المبسوط
المبسوط · الجزء الرابع والعشرون
فَأَمَّا نَبِيذُ التَّمْرِ ، وَنَبِيذُ الزَّبِيبِ ، فَإِنْ لَمْ يُطْبَخْ حَتَّى غَلَا ، وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ 14 بِالزَّبَدِ ، فَهُوَ حَرَامٌ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْآثَارِ فِيهِ ، وَبَعْدَ الطَّبْخِ يَحِلُّ شُرْبُهُ ، وَإِنْ اشْتَدَّ ، وَاتَّفَقَتْ الرِّوَايَاتُ فِي التَّمْرِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ أَدْنَى الطَّبْخِ ، وَهُوَ أَنْ يَنْضَجَ ، وَفِي الزَّبِيبِ الْمُعَتَّقِ كَذَلِكَ ، وَهُوَ أَنْ يُكْسَرَ بِشَيْءٍ ثُمَّ تُسْتَخْرَجَ حَلَاوَتُهُ بِالْمَاءِ كَمَا فِي التَّمْرِ ، وَأَمَّا إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهِ الطَّبْخُ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ ، وَيَبْقَى ثُلُثُهُ كَمَا فِي الْعَصِيرِ ، وَالْوَجْهُ فِيهِ مَا حُكِيَ عَنْ السَّلَفِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ أَنَّ مَا يَكُونُ مِنْهُ الْعَصِيرُ ابْتِدَاءً إذَا أُعِيدَ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي الِابْتِدَاءِ ، فَحُكْمُ مَا يُعْصَرُ مِنْهُ حُكْمُ الْعَصِيرِ ، وَمَا لَا يَكُونُ مِنْهُ الْعَصِيرُ فِي الِابْتِدَاءِ لَا يَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُ الْعَصِيرِ فِي الِانْتِهَاءِ ، فَمَا يَسِيلُ مِنْ الرُّطَبِ فِي الِابْتِدَاءِ يَحِلُّ بِأَدْنَى الطَّبْخِ ، فَكَذَلِكَ فِي الِانْتِهَاءِ ، وَمَا يَسِيلُ مِنْ الْعِنَبِ فِي الِابْتِدَاءِ لَا يَحِلُّ مَا لَمْ يَذْهَبْ بِالطَّبْخِ ثُلُثَاهُ ، فَكَذَلِكَ فِي الِانْتِهَاءِ ، فَأَمَّا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ، فَالزَّبِيبُ ، وَالتَّمْرُ سَوَاءٌ ، وَإِذَا طُبِخَ أَدْنَى طَبْخِهِ ، فَإِنَّهُ يَحِلُّ شُرْبُ الْقَلِيلِ مِنْهُ ، وَإِنْ اشْتَدَّ ; لِأَنَّ الْعَصِيرَ الَّذِي كَانَ فِي الْعِنَبِ قَدْ ذَهَبَ حِينَ زُبِّبَ ، وَالزَّبِيبُ عَيْنٌ آخَرُ سِوَى الْعِنَبِ .
( أَلَا تَرَى ) إنْ غَصَبَ عِنَبًا ، فَجَعَلَهُ زَبِيبًا انْقَطَعَ حَقُّ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ فِي الِاسْتِرْدَادِ ، فَإِذًا تُعْتَبَرُ حَالُهُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ ، وَعَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ هُوَ وَالتَّمْرُ سَوَاءٌ فِي الْحُكْمِ ، ثُمَّ الَّتِي مِنْ نَبِيذِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَحِلُّ شُرْبُهُ ، فَهُوَ لَيْسَ نَظِيرُ الْخَمْرِ فِي الْحُكْمِ حَتَّى يَجُوزَ بَيْعُهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ : لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ ، وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ بِالشُّرْبِ مِنْهُ مَا لَمْ يُسْكِرْ ، وَإِذَا أَصَابَ الثَّوْبَ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ ، وَكَذَلِكَ الْمُنَصَّفُ ، وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَ بِالطَّبْخِ نِصْفُهُ إذَا غَلَا ، وَاشْتَدَّ لَا يَحِلُّ شُرْبُهُ ، وَلَكِنْ يَجُوزُ بَيْعُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ شَرِبَ مِنْهُ مَا لَمْ يَسْكَرْ ، وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ إذَا أَصَابَ الثَّوْبَ مِنْهُ مَا لَمْ يَكُنْ كَثِيرًا فَاحِشًا ، وَفِي النَّادِقِ ، وَهُوَ مَا طُبِخَ أَدْنَى طَبْخِهِ ، وَكَانَ دُونَ النِّصْفِ ، فَأَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُنَصَّفِ فِي حُكْمِ الْبَيْعِ وَالْحَدِّ ، وَعَنْهُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ أُلْحِقَ بِالْخَمْرِ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ ، وَأَمَّا حُكْمُ النَّجَاسَةِ فِيهِ ; فَلِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ فِي حُرْمَتِهِ ، وَيَتَحَقَّقُ فِيهِ مَعْنَى الْبَلْوَى أَيْضًا ، وَبِاعْتِبَارِ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ يَخِفُّ حُكْمُ النَّجَاسَةِ كَمَا فِي بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ، وَأَمَّا فِي حُكْمِ الْحَدِّ ، فَلِأَنَّ الْعُلَمَاءَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ لَمَّا اخْتَلَفُوا فِي حُرْمَتِهِ ، فَالِاخْتِلَافُ الْمُعْتَبَرُ يُورِثُ شُبْهَةً ، وَالْحَدُّ مِمَّا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ .
وَأَمَّا حُكْمُ الْبَيْعِ ، فَهُمَا يَقُولَانِ إنَّ عَيْنَهُ مُحَرَّمَةُ التَّنَاوُلِ ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ كَالْخَمْرِ ، وَهَذَا ; لِأَنَّ الْبَيْعَ بِاعْتِبَارِ صِفَةِ الْمَالِيَّةِ ، وَالتَّقَوُّمَ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ مُنْتَفَعًا بِهِ شَرْعًا ، وَلَا مَنْفَعَةَ فِي هَذَا الْمَشْرُوبِ سِوَى الشُّرْبِ ، وَإِذَا كَانَ مُحَرَّمَ الشُّرْبِ شَرْعًا كَانَ ، فَاسِدًا لِمَالِيَّتِهِ ، وَالتَّقَوُّمِ شَرْعًا ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ كَالْخَمْرِ ; وَلِأَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 15 سَوَّى فِي الْخَمْرِ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالشُّرْبِ حِينَ لَعَنَ بَائِعَهَا وَمُشْتَرِيَهَا كَمَا لَعَنَ شَارِبَهَا ، وَهَذَا ; لِأَنَّ الْبَيْعَ يَكُونُ تَسْلِيطًا لِلْمُشْتَرِي عَلَى الشُّرْبِ عَادَةً ، فَإِذَا كَانَ الشُّرْبُ حَرَامًا حَرُمَ الْبَيْعُ أَيْضًا ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ وَأَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ هَذَا شَرَابٌ مُخْتَلَفٌ فِي إبَاحَةِ شُرْبِهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ ، فَيَجُوزُ بَيْعُهُ كَالْمُثَلَّثِ ; وَهَذَا لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ حُرْمَةِ التَّنَاوُلِ حُرْمَةُ الْبَيْعِ ، فَإِنَّ الدُّهْنَ النَّجِسَ لَا يَحِلُّ تَنَاوُلُهُ ، وَيَجُوزُ بَيْعُهُ ، وَكَذَلِكَ بَيْعُ السِّرْقِينِ جَائِزٌ ، وَإِنْ كَانَ تَنَاوُلُهُ حَرَامًا ، وَالسِّرْقِينُ مُحَرَّمُ الْعَيْنِ ، وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ بَيْعُهُ جَائِزًا ، فَكَذَلِكَ الْمُنَصَّفُ ، وَمَا أَشْبَهَهُ ، وَبُطْلَانُ بَيْعِ الْخَمْرِ عَرَفْنَاهُ بِالنَّصِّ الْوَارِدِ فِيهِ ، وَمَا عُرِفَ بِالنَّصِّ لَا يُلْحَقُ بِهِ إلَّا مَا يَكُونُ فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ .
وَهَذِهِ الْأَشْرِبَةُ لَيْسَتْ فِي مَعْنَى الْخَمْرِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِدَلِيلِ حُكْمِ الْحَدِّ ، وَحُكْمِ النَّجَاسَةِ ، فَجَازَ بَيْعُهَا بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ ، فَأَمَّا الْمُثَلَّثُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ ، فَلَا بَأْسَ بِشُرْبِهِ ، وَالْمُسْكِرُ مِنْهُ حَرَامٌ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَيْضًا ، وَعَنْهُ أَنَّهُ كَرِهَ شُرْبَهُ ، وَعَنْهُ أَنَّهُ حَرَّمَ شُرْبَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ احْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ } ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ { : مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ ، فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ } ، وَفِي رِوَايَةٍ { مَا أَسْكَرَتْ الْجَرْعَةُ مِنْهُ ، فَالْجَرْعَةُ مِنْهُ حَرَامٌ } ، وَفِي رِوَايَةٍ { ، فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ } ; وَلِأَنَّ الْمُثَلَّثَ بَعْدَ مَا اشْتَدَّ خَمْرٌ ; لِأَنَّ الْخَمْرَ إنَّمَا يُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ لَا لِكَوْنِهِ مَاءً .
( أَلَا تَرَى ) أَنَّ الْعَصِيرَ الْحُلْوَ لَا يُسَمَّى خَمْرًا ، وَإِنَّمَا تَسْمِيَتُهُ بِالْخَمْرِ لِمَعْنَى مُخَامَرَتِهِ الْعَقْلَ ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي سَائِرِ الْأَشْرِبَةِ الْمُسْكِرَةِ ، وَقَدْ جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ } .
وَلَوْ سَمَّاهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ خَمْرًا لَكَانَ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ عَلَى إثْبَاتِ هَذَا الِاسْمِ لَهُ ، فَإِذَا سَمَّاهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِهِ وَهُوَ أَفْصَحُ الْعَرَبِ أَوْلَى ، يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْكَثِيرَ مِنْ هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ مُسَاوٍ لِلْكَثِيرِ مِنْ الْخَمْرِ فِي حُكْمِ الْحُرْمَةِ ، وَوُجُوبِ الْحَدِّ ، فَكَذَلِكَ الْقَلِيلُ ، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْقَلِيلَ فِي الْحُرْمَةِ كَالْكَثِيرِ ; لِأَنَّ شُرْبَ الْقَلِيلِ مِنْهُ لَوْ كَانَ مُبَاحًا لَمَا ، وَجَبَ الْحَدُّ ، وَإِنْ سَكِرَ مِنْهُ ; لِأَنَّ السُّكْرَ إنَّمَا حَصَلَ بِشُرْبِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ جَمِيعًا ، فَبِاعْتِبَارِ جَانِبِ الْحَلَالِ يُمْنَعُ وُجُوبُ الْحَدِّ عَلَيْهِ .
( أَلَا تَرَى ) إنْ غَصَبَ عِنَبًا ، فَجَعَلَهُ زَبِيبًا انْقَطَعَ حَقُّ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ فِي الِاسْتِرْدَادِ ، فَإِذًا تُعْتَبَرُ حَالُهُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ ، وَعَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ هُوَ وَالتَّمْرُ سَوَاءٌ فِي الْحُكْمِ ، ثُمَّ الَّتِي مِنْ نَبِيذِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَحِلُّ شُرْبُهُ ، فَهُوَ لَيْسَ نَظِيرُ الْخَمْرِ فِي الْحُكْمِ حَتَّى يَجُوزَ بَيْعُهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ : لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ ، وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ بِالشُّرْبِ مِنْهُ مَا لَمْ يُسْكِرْ ، وَإِذَا أَصَابَ الثَّوْبَ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ ، وَكَذَلِكَ الْمُنَصَّفُ ، وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَ بِالطَّبْخِ نِصْفُهُ إذَا غَلَا ، وَاشْتَدَّ لَا يَحِلُّ شُرْبُهُ ، وَلَكِنْ يَجُوزُ بَيْعُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ شَرِبَ مِنْهُ مَا لَمْ يَسْكَرْ ، وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ إذَا أَصَابَ الثَّوْبَ مِنْهُ مَا لَمْ يَكُنْ كَثِيرًا فَاحِشًا ، وَفِي النَّادِقِ ، وَهُوَ مَا طُبِخَ أَدْنَى طَبْخِهِ ، وَكَانَ دُونَ النِّصْفِ ، فَأَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُنَصَّفِ فِي حُكْمِ الْبَيْعِ وَالْحَدِّ ، وَعَنْهُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ أُلْحِقَ بِالْخَمْرِ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ ، وَأَمَّا حُكْمُ النَّجَاسَةِ فِيهِ ; فَلِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ فِي حُرْمَتِهِ ، وَيَتَحَقَّقُ فِيهِ مَعْنَى الْبَلْوَى أَيْضًا ، وَبِاعْتِبَارِ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ يَخِفُّ حُكْمُ النَّجَاسَةِ كَمَا فِي بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ، وَأَمَّا فِي حُكْمِ الْحَدِّ ، فَلِأَنَّ الْعُلَمَاءَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ لَمَّا اخْتَلَفُوا فِي حُرْمَتِهِ ، فَالِاخْتِلَافُ الْمُعْتَبَرُ يُورِثُ شُبْهَةً ، وَالْحَدُّ مِمَّا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ .
وَأَمَّا حُكْمُ الْبَيْعِ ، فَهُمَا يَقُولَانِ إنَّ عَيْنَهُ مُحَرَّمَةُ التَّنَاوُلِ ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ كَالْخَمْرِ ، وَهَذَا ; لِأَنَّ الْبَيْعَ بِاعْتِبَارِ صِفَةِ الْمَالِيَّةِ ، وَالتَّقَوُّمَ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ مُنْتَفَعًا بِهِ شَرْعًا ، وَلَا مَنْفَعَةَ فِي هَذَا الْمَشْرُوبِ سِوَى الشُّرْبِ ، وَإِذَا كَانَ مُحَرَّمَ الشُّرْبِ شَرْعًا كَانَ ، فَاسِدًا لِمَالِيَّتِهِ ، وَالتَّقَوُّمِ شَرْعًا ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ كَالْخَمْرِ ; وَلِأَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 15 سَوَّى فِي الْخَمْرِ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالشُّرْبِ حِينَ لَعَنَ بَائِعَهَا وَمُشْتَرِيَهَا كَمَا لَعَنَ شَارِبَهَا ، وَهَذَا ; لِأَنَّ الْبَيْعَ يَكُونُ تَسْلِيطًا لِلْمُشْتَرِي عَلَى الشُّرْبِ عَادَةً ، فَإِذَا كَانَ الشُّرْبُ حَرَامًا حَرُمَ الْبَيْعُ أَيْضًا ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ وَأَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ هَذَا شَرَابٌ مُخْتَلَفٌ فِي إبَاحَةِ شُرْبِهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ ، فَيَجُوزُ بَيْعُهُ كَالْمُثَلَّثِ ; وَهَذَا لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ حُرْمَةِ التَّنَاوُلِ حُرْمَةُ الْبَيْعِ ، فَإِنَّ الدُّهْنَ النَّجِسَ لَا يَحِلُّ تَنَاوُلُهُ ، وَيَجُوزُ بَيْعُهُ ، وَكَذَلِكَ بَيْعُ السِّرْقِينِ جَائِزٌ ، وَإِنْ كَانَ تَنَاوُلُهُ حَرَامًا ، وَالسِّرْقِينُ مُحَرَّمُ الْعَيْنِ ، وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ بَيْعُهُ جَائِزًا ، فَكَذَلِكَ الْمُنَصَّفُ ، وَمَا أَشْبَهَهُ ، وَبُطْلَانُ بَيْعِ الْخَمْرِ عَرَفْنَاهُ بِالنَّصِّ الْوَارِدِ فِيهِ ، وَمَا عُرِفَ بِالنَّصِّ لَا يُلْحَقُ بِهِ إلَّا مَا يَكُونُ فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ .
وَهَذِهِ الْأَشْرِبَةُ لَيْسَتْ فِي مَعْنَى الْخَمْرِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِدَلِيلِ حُكْمِ الْحَدِّ ، وَحُكْمِ النَّجَاسَةِ ، فَجَازَ بَيْعُهَا بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ ، فَأَمَّا الْمُثَلَّثُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ ، فَلَا بَأْسَ بِشُرْبِهِ ، وَالْمُسْكِرُ مِنْهُ حَرَامٌ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَيْضًا ، وَعَنْهُ أَنَّهُ كَرِهَ شُرْبَهُ ، وَعَنْهُ أَنَّهُ حَرَّمَ شُرْبَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ احْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ } ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ { : مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ ، فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ } ، وَفِي رِوَايَةٍ { مَا أَسْكَرَتْ الْجَرْعَةُ مِنْهُ ، فَالْجَرْعَةُ مِنْهُ حَرَامٌ } ، وَفِي رِوَايَةٍ { ، فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ } ; وَلِأَنَّ الْمُثَلَّثَ بَعْدَ مَا اشْتَدَّ خَمْرٌ ; لِأَنَّ الْخَمْرَ إنَّمَا يُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ لَا لِكَوْنِهِ مَاءً .
( أَلَا تَرَى ) أَنَّ الْعَصِيرَ الْحُلْوَ لَا يُسَمَّى خَمْرًا ، وَإِنَّمَا تَسْمِيَتُهُ بِالْخَمْرِ لِمَعْنَى مُخَامَرَتِهِ الْعَقْلَ ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي سَائِرِ الْأَشْرِبَةِ الْمُسْكِرَةِ ، وَقَدْ جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ } .
وَلَوْ سَمَّاهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ خَمْرًا لَكَانَ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ عَلَى إثْبَاتِ هَذَا الِاسْمِ لَهُ ، فَإِذَا سَمَّاهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِهِ وَهُوَ أَفْصَحُ الْعَرَبِ أَوْلَى ، يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْكَثِيرَ مِنْ هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ مُسَاوٍ لِلْكَثِيرِ مِنْ الْخَمْرِ فِي حُكْمِ الْحُرْمَةِ ، وَوُجُوبِ الْحَدِّ ، فَكَذَلِكَ الْقَلِيلُ ، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْقَلِيلَ فِي الْحُرْمَةِ كَالْكَثِيرِ ; لِأَنَّ شُرْبَ الْقَلِيلِ مِنْهُ لَوْ كَانَ مُبَاحًا لَمَا ، وَجَبَ الْحَدُّ ، وَإِنْ سَكِرَ مِنْهُ ; لِأَنَّ السُّكْرَ إنَّمَا حَصَلَ بِشُرْبِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ جَمِيعًا ، فَبِاعْتِبَارِ جَانِبِ الْحَلَالِ يُمْنَعُ وُجُوبُ الْحَدِّ عَلَيْهِ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث