تحفة المحتاج في شرح المنهاج
تحفة المحتاج في شرح المنهاج · الجزء الثامن
( وَلَيْسَ الطَّلَاقُ كِنَايَةَ ظِهَارٍ وَعَكْسَهُ ) ، وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي إفَادَةِ التَّحْرِيمِ لِإِمْكَانِ اسْتِعْمَالِ كُلٍّ فِي مَوْضُوعِهِ فَلَا يَخْرُجُ عَنْهُ لِلْقَاعِدَةِ الْمَشْهُورَةِ أَنَّ مَا كَانَ صَرِيحًا فِي بَابِهِ وَوُجِدَ نَافِذًا فِي مَوْضُوعِهِ لَا يَكُونُ صَرِيحًا وَلَا كِنَايَةً فِي غَيْرِهِ وَفِيهَا كَلَامٌ مُهِمٌّ بَيَّنْته فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ الْكَبِيرِ فِي بَابِ الْمُسَاقَاةِ وَسَيَأْتِي فِي أَنْتِ طَالِقٌ كَظَهْرِ أُمِّي أَنَّهُ لَوْ نَوَى بِظَهْرِ أُمِّي طَلَاقًا آخَرَ وَقَعَ ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ تَابِعًا فَمَحَلُّ مَا هُنَا فِي لَفْظِ ظِهَارٍ وَقَعَ مُسْتَقِلًّا ( فَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ ) أَوْ نَحْوَ يَدِك ( عَلَيَّ حَرَامٌ أَوْ حَرَّمْتُك ) أَوْ كَالْخَمْرِ أَوْ الْمَيِّتَةِ أَوْ الْخِنْزِيرِ ( وَنَوَى طَلَاقًا ) ، وَإِنْ تَعَدَّدَ ( أَوْ ظِهَارًا حَصَلَ ) مَا نَوَاهُ لِاقْتِضَاءِ كُلٍّ مِنْهُمَا التَّحْرِيمَ فَجَازَ أَنْ يُكَنِّيَ عَنْهُ بِالْحَرَامِ وَلَا يُنَافِي هَذَا الْقَاعِدَةَ الْمَذْكُورَةَ ؛ لِأَنَّ إيجَابَهُ لِلْكَفَّارَةِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لَيْسَ مِنْ بَابِ الصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ إذْ هُمَا مِنْ قَبِيلِ دَلَالَاتِ الْأَلْفَاظِ ، وَمَدْلُولُ اللَّفْظِ تَحْرِيمُهَا ، وَأَمَّا إيجَابُ الْكَفَّارَةِ فَحُكْمٌ رَتَّبَهُ الشَّارِعُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَصْدِ التَّحْرِيمِ أَوْ الْإِطْلَاقِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى التَّحْرِيمِ لَا عِنْدَ قَصْدِ طَلَاقٍ أَوْ ظِهَارٍ إذْ لَا كَفَّارَةَ فِي لَفْظِهِمَا .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَوْضُوعَ لَفْظِ التَّحْرِيمِ يَصْدُقُ بِكُلٍّ مِنْ الثَّلَاثَةِ لَكِنَّهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ اُشْتُهِرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي تَحْرِيمِ الْوَطْءِ فَقَطْ فَجُعِلَ صَرِيحًا فِيمَا اُشْتُهِرَ فِيهِ وَكِنَايَةً فِيمَا لَمْ يُشْتَهَرْ فِيهِ ، وَمَا فِي الْقَاعِدَةِ إنَّمَا هُوَ فِي اسْتِعْمَالِ لَفْظٍ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ مَعَ صَلَاحِيَّتِهِ لِمَوْضُوعِهِ ( أَوْ نَوَاهُمَا ) أَيْ الطَّلَاقَ وَالظِّهَارَ مَعًا ( تَخَيَّرَ وَثَبَتَ مَا اخْتَارَهُ ) مِنْهُمَا لَا هُمَا لِتَنَاقُضِهِمَا إذْ الطَّلَاقُ يَرْفَعُ النِّكَاحَ ، وَالظِّهَارُ يُثْبِتُهُ ( وَقِيلَ طَلَاقٌ ) ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى لِإِزَالَتِهِ الْمِلْكَ ( وَقِيلَ ظِهَارٌ ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ .
( تَنْبِيهٌ )
الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَكْفِي الِاخْتِيَارُ هُنَا بِالنِّيَّةِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ اللَّفْظِ أَوْ نَحْوِ الْإِشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ هُنَا إنَّمَا تُؤَثِّرُ عِنْدَ مُقَارَنَتِهَا لِلَفْظٍ مُحْتَمَلٍ ، وَهِيَ هُنَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ إذْ لَا لَفْظَ عِنْدَهَا بِخِلَافِ نِيَّتِهِمَا فَإِنَّهَا قَارَنَتْ أَنْتِ حَرَامٌ ، وَإِذَا قُلْنَا لَا بُدَّ مِنْ اللَّفْظِ فَهَلْ فِيهِ كِنَايَةٌ وَصَرِيحٌ أَوْ لَا وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ تَصَوُّرُهُمَا فِيهِ فَالْأَوَّلُ كَجَعَلْتُكِ فِي الْعِدَّةِ فَهُوَ كِنَايَةٌ فِي اخْتِيَارِ الطَّلَاقِ وَالثَّانِي كَاخْتَرْتُكِ لِلظِّهَارِ أَوْ اخْتَرْت الظِّهَارَ وَلَوْ اخْتَارَ شَيْئًا لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظٍ أَوْ نَحْوِهِ وَحِينَئِذٍ يُقَارِنُهُ وُقُوعُ مَعْنَاهُ فَلَمْ يُتَصَوَّرُ الرُّجُوعُ عَنْهُ وَبِهِ يُفَرَّقُ بَيْنَ هَذَا وَمَنْ رَأَى مَا شَكَّ فِيهِ أَهُوَ مَنِيٌّ أَمْ مَذْيٌ ؛ لِأَنَّ التَّخْيِيرَ ثَمَّ بِالْعَمَلِ بِأَحْكَامِ مَا اخْتَارَهُ ، وَمُجَرَّدُ الْعَمَلِ لَا يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ غَيْرِهِ بَعْدُ إذَا وُجِدَ رُجُوعٌ عَنْهُ إلَيْهِ ، أَمَّا لَوْ نَوَاهُمَا مُتَرَتِّبَتَيْنِ أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ نِيَّةَ الْكِنَايَةِ يَكْفِي قَرْنُهَا بِجُزْءٍ مِنْ لَفْظِهَا فَيَتَخَيَّرُ ، وَيَثْبُتُ مَا اخْتَارَهُ أَيْضًا عَلَى مَا رَجَّحَهُ ابْنُ الْمُقْرِي لَكِنَّ الْقِيَاسَ مَا رَجَّحَهُ فِي الْأَنْوَارِ مِنْ أَنَّ الْمَنْوِيَّ أَوَّلًا إنْ كَانَ الظِّهَارُ صَحَّا مَعًا أَوْ الطَّلَاقُ ، وَهُوَ بَائِنٌ لَغَا الظِّهَارُ أَوْ رَجْعِيٌّ وُقِفَ الظِّهَارُ فَإِنْ رَاجَعَ صَارَ عَائِدًا وَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ ، وَإِلَّا فَلَا فَإِنْ قُلْت يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ أَنَّ الطَّلَاقَ 18 لَا يَقَعُ إلَّا بِآخِرِ اللَّفْظِ فَحِينَئِذٍ لَا فَرْقَ بَيْنَ تَقَدُّمِ الظِّهَارِ وَتَأَخُّرِهِ قُلْت مَمْنُوعٌ بَلْ يَتَبَيَّنُ بِآخِرِهِ وُقُوعُ الْمَنْوِيَّيْنِ مُرَتَّبَيْنِ كَمَا أَوْقَعَهُمَا وَحِينَئِذٍ فَيَتَعَيَّنُ الثَّانِي فَتَأَمَّلْهُ .
وَاعْتَرَضَ الْبُلْقِينِيُّ الثَّانِيَ بِأَنَّ الظِّهَارَ لَيْسَ مَوْقُوفًا بَلْ صَحِيحٌ نَاجِزٌ ثُمَّ بَنَى عَلَيْهِ اعْتِرَاضًا عَلَى صِحَّةِ الرَّجْعَةِ وَكَوْنِهَا عَوْدًا وَكَوْنِهِ لَغْوًا وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ مَا ادَّعَاهُ مِنْ تَفَرُّدِهِ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى مَا بَنَاهُ عَلَيْهِ .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَوْضُوعَ لَفْظِ التَّحْرِيمِ يَصْدُقُ بِكُلٍّ مِنْ الثَّلَاثَةِ لَكِنَّهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ اُشْتُهِرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي تَحْرِيمِ الْوَطْءِ فَقَطْ فَجُعِلَ صَرِيحًا فِيمَا اُشْتُهِرَ فِيهِ وَكِنَايَةً فِيمَا لَمْ يُشْتَهَرْ فِيهِ ، وَمَا فِي الْقَاعِدَةِ إنَّمَا هُوَ فِي اسْتِعْمَالِ لَفْظٍ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ مَعَ صَلَاحِيَّتِهِ لِمَوْضُوعِهِ ( أَوْ نَوَاهُمَا ) أَيْ الطَّلَاقَ وَالظِّهَارَ مَعًا ( تَخَيَّرَ وَثَبَتَ مَا اخْتَارَهُ ) مِنْهُمَا لَا هُمَا لِتَنَاقُضِهِمَا إذْ الطَّلَاقُ يَرْفَعُ النِّكَاحَ ، وَالظِّهَارُ يُثْبِتُهُ ( وَقِيلَ طَلَاقٌ ) ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى لِإِزَالَتِهِ الْمِلْكَ ( وَقِيلَ ظِهَارٌ ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ .
( تَنْبِيهٌ )
الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَكْفِي الِاخْتِيَارُ هُنَا بِالنِّيَّةِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ اللَّفْظِ أَوْ نَحْوِ الْإِشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ هُنَا إنَّمَا تُؤَثِّرُ عِنْدَ مُقَارَنَتِهَا لِلَفْظٍ مُحْتَمَلٍ ، وَهِيَ هُنَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ إذْ لَا لَفْظَ عِنْدَهَا بِخِلَافِ نِيَّتِهِمَا فَإِنَّهَا قَارَنَتْ أَنْتِ حَرَامٌ ، وَإِذَا قُلْنَا لَا بُدَّ مِنْ اللَّفْظِ فَهَلْ فِيهِ كِنَايَةٌ وَصَرِيحٌ أَوْ لَا وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ تَصَوُّرُهُمَا فِيهِ فَالْأَوَّلُ كَجَعَلْتُكِ فِي الْعِدَّةِ فَهُوَ كِنَايَةٌ فِي اخْتِيَارِ الطَّلَاقِ وَالثَّانِي كَاخْتَرْتُكِ لِلظِّهَارِ أَوْ اخْتَرْت الظِّهَارَ وَلَوْ اخْتَارَ شَيْئًا لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظٍ أَوْ نَحْوِهِ وَحِينَئِذٍ يُقَارِنُهُ وُقُوعُ مَعْنَاهُ فَلَمْ يُتَصَوَّرُ الرُّجُوعُ عَنْهُ وَبِهِ يُفَرَّقُ بَيْنَ هَذَا وَمَنْ رَأَى مَا شَكَّ فِيهِ أَهُوَ مَنِيٌّ أَمْ مَذْيٌ ؛ لِأَنَّ التَّخْيِيرَ ثَمَّ بِالْعَمَلِ بِأَحْكَامِ مَا اخْتَارَهُ ، وَمُجَرَّدُ الْعَمَلِ لَا يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ غَيْرِهِ بَعْدُ إذَا وُجِدَ رُجُوعٌ عَنْهُ إلَيْهِ ، أَمَّا لَوْ نَوَاهُمَا مُتَرَتِّبَتَيْنِ أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ نِيَّةَ الْكِنَايَةِ يَكْفِي قَرْنُهَا بِجُزْءٍ مِنْ لَفْظِهَا فَيَتَخَيَّرُ ، وَيَثْبُتُ مَا اخْتَارَهُ أَيْضًا عَلَى مَا رَجَّحَهُ ابْنُ الْمُقْرِي لَكِنَّ الْقِيَاسَ مَا رَجَّحَهُ فِي الْأَنْوَارِ مِنْ أَنَّ الْمَنْوِيَّ أَوَّلًا إنْ كَانَ الظِّهَارُ صَحَّا مَعًا أَوْ الطَّلَاقُ ، وَهُوَ بَائِنٌ لَغَا الظِّهَارُ أَوْ رَجْعِيٌّ وُقِفَ الظِّهَارُ فَإِنْ رَاجَعَ صَارَ عَائِدًا وَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ ، وَإِلَّا فَلَا فَإِنْ قُلْت يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ أَنَّ الطَّلَاقَ 18 لَا يَقَعُ إلَّا بِآخِرِ اللَّفْظِ فَحِينَئِذٍ لَا فَرْقَ بَيْنَ تَقَدُّمِ الظِّهَارِ وَتَأَخُّرِهِ قُلْت مَمْنُوعٌ بَلْ يَتَبَيَّنُ بِآخِرِهِ وُقُوعُ الْمَنْوِيَّيْنِ مُرَتَّبَيْنِ كَمَا أَوْقَعَهُمَا وَحِينَئِذٍ فَيَتَعَيَّنُ الثَّانِي فَتَأَمَّلْهُ .
وَاعْتَرَضَ الْبُلْقِينِيُّ الثَّانِيَ بِأَنَّ الظِّهَارَ لَيْسَ مَوْقُوفًا بَلْ صَحِيحٌ نَاجِزٌ ثُمَّ بَنَى عَلَيْهِ اعْتِرَاضًا عَلَى صِحَّةِ الرَّجْعَةِ وَكَوْنِهَا عَوْدًا وَكَوْنِهِ لَغْوًا وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ مَا ادَّعَاهُ مِنْ تَفَرُّدِهِ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى مَا بَنَاهُ عَلَيْهِ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث