فتح القدير
فتح القدير · الجزء الثالث
الصفحة 1453 · ص. المطبوع 135 · الشرح
( قَوْلُهُ : وَمَنْ أُحْصِرَ ) بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ ( لَا يَكُونُ مُحْصَرًا ; لِوُقُوعِ الْأَمْنِ مِنْ الْفَوَاتِ ) بِتَحَقُّقِ الْفِعْلِ فَلَا يَرِدُ النَّقْضُ بِالْعُمْرَةِ ، فَإِنَّ الْأَمْنَ مِنْ الْفَوَاتِ مُتَحَقِّقٌ فِيهَا مَعَ تَحَقُّقِ الْإِحْصَارِ بِهَا ; لِأَنَّ الْمُرَادَ هُنَا أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ الْفِعْلُ بِحَيْثُ لَا يُتَصَوَّرُ بَعْدَهُ فَسَادٌ وَلَا فَوَاتٌ ، وَسَقَطَ بِهِ الْفَرْضُ إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ الطَّوَافُ فِي أَيِّ وَقْتٍ اتَّفَقَ مِنْ عُمَرِهِ ، بِخِلَافِ مَعْنَى عَدَمِ الْفَوَاتِ فِي الْعُمْرَةِ فَلَمْ يَصْدُقْ عَلَيْهِ مَعْنَى الْإِحْصَارِ عَنْ الْحَجِّ ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ الْمَنْعُ عَنْ أَفْعَالِهِ ، وَهَذَا قَدْ فَعَلَ مَا لَهُ حُكْمُ الْكُلِّ فَلَمْ يَلْزَمْ امْتِدَادُ الْإِحْرَامِ الْمُوجِبِ لِلْحَرَجِ ; لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الْإِحْلَالِ بِالْحَلْقِ يَوْمَ النَّحْرِ عَنْ كُلِّ مَحْظُورٍ سِوَى النِّسَاءِ ، ثُمَّ إنْ حَلَقَ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ لَزِمَهُ دَمٌ . وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْعُذْرُ الْمُجَوِّزُ لِلْإِحْلَالِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ ; لِتَمَكُّنِهِ مِنْهُ عَلَى سُنَنِ الْمَشْرُوعِ الْأَصْلِيِّ ، غَيْرَ أَنَّهُ يَبْقَى الْمَنْعُ فِي يَسِيرٍ وَهُوَ النِّسَاءُ فَيَزُولُ بِالطَّوَافِ ، وَلَا يَعْجِزُ الْمُحْصَرُ عَنْ سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ يَجِدُ بِهَا فُرْصَةَ قَدْرِ الطَّوَافِ مُخْتَفِيًا فِي زَمَانٍ قَدْرَ شَهْرٍ ، وَالْمَنْعُ مِنْ النِّسَاءِ فِي هَذَا الْمِقْدَارِ لَا يَسْتَلْزِمُ حَرَجًا يُبِيحُ الْإِحْلَالَ مُطْلَقًا بِغَيْرِ الطَّرِيقِ الْأَصْلِيِّ : أَعْنِي الْحَلْقَ ، بِخِلَافِ الْإِحْصَارِ بِالْعُمْرَةِ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِهَا ، هَذَا ، وَإِذَا تَحَقَّقَ الْإِحْصَارُ بَعْدَ مُجَرَّدِ الْوُقُوفِ كَانَ عَلَيْهِ دَمٌ ; لِوُقُوفِ الْمُزْدَلِفَةِ وَدَمُ الرَّمْيِ وَدَمَانِ ; لِتَأْخِيرِ الْحَلْقِ عَنْ الْمَكَانِ وَتَأْخِيرِ الطَّوَافِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إنْ أَخَّرَهُمَا وَدَمٌ آخَرُ إنْ حَلَقَ فِي الْحِلِّ .
وَاخْتُلِفَ هَلْ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا ؟ قِيلَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْلِقَ فِي مَكَانِهِ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ ، وَلَوْ أَخَّرَهُ حَتَّى يَحْلِقَ فِي الْحَرَمِ تَأَخَّرَ عَنْ زَمَانِهِ ، وَتَأْخِيرُهُ عَنْ الزَّمَانِ أَهْوَنُ مِنْهُ فِي غَيْرِ الْمَكَانِ . وَقِيلَ لَهُ ، إذْ رُبَّمَا لَوْ أَخَّرَهُ ; لِيَحْلِقَ فِي الْحَرَمِ يَمْتَدُّ الْإِحْصَارُ فَيَحْتَاجُ إلَى الْحَلْقِ فِي الْحِلِّ فَيَفُوتُ الْمَكَانُ وَالزَّمَانُ ( قَوْلُهُ : وَقَدْ قِيلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ ) وَهُوَ مَا ذَكَرَ عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ : سَأَلْت أَبَا حَنِيفَةَ 135 عَنْ الْمُحْرِمِ يُحْصَرُ بِالْحَرَمِ فَقَالَ : لَا يَكُونُ مُحْصَرًا ، فَقُلْت : أَلَيْسَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُحْصِرَ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَهِيَ مِنْ الْحَرَمِ ؟ فَقَالَ : إنَّ مَكَّةَ كَانَتْ يَوْمَئِذٍ دَارَ الْحَرْبِ ، وَأَمَّا الْيَوْمُ فَهِيَ دَارُ الْإِسْلَامِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْإِحْصَارُ فِيهَا . قَالَ أَبُو يُوسُفَ : أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ : إذَا غَلَبَ الْعَدُوُّ عَلَى مَكَّةَ حَتَّى حَالُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ فَهُوَ مُحْصَرٌ . وَالْأَصَحُّ أَنَّ التَّفْصِيلَ الْمَذْكُورَ قَوْلُ الْكُلِّ . وَفِيهِ أَنَّ الْحُدَيْبِيَةَ مِنْ الْحَرَمِ ، وَهُوَ خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ أَنَّهَا مِنْ الْحِلِّ ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ مِنْ مَشَايِخِنَا أَنَّ بَعْضَهَا مِنْ الْحَرَمِ ، وَلَوْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى إذَا لَاحَظْتَ تَعْلِيلَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَبِمُلَاحَظَتِهِ أَيْضًا يَتَّضِحُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ حَمْلِ مَنْعِهِ الْإِحْصَارَ بِالْحَرَمِ عَلَى مَا بِالْعُذْرِ ، إذْ لَا يَخْفَى إمْكَانُ تَحَقُّقِ الْعَجْزِ عَنْ الذَّهَابِ إلَى مَكَّةَ بِشِدَّةِ الْمَرَضِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ مَعَ تَحَقُّقِ الْإِضْرَارِ بِبَقَاءِ الْإِحْرَامِ مَعَ الْمَرَضِ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ .
[ تَقْسِيمٌ ] الْمُتَحَلِّلُ قَبْلَ أَعْمَالِ مَا أَحْرَمَ بِهِ إمَّا مُحْصَرٌ أَوْ فَائِتُ الْحَجِّ أَوْ غَيْرُهُمَا ، وَتَحَلَّلَ الْأَوَّلُ فِي الْحَالِ بِالدَّمِ وَالثَّانِي بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ وَالثَّالِثِ بِلَا شَيْءٍ يَتَقَدَّمُهُ وَهُوَ كُلُّ مَنْ مُنِعَ مِنْ الْمُضِيِّ شَرْعًا ; لِحَقِّ الْعَبْدِ ، كَالْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ الْمَمْنُوعَيْنِ ; لِحَقِّ الزَّوْجِ وَالْمَوْلَى إذَا أَحْرَمَا بِغَيْرِ إذْنٍ فَإِنَّ لِلزَّوْجِ وَالْمَوْلَى أَنْ يُحَلِّلَاهُمَا فِي الْحَالِ بِلَا شَيْءٍ ; ثُمَّ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَبْعَثَ بِهَدْيٍ يُذْبَحُ عَنْهَا فِي الْحَرَمِ ، وَعَلَى الْعَبْدِ إذَا أُعْتِقَ هَدْيُ الْإِحْصَارِ ، وَعَلَيْهِمَا مَعًا قَضَاءُ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ ، وَسَنَذْكُرُ تَمَامَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمَسَائِلِ الْمَنْثُورَةِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث