلَيْهِ وَالْعِلْمُ الَّذِي اسْتَفَادَهُ بِمُعَايَنَةِ السَّبَبِ فَوْقَ الْعِلْمِ الَّذِي يَحْصُلُ لَهُ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مُحْتَمَلُ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا يُقِيمُ عَلَيْهِ الْحَدَّ حَتَّى لَوْ شَهِدَ الشُّهُودُ عِنْدَهُ بِذَلِكَ عَلَيْهِ ، أَوْ يُقِرُّ بِذَلِكَ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَوْ رَأَيْتَ رَجُلًا عَلَى حَدٍّ ، ثُمَّ وُلِّيتَ هَلْ تُقِيمُهُ عَلَيْهِ قَالَ لَا حَتَّى يَشْهَدَ مَعِي غَيْرِي فَقَالَ أَصَبْتَ وَعَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُجَوِّزُ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّ الْحُدُودَ الَّتِي هِيَ مِنْ خَالِصِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى يَسْتَوْفِيهَا الْإِمَامُ عَلَى سَبِيلِ النِّيَابَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ خَصْمٌ يُطَالِبُ بِهِ مِنْ الْعِبَادِ فَلَوْ اكْتَفَى بِعِلْمِ نَفْسِهِ فِي الْإِقَامَةِ رُبَّمَا يَتَّهِمُهُ بَعْضُ النَّاسِ بِالْجَوْرِ وَالْإِقَامَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَهُوَ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَصُونَ نَفْسَهُ عَنْ ذَلِكَ ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْقِصَاصِ وَحْدِ الْقَذْفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ ; لِأَنَّ هُنَاكَ خَصْمٌ يُطَالِبُ بِهِ مِنْ الْعِبَادِ وَبِوُجُودِهِ تَنْتَفِي التُّهْمَةُ عَنْ الْقَاضِي فَكَانَ مُصَدَّقًا فِيمَا زَعَمَ أَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ تَوْضِيحُ الْفَرْقِ أَنَّ الْمُقِرَّ بِالْحُدُودِ الَّتِي هِيَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى إذَا رَجَعَ صَحَّ رُجُوعُهُ وَلَمْ يَكُنْ لِلْقَاضِي وِلَايَةُ الْإِقَامَةِ لِوُقُوعِ التَّعَارُضِ بَيْنَ خَبَرَيْهِ . فَكَذَلِكَ إذَا أَخْبَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ ، وَأَنْكَرَهُ الرَّجُلُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُقِيمَهُ لِلتَّعَارُضِ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ فَكُلُّ مُسْلِمٍ أَمِينٌ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ; وَلِهَذَا ضَمَّنَهُ فِي السَّرِقَةِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ حَقُّ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ وَلَا يَعْمَلُ الرُّجُوعُ فِيهِ عَنْ الْإِقْرَارِ
105 فَأَمَّا حَدُّ الْقَذْفِ وَالْقِصَاصُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ وَالرُّجُوعِ فِيهِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ بَاطِلٌ وَلِلْقَاضِي أَنْ يُلْزِمَهُ ذَلِكَ بِإِقْرَارِهِ . فَكَذَلِكَ لَهُ أَنْ يُلْزِمَهُ بِمُعَايَنَتِهِ سَبَبَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ مُعَايَنَتَهُ السَّبَبَ أَقْوَى فِي إفَادَةِ الْعِلْمِ مِنْ إقْرَارِ الْمُقِرِّ بِهِ ، وَهَذَا إذَا رَأَى ذَلِكَ فِي مِصْرِهِ الَّذِي هُوَ قَاضٍ فِيهِ بَعْدَ مَا قُلِّدَ الْقَضَاءَ . فَأَمَّا إذَا كَانَ رَأَى ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَتَقَلَّدَ الْقَضَاءَ ، ثُمَّ اسْتَقْصَى فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِعِلْمِهِ فِي ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِعِلْمِهِ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّ عِلْمَهُ بِمُعَايَنَةِ السَّبَبِ لَا يَخْتَلِفُ بِمَا بَعْدَ أَنْ يَسْتَقْصِيَ وَقَبْلَهُ وَهُوَ أَقْوَى مِنْ الْعِلْمِ الَّذِي يَحْصُلُ لَهُ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ فَإِنَّ مُعَايَنَةَ السَّبَبِ تُفِيدُهُ عِلْمَ الْيَقِينِ وَشَهَادَةُ الشُّهُودِ لَا تُفِيدُهُ ذَلِكَ .
فَإِذَا جَازَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ عِنْدَهُ فَلَأَنْ يَجُوزَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِعِلْمِ نَفْسِهِ أَوْلَى وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَشُرَيْحٍ رَحِمَهُ اللَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ أَتَى شُرَيْحٌ رَحِمَهُ اللَّهُ مِثْلَهَا ، وَأَنَا شَاهِدٌ فَقَالَ أَنْتَ الْأَمِيرُ حَتَّى أَشْهَدَ لَك فَقَالَ أَنْشُدُك بِاَللَّهِ أَنْ يَذْهَبَ حَقِّي ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ فَقَالَ أَنْتَ الْأَمِيرُ حَتَّى أَشْهَدَ لَك وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ حِينَ عَايَنَ السَّبَبَ فَقَدْ اسْتَفَادَ بِهِ عِلْمَ الشَّهَادَةِ وَبِأَنْ اسْتَقْصَى بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَزْدَادُ عِلْمُهُ بِذَلِكَ وَعِلْمُ الْقَضَاءِ فَوْقَ عِلْمِ الشَّهَادَةِ فَإِنَّ عِلْمَ الْقَضَاءِ مُلْزِمٌ وَالشَّهَادَةُ بِدُونِ الْقَضَاءِ لَا تَكُونُ مُلْزِمَةً بِخِلَافِ مَا إذَا رَأَى وَهُوَ قَاضٍ ; لِأَنَّهُ اسْتَفَادَ عِلْمَ الْقَضَاءِ هُنَاكَ بِمُعَايَنَةِ السَّبَبِ وَالدَّلِيلُ عَلَى الْفَرْقِ أَنَّ مَا يَسْتَفِيدُ مِنْ الْعِلْمِ بِمُعَايَنَةِ السَّبَبِ وَمَا يَسْتَفِيدُهُ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ عِنْدَهُ فِي الْحُكْمِ سَوَاءٌ ، ثُمَّ شَهَادَةُ الشُّهُودِ عِنْدَهُ بَعْدَ مَا اسْتَقْصَى تُفِيدُهُ عِلْمَ الْقَضَاءِ وَقَبْلَ أَنْ يَسْتَقْصِيَ لَا تُفِيدُ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى لَوْ اسْتَقْصَى شَاهِدُ الْفَرْعِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِمَا كَانَ مِنْ شَهَادَةِ الْأُصُولِ عِنْدَهُ مَا لَمْ يَشْهَدُوا بِذَلِكَ بَعْدَ مَا اسْتَقْصَى .
فَكَذَلِكَ عِنْدَ مُعَايَنَةِ السَّبَبِ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ لَوْ عَايَنَ السَّبَبَ بَعْدَ مَا اسْتَقْصَى ، وَلَكِنْ فِي غَيْرِ مِصْرِهِ ، ثُمَّ لَمَّا انْتَهَى إلَى مِصْرِهِ خُوصِمَ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ حِينَ عَايَنَ السَّبَبَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَهُوَ ، وَمَا لَوْ عَلِمَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَقْصِيَ سَوَاءٌ ، وَلَوْ عَايَنَ ذَلِكَ فِي مِصْرِهِ وَهُوَ قَاضٍ ، ثُمَّ عُزِلَ ، ثُمَّ أُعِيدَ عَلَى الْقَضَاءِ فَلَا شَكَّ أَنَّ عِنْدَهُمَا لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِعِلْمِهِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ مِنْ قَالَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَيْضًا لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِعِلْمِهِ ; لِأَنَّهُ اسْتَفَادَ عِلْمَ الْقَضَاءِ بِمُعَايَنَةِ السَّبَبِ حَتَّى لَوْ قَضَى بِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ جَازَ ذَلِكَ . فَكَذَلِكَ إذَا قَضَى بِهِ بَعْدَ مَا قُلِّدَ ثَانِيًا وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ ; لِأَنَّهُ بَعْدَ مَا عُزِلَ لَمْ يَبْقَ لَهُ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ إلَّا عِلْمُ الشَّهَادَةِ فَهُوَ ، وَمَا لَوْ عَلِمَ بِهِ بَعْدَ مَا عُزِلَ سَوَاءٌ .
تَوْضِيحُهُ أَنَّهُ لَوْ سَمِعَ شَهَادَةَ الشُّهُودِ فَلَمْ يَقْضِ بِهَا حَتَّى عُزِلَ ، ثُمَّ أُعِيدَ عَلَى الْقَضَاءِ لَمْ يَقْضِ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْعَزْلِ . فَكَذَلِكَ إذَا عَايَنَ 106 السَّبَبَ وَكَانَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ إذَا عَلِمَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَقْصِيَ ، ثُمَّ اسْتَقْصَى فَشَهِدَ عِنْدَهُ رَجُلٌ وَأَخَذَ بِذَلِكَ قَضَى بِهِ ، وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ شُرَيْحٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَضَى بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ ، وَقَدْ كَانَ عَلِمَ مِنْهَا عِلْمًا ، وَلَكِنَّا نَقُولُ عِلْمُهُ بِمُعَايَنَةِ السَّبَبِ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ الْعِلْمِ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ عِنْدَهُ وَإِكْمَالُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ لَا يُمْكِنُ وَالْقَاضِي لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْقَضَاءِ إلَّا بِحُجَّةٍ فَالطَّرِيقُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَشْهَدَ مَعَ الرَّجُلِ الْآخَرِ لِصَاحِبِ الْحَقِّ عِنْدَ الْإِمَامِ الَّذِي فَوْقَهُ حَتَّى يَقْضِيَ هُوَ بِذَلِكَ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث