المبسوط
المبسوط · الجزء الرابع والعشرون
الصفحة 8748 · ص. المطبوع 37
وَاَلَّذِي يَزْنِي فِي شَهْرِ رَمَضَانَ نَهَارًا ، فَيَدَّعِي شُبْهَةً يَدْرَأُ بِهَا الْحَدَّ عَنْ نَفْسِهِ يُعَزَّرُ لِإِفْطَارِهِ ; لِأَنَّهُ مُرْتَكِبٌ لِلْحَرَامِ بِإِفْطَارِهِ ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ زَانِيًا بِمَا ادَّعَى مِنْ الشُّبْهَةِ ، وَلَا يُحْبَسُ هُنَا ; لِأَنَّ الْحَبْسَ لِلتُّهْمَةِ ، فَأَمَّا جَزَاءُ الْفِعْلِ الَّذِي بَاشَرَهُ ، فَالتَّعْزِيرُ ، وَقَدْ أُقِيمَ عَلَيْهِ ، وَالْمُسْلِمُ الَّذِي يَأْكُلُ الرِّبَا ، أَوْ يَبِيعُ الْخَمْرَ ، وَلَا يَنْزِعُ عَنْ ذَلِكَ إذَا رُفِعَ إلَى الْإِمَامِ يُعَزِّرُهُ ، وَكَذَلِكَ الْمُخَنَّثُ ، وَالنَّائِحَةُ ، وَالْمُغَنِّيَةُ ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يُعَزَّرُونَ بِمَا ارْتَكَبُوا مِنْ الْمُحَرَّمِ ، وَيُحْبَسُونَ حَتَّى يُحْدِثُوا التَّوْبَةَ ; لِأَنَّهُمْ بَعْدَ إقَامَةِ التَّعْزِيرِ عَلَيْهِمْ مُصِرُّونَ عَلَى سُوءِ صَنِيعِهِمْ ، وَذَلِكَ ، فَوْقَ التُّهْمَةِ فِي إيجَابِ حَبْسِهِمْ إلَى أَنْ يُحْدِثُوا التَّوْبَةَ ، وَإِذَا شَتَمَ الْمُسْلِمُ امْرَأَةً ذِمِّيَّةً ، أَوْ قَذَفَهَا بِالزِّنَا عُزِّرَ ; لِأَنَّ الذِّمِّيَّةَ غَيْرُ مُحْصَنَةٍ ، فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى قَاذِفِهَا ، وَلَكِنَّ قَاذِفَهَا مُرْتَكِبٌ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ ، فَيُعَزَّرُ ، وَكَذَلِكَ إذَا قَذَفَ مُسْلِمَةً قَدْ زَنَتْ ، أَوْ مُسْلِمًا قَدْ زَنَى ، أَوْ أَمَةً مُسْلِمَةً ; لِأَنَّ الْمَقْذُوفَ مِنْ هَؤُلَاءِ غَيْرُ مُحْصَنٍ ، وَلَكِنَّ الْقَاذِفَ 37 مُرْتَكِبٌ مَا هُوَ حَرَامٌ ، وَهُوَ إشَاعَةُ الْفَاحِشَةِ ، وَهَتْكٌ لِلسِّتْرِ عَلَى الْمُسْلِمِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ ، وَذَلِكَ مُوجِبٌ لِلتَّعْزِيرِ عَلَيْهِ ، وَإِذَا قَطَعَ اللُّصُوصُ الطَّرِيقَ عَلَى قَوْمٍ ، فَلَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ دَفْعًا عَنْ أَنْفُسِهِمْ ، وَأَمْوَالِهِمْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { ۝ مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ ، فَهُوَ شَهِيدٌ } ، وَإِذَا اسْتَعَانُوا بِقَوْمٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ أَنْ يُعِينُوهُمْ ، وَيُقَاتِلُوهُمْ مَعَهُمْ ، وَإِنْ أَتَوْا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ; لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ ، فَرْضٌ ، وَبِذَلِكَ ، وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْأُمَّةَ بِأَنَّهُمْ خَيْرُ أُمَّةٍ ، فَلَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَتْرُكُوا ذَلِكَ إذَا قَدَرُوا عَلَيْهِ .
قُلْت ، وَالرَّجُلُ يَخْتَرِطُ السَّيْفَ عَلَى الرَّجُلِ ، وَيُرِيدُ أَنْ يَضْرِبَهُ ، وَلَمْ يَفْعَلْ ، أَوْ شَدَّ عَلَيْهِ بِسِكِّينٍ ، أَوْ عَصًا ، ثُمَّ لَمْ يَضْرِبْهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَلْ يُعَزَّرُ قَالَ : نَعَمْ ; لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ مَا لَا يَحِلُّ مِنْ تَخْوِيفِ الْمُسْلِمِ ، وَالْقَصْدُ إلَى قَتْلِهِ ، قُلْت ، وَالرَّجُلُ يُوجَدُ فِي بَيْتِهِ الْخَمْرُ بِالْكُوفَةِ ، وَهُوَ فَاسِقٌ ، أَوْ يُوجَدُ الْقَوْمُ مُجْتَمَعِينَ عَلَيْهَا ، وَلَمْ يَرَهُمْ أَحَدٌ يَشْرَبُونَهَا غَيْرَ أَنَّهُمْ جَلَسُوا مَجْلِسَ مَنْ يَشْرَبُهَا هَلْ يُعَزَّرُونَ قَالَ : نَعَمْ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْفَاسِقَ يَسْتَعِدُّ الْخَمْرَ لِلشُّرْبِ ، وَأَنَّ الْقَوْمَ يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهَا لِإِرَادَةِ الشُّرْبِ ، وَلَكِنْ بِمُجَرَّدِ الظَّاهِرِ لَا يَتَقَرَّرُ السَّبَبُ عَلَى وَجْهٍ لَا شُبْهَةَ فِيهِ ، فَلَا يُمْكِنُ إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهِمْ ، وَالتَّعْزِيرُ مِمَّا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ ، فَلِهَذَا يُعَزَّرُونَ ، وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ يُوجَدُ مَعَهُ رَكْوَةٌ مِنْ الْخَمْرِ بِالْكُوفَةِ ، أَوْ قَالَ رَكْوَةٌ ، وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي عَهْدِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ كَمَا يُقَامُ عَلَى الشَّارِبِ ; لِأَنَّ الَّذِي يَسْبِقُ إلَى وَهْمِ كُلِّ أَحَدٍ أَنَّهُ يَشْرَبُ بَعْضَهَا ، وَيَقْصِدُ الشُّرْبَ فِيمَا بَقِيَ مَعَهُ مِنْهَا إلَّا أَنَّهُ حُكِيَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ لِهَذَا الْقَائِلِ لِمَ تَحُدَّهُ قَالَ : لِأَنَّ مَعَهُ آلَةَ الشُّرْبِ ، وَالْفَسَادِ قَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ ، فَارْجُمْهُ إذًا ، فَإِنَّ مَعَهُ آلَةَ الزِّنَا ، فَهَذَا بَيَانٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إقَامَةُ الْحَدِّ بِمِثْلِ هَذَا الظَّاهِرِ ، وَالتُّهْمَةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث