المبسوط
المبسوط · الجزء الرابع والعشرون
الصفحة 8792 · ص. المطبوع 84
( قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ) وَإِذَا أُكْرِهَ الرَّجُلَ بِوَعِيدِ تَلَفٍ ، أَوْ غَيْرِ تَلَفٍ عَلَى أَنْ يُقِرَّ بِعِتْقٍ ، أَوْ طَلَاقٍ ، أَوْ نِكَاحٍ ، وَهُوَ يَقُولُ لَمْ أَفْعَلْهُ ، فَأَقَرَّ بِهِ مُكْرَهًا فَإِقْرَارُهُ بَاطِلٌ ، وَالْعَبْدُ عَبْدُهُ كَمَا كَانَ ، وَالْمَرْأَةُ زَوْجَتُهُ كَمَا كَانَتْ ; لِأَنَّ الْإِقْرَارَ خَبَرٌ مُتَمَثِّلٌ بَيْنَ الصِّدْقِ ، وَالْكَذِبِ ، وَالْإِكْرَاهُ الظَّاهِرُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَاذِبٌ فِيمَا يُقِرُّ بِهِ قَاصِدٌ إلَى دَفْعِ الشَّرِّ عَنْ نَفْسِهِ ، وَالْمُخْبَرُ عَنْهُ إذَا كَانَ كَذِبًا ، فَبِالْإِخْبَارِ لَا يَصِيرُ صِدْقًا .
( أَلَا تَرَى ) أَنَّ فِرْيَةَ الْمُفْتَرِينَ ، وَكُفْرَ الْكَافِرِينَ لَا يَصِيرُ حَقًّا بِإِخْبَارِهِمْ بِهِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِهِ طَائِعًا ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ فِي ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ يَسَعُهُ إمْسَاكَهَا فِيمَا بَيْنَهُ ، وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يُصَدِّقُهُ عَلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِاتِّبَاعِ الظَّاهِرِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَكْذِبُ فِيمَا يُلْحِقُ الضَّرَرَ بِهِ ، فَإِذَا كَانَ مُكْرَهًا ، وَجَبَ تَصْدِيقُهُ فِي ذَلِكَ لِوُجُودِ الْإِكْرَاهِ ، فَلِهَذَا لَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ .
وَالْإِكْرَاهُ بِالْحَبْسِ ، وَالْقَتْلِ فِي هَذَا سَوَاءٌ ; لِأَنَّ الْإِقْرَارَ تَصَرُّفٌ مِنْ حَيْثُ الْقَوْلِ ، وَيَعْتَمِدُ تَمَامَ الرِّضَا ، وَبِسَبَبِ الْإِكْرَاهِ بِالْحَبْسِ يَنْعَدِمُ ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ الْإِقْرَارُ بِالرَّجْعَةِ ، أَوْ الْفَيْءِ فِي الْإِيلَاءِ ، أَوْ الْعَفْوِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ مَعَ الْإِكْرَاهِ لِمَا قُلْنَا ، وَكَذَلِكَ الْإِقْرَارُ فِي عَبْدِهِ أَنَّهُ ابْنُهُ ، أَوْ جَارِيَتِهِ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدِهِ ; لِأَنَّ هَذَا إخْبَارٌ عَنْ أَمْرٍ سَابِقٍ خَفِيٍّ ، فَالْإِكْرَاهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَاذِبٌ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ ، فَإِنْ قِيلَ : أَلَيْسَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ إذَا قَالَ لِمَنْ هُوَ أَكْبَرُ سِنًّا مِنْهُ هَذَا : ابْنِي يَعْتِقُ عَلَيْهِ ، وَهُنَاكَ يُتَيَقَّنُ بِكَذِبِهِ فِيمَا قَالَ فَوْقَ مَا يُتَيَقَّنُ بِالْكَذِبِ عِنْدَ الْإِقْرَارِ مُكْرَهًا ، فَإِذَا نَفَذَ الْعِتْقُ ثَمَّةَ يَنْبَغِي أَنْ يَنْفُذَ هُنَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى قُلْنَا أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَجْعَلُ ذَلِكَ الْكَلَامَ مَجَازًا عَنْ الْإِقْرَارِ بِالْعِتْقِ كَأَنَّهُ قَالَ : عَتَقَ عَلَيَّ مِنْ حِينِ مَلَكْتُهُ ، وَبِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَجَازِ لَا يَظْهَرُ رُجْحَانُ جَانِبِ الْكَذِبِ فِي إقْرَارِهِ ، فَأَمَّا عِنْدَ الْإِكْرَاهِ ، فَأَكْثَرُ مَا فِيهِ أَنْ يُجْعَلَ هَذَا مَجَازًا عَنْ الْإِقْرَارِ بِالْعِتْقِ ، وَلَكِنَّ الْإِكْرَاهَ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ بِالْعِتْقِ كَمَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ 84 بِالنَّسَبِ . .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث