فتح القدير
فتح القدير · الجزء الثالث
( قَوْلُهُ وَإِذَا تَزَوَّجَهَا إلَخْ ) لِلْمَسْأَلَةِ صُورَتَانِ : الْأُولَى أَنْ يُسَمِّيَ لَهَا مَهْرًا وَيَشْتَرِطَ لَهَا مَعَهُ مَا لَهَا فِيهِ نَفْعٌ كَأَنْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ الْبَلَدِ أَوْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا أَوْ لَا يَتَسَرَّى أَوْ يُطَلِّقَ ضَرَّتَهَا . وَالثَّانِيَةُ أَنْ يُسَمِّيَ لَهَا مَهْرًا عَلَى تَقْدِيرٍ وَآخَرَ عَلَى تَقْدِيرٍ آخَرَ ، أَمَّا الْأُولَى فَحُكْمُهَا ظَاهِرٌ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ أَنَّهُ إنْ وَفَّى لَهَا فَلَيْسَ لَهَا إلَّا الْمُسَمَّى وَإِلَّا فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا ، فَإِنْ كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا قَدْرَ الْمُسَمَّى أَوْ أَقَلَّ لَا تَسْتَحِقُّ شَيْئًا آخَرَ .
وَقَالَ زُفَرُ : إنْ كَانَ مَا ضُمَّ إلَى الْمُسَمَّى مَالًا كَالْهَدِيَّةِ وَنَحْوِهَا يَكْمُلُ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ عِنْدَ فَوَاتِهِ وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهَا إلَّا الْأَلْفُ ; لِأَنَّ الْمَالَ يَتَقَوَّمُ بِالْإِتْلَافِ ، فَكَذَا بِمَنْعِ التَّسْلِيمِ إذَا شُرِطَ لَهَا فِي الْعَقْدِ بِخِلَافِ طَلَاقِ الضَّرَّةِ وَنَحْوِهِ لَا يَتَقَوَّمُ فَلَا يَلْزَمُ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : إذَا فَاتَ ثَبَتَ لَهَا الْخِيَارُ فِي الْفَسْخِ ; لِأَنَّهَا لَمْ تَتَزَوَّجْهُ إلَّا عَلَى مِلْكِ الْمَرْغُوبِ فِيهِ فَصَارَ كَمَا إذَا بَاعَ عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ خَبَّازٌ أَوْ كَاتِبٌ وَهُوَ بِخِلَافِهِ ، وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ } .
وَجَوَابُ زُفَرَ أَنَّ إيجَابَ التَّسْلِيمِ لَيْسَ لِلتَّقَوُّمِ فِي الْمَضْمُومِ بَلْ لِعَدَمِ رِضَاهَا بِالْأَلْفِ إلَّا بِهِ فَبِانْتِفَائِهِ ظَهَرَ عَدَمُ رِضَاهَا بِالْمُسَمَّى فَكَانَ كَعَدَمِ التَّسْمِيَةِ وَفِيهِ مَهْرُ الْمِثْلِ . وَجَوَابُ الثَّانِي أَنَّ ذَلِكَ فِي الشَّرْطِ الصَّحِيحِ وَلَيْسَ هَذَا مِنْهُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ إلَّا شَرْطًا 351 أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا } . وَهَذِهِ الشُّرُوطُ تَمْنَعُ التَّزَوُّجَ وَالتَّسَرِّي لَوْ وَجَبَ الْجَرْيُ عَلَى مُوجِبِهَا فَكَانَتْ بَاطِلَةً فَلَا يُؤَثِّرُ عَدَمُهَا فِي خِيَارِ الْفَسْخِ ، بَلْ إنْ وَفَّى تَمَّتْ التَّسْمِيَةُ لِرِضَاهَا بِهَا وَإِلَّا لَا تَتِمُّ لِعَدَمِ الرِّضَا ، وَفَسَادُ الْعَقْدِ لَيْسَ لَازِمًا لِعَدَمِ تَمَامِ التَّسْمِيَةِ وَلَا لِعَدَمِهَا رَأْسًا إذْ لَيْسَ ذِكْرُهَا مِنْ الْأَرْكَانِ وَلَا الشُّرُوطِ ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ .
فَإِنْ قِيلَ : مَا اسْتَدْلَلْتُمْ بِهِ لَا يَمَسُّ مَحَلَّ النِّزَاعِ ; لِأَنَّ مُقْتَضَى الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ مَا دَامَتْ تَحْتَهُ مُخْتَارًا لِعَدَمِ دُخُولِ خِيَارِ الْفَسْخِ فِي يَدَيْهَا وَأَيْنَ عَدَمُ التَّزَوُّجِ مُخْتَارًا لِأَمْرٍ مِنْ تَحْرِيمِهِ شَرْعًا ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الشَّرْطَ الْمُحَرِّمَ لِلْحَلَالِ بَعْدَمَا حَكَمَ بِكَوْنِهِ بَاطِلًا لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا عَلَى إرَادَةِ كَوْنِهِ شَرْطَ تَرْكِ الْحَلَالِ أَوْ فِعْلِ الْحَرَامِ ، إذْ لَوْ أَحَلَّ حَقِيقَةً بِأَنْ ثَبَتَ بِهِ حُكْمُ الْحِلِّ شَرْعًا لَمْ يَكُنْ بَاطِلًا ، وَإِذَا عَارَضَهُ وَجَبَ حَمْلُ الْأَحَقِّيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِيمَا رُوِيَ عَلَى مَا مَنْ أَلْحَقَ فِي نَفْسِهِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِهِ ضِدُّ الْبَاطِلِ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الْوُجُوبِ صَادِقٌ عَلَيْهِ وَعَلَى الْجَائِزِ وَالْمَنْدُوبِ لَا مَا يَخُصُّ الْوَاجِبَ عَيْنًا .
بَقِيَ أَنْ يُقَالَ : إذَا ظَهَرَ عَدَمُ رِضَاهَا بِالْأَلْفِ لَمْ يَلْزَمْ كَوْنُهُ نِكَاحًا بِلَا تَسْمِيَةٍ وَلَا نَظِيرَهُ لِلْقَطْعِ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُفَوِّضَةً ، بَلْ إنَّمَا رَضِيَتْ بِتَسْمِيَةٍ صَحِيحَةٍ مُعَيَّنَةٍ ، وَقَدْ قَالُوا : إذَا سَمَّى لِلْبِكْرِ عِنْدَ اسْتِئْذَانِهَا مَهْرًا فَسَكَتَتْ لَا يَكُونُ رِضًا حَتَّى يَكُونَ الْمَهْرُ وَافِرًا وَلَا يَصِحُّ النِّكَاحُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَلَا بِهِ فَكَيْفَ وَهِيَ مُصَرِّحَةٌ بِنَفْيِهِ ، وَكَوْنُ مَهْرِ مِثْلِهَا أَصْلًا لَا يَسْتَلْزِمُ صِحَّةَ النِّكَاحِ بِهِ مَا لَمْ تَكُنْ مُفَوِّضَةً أَوْ تُصَرِّحُ بِالرِّضَا بِهِ . وَإِلَّا فَقَدْ لَا تَرْضَى بِمَهْرِ الْمِثْلِ تَسْمِيَةً فَلَا يَنْفُذُ النِّكَاحُ عَلَيْهَا بِهِ فَيَجِبُ أَنْ تَخْتَارَ ، كَمَا إذَا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ ثُمَّ يَثْبُتُ لِلْوَلِيِّ خِيَارُ الْفَسْخِ ، وَأَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ حَمْلِ لَفْظِ أَحَقَّ فِي الْحَدِيثِ عَلَى مَا ذُكِرَ فَبِلَا مُوجِبٍ ; لِأَنَّ ذَلِكَ الْمُوجِبَ وَهُوَ تَحْرِيمُ الْحَلَالِ مُنْتَفٍ ; لِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ التَّسَرِّي بِهَذَا الشَّرْطِ بَلْ هُوَ امْتَنَعَ مِنْهُ بِالْتِزَامِهِ مُخْتَارًا لِأَحَبِّ الْأَمْرَيْنِ إلَيْهِ وَهُوَ صُحْبَةُ الزَّوْجَةِ ، وَلِهَذَا لَوْ تَسَرَّى لَا نَقُولُ فَعَلَ مُحَرَّمًا وَهُوَ أَدْنَى مِنْ امْتِنَاعِهِ عَنْ بَعْضِ الْمُبَاحَاتِ بِحَلِفِهِ لَا يَفْعَلُهُ .
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَكَأَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ بِأَنْ أَقَامَ بِهَا أَوْ عَلَى أَنْ لَا يَتَسَرَّى أَوْ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَ ضَرَّتَهَا أَوْ إنْ كَانَتْ مَوْلَاةً أَوْ إنْ كَانَتْ أَعْجَمِيَّةً أَوْ ثَيِّبًا عَلَى أَلْفَيْنِ إنْ كَانَ أَضْدَادُهَا فَإِنْ وَفَّى بِالْأَوَّلِ أَوْ كَانَتْ أَعْجَمِيَّةً وَنَحْوَهُ فَلَهَا الْأَلْفُ وَإِلَّا فَمَهْرُ الْمِثْلِ لَا يُزَادُ عَلَى أَلْفَيْنِ وَلَا يَنْقُصُ عَنْ أَلْفٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَكَذَا إنْ قَدَّمَ شَرْطَ الْأَلْفَيْنِ يَصِحُّ الْمَذْكُورُ عِنْدَهُ حَتَّى لَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ يَجِبُ لَهَا نِصْفُ الْمُسَمَّى أَوَّلًا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا خَطَرَ فِيهَا وَكَذَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى ; لِأَنَّ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ يَسْقُطُ اعْتِبَارُ هَذَا الشَّرْطِ ، وَقَالَا : الشَّرْطَانِ جَائِزَانِ فَلَهَا الْأَلْفُ إنْ أَقَامَ بِهَا وَالْأَلْفَانِ إنْ أَخْرَجَهَا . وَقَالَ زُفَرُ : الشَّرْطَانِ فَاسِدَانِ فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا لَا يَنْقُصُ 352 عَنْ الْأَلْفِ وَلَا يُزَادُ عَلَى الْأَلْفَيْنِ . وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا خَطَرَ فِي التَّسْمِيَةِ الْأُولَى بَلْ هِيَ مُنْجَزَةٌ بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ فَهِيَ مُعَلَّقَةٌ ، فَإِذَا وُجِدَ شَرْطُهَا بِأَنْ أَخْرَجَهَا مَثَلًا ثَبَتَ لَهَا ذَلِكَ الْمُسَمَّى ، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ الْمُسَمَّى الْأَوَّلُ ثَابِتًا ; لِأَنَّ الْمُنَجَّزَ لَا يُعْدِمُ وُجُودَ الْمُعَلَّقِ فَحِينَ وُجِدَ الْمُعَلَّقُ بِوُجُودِ شَرْطِهِ اجْتَمَعَ تَسْمِيَتَانِ فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ لِلْجَهَالَةِ وَوَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّهُمَا مُعَلَّقَانِ فَلَا يُوجَدُ فِي كُلِّ تَقْدِيرٍ سِوَى مُسَمًّى وَاحِدٍ .
وَوَجْهُ قَوْلِ زُفَرَ أَنَّهُ لَا تَعْلِيقَ أَصْلًا بَلْ هُمَا مُنَجَّزَانِ ; لِأَنَّ مَا يُضَمُّ مَعَ الْمَالِ إنَّمَا يُذْكَرُ لِلتَّرْغِيبِ لَا لِلشَّرْطِ فَاجْتَمَعَا فَفَسَدَا لِلْجَهَالَةِ ، وَأَصْلُهَا فِي الْإِجَارَاتِ وَسَتَزْدَادُ هُنَاكَ وُضُوحًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَاعْلَمْ أَنَّهُ نُقِلَ عَنْ الدَّبُوسِيِّ : لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ إنْ كَانَتْ قَبِيحَةً وَأَلْفَيْنِ إنْ كَانَتْ جَمِيلَةً يَصِحَّانِ بِالِاتِّفَاقِ ; لِأَنَّهُ لَا خَطَرَ فِي التَّسْمِيَةِ الثَّانِيَةِ ; لِأَنَّ أَحَدَ الْوَصْفَيْنِ ثَابِتٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ جَزْمًا ، غَيْرَ أَنَّ الزَّوْجَ يَجْهَلُهُ وَجَهَالَتُهُ لَا تُوجِبُ خَطَرًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوُقُوعِ وَعَدَمِهِ .
وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ مُقْتَضَاهُ ثُبُوتُ صِحَّتِهِمَا اتِّفَاقًا فِيمَا إذَا تَزَوَّجَهَا بِأَلْفٍ إنْ كَانَتْ مَوْلَاةً أَوْ لَيْسَتْ لَهُ امْرَأَةٌ وَبِأَلْفَيْنِ إنْ كَانَتْ حُرَّةَ الْأَصْلِ أَوْ لَهُ امْرَأَةٌ أُخْرَى لَكِنَّ الْخِلَافَ مَنْقُولٌ فِيهِمَا ، وَالْأَوْلَى أَنْ تُجْعَلَ مَسْأَلَةُ الْقَبِيحَةِ وَالْجَمِيلَةِ عَلَى الْخِلَافِ ، فَقَدْ نَصَّ فِي نَوَادِرِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَلَى الْخِلَافِ فِيهِمَا . وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ وَعَلَى طَلَاقِ فُلَانَةَ تَطْلُقُ بِمُجَرَّدِ تَمَامِ الْعَقْدِ ، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَذَا وَأَنْ يُطَلِّقَ فُلَانَةَ فَإِنَّهُ مَا لَمْ يُطَلِّقْهَا لَمْ تَطْلُقْ .
وَفِي الْمَبْسُوطِ : لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ وَعَلَى أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ فُلَانَةَ وَعَلَى أَنْ تَرُدَّ عَلَيْهِ عَبْدًا فَقَدْ بَذَلَتْ الْبُضْعَ وَالْعَبْدَ ، وَالزَّوْجُ بَذَلَ الْأَلْفَ وَشَرْطَ الطَّلَاقِ فَيَقْسِمُ الْأَلْفَ عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا وَعَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ ، فَإِنْ كَانَا سَوَاءً كَانَ نِصْفُ الْأَلْفِ ثَمَنًا لِلْعَبْدِ وَنِصْفُهَا صَدَاقًا لَهَا ، وَإِذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَلَهَا نِصْفُ ذَلِكَ ; وَإِنْ دَخَلَ بِهَا نُظِرَ ، إنْ كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا خَمْسَمِائَةٍ أَوْ أَقَلَّ فَلَيْسَ لَهَا إلَّا ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ فَإِنْ وَفَّى بِالشَّرْطِ فَطَلَّقَ فَلَيْسَ لَهَا إلَّا الْخَمْسُمِائَةِ ، وَإِنْ أَبَى أَنْ يُطَلِّقَ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ شَرْطُ الطَّلَاقِ وَإِيقَاعُ الطَّلَاقِ لَا يَصِحُّ الْتِزَامُهُ فِي الذِّمَّةِ فَلَا يَلْزَمُهُ بِالشَّرْطِ شَيْءٌ وَلَهَا كَمَالُ مَهْرِ مِثْلِهَا ، وَلَوْ كَانَ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ وَطَلَاقِ فُلَانَةَ عَلَى أَنْ تَرُدَّ عَلَيْهِ عَبْدًا وَقَعَ الطَّلَاقُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَالزَّوْجُ بَذَلَ شَيْئَيْنِ الْأَلْفَ وَالطَّلَاقَ وَالْمَرْأَةُ الْبُضْعَ وَالْعَبْدَ ، وَالشَّيْئَانِ مَتَى قُوبِلَا بِشَيْئَيْنِ يَنْقَسِمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ ، فَإِنْ كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ وَقِيمَةُ الْعَبْدِ سَوَاءً كَانَ نِصْفُ الْأَلْفِ وَنِصْفُ الطَّلَاقِ صَدَاقًا لَهَا ، فَإِذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ كَانَ لَهَا مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ ، وَالطَّلَاقُ الْوَاقِعُ عَلَى الضَّرَّةِ بَائِنٌ ; لِأَنَّ بِمُقَابَلَتِهِ نِصْفُ الْعَبْدِ وَنِصْفُ الْبُضْعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْعِوَضُ مَشْرُوطًا عَلَى الْمُطَلَّقَةِ ، وَإِنَّمَا جَعَلْنَا نِصْفَ الْعَبْدِ وَنِصْفَ الْبُضْعِ بِمُقَابَلَةِ الطَّلَاقِ ; لِأَنَّ الْمَجْهُولَ إذَا ضُمَّ إلَى الْمَعْلُومِ فَالِانْقِسَامُ بِاعْتِبَارِ الذَّاتِ دُونَ الْقِيمَةِ .
وَلَوْ اسْتَحَقَّ الْعَبْدُ أَوْ هَلَكَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ رَجَعَ بِخَمْسِمِائَةٍ حِصَّةِ الْعَبْدِ وَبِنِصْفِ قِيمَةِ الْعَبْدِ أَيْضًا ; لِأَنَّ نِصْفَ الْعَبْدِ بِمُقَابَلَةِ نِصْفِ الطَّلَاقِ ، وَاسْتِحْقَاقُ الْعَبْدِ أَوْ هَلَاكُهُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ يُوجِبُ قِيمَتَهُ عَلَى مَنْ كَانَ مُلْتَزِمًا تَسْلِيمَهُ فَلِهَذَا رَجَعَ بِقِيمَةِ ذَلِكَ النِّصْفِ . وَهَاهُنَا الْمَسْأَلَةُ الَّتِي تَجَاذَبَهَا بَابَا الشُّفْعَةِ وَالنِّكَاحِ وَهِيَ مَا إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى دَارٍ عَلَى أَنْ تَرُدَّ عَلَيْهِ أَلْفًا تُقْسَمُ الدَّارُ عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا وَعَلَى الْأَلْفِ ، حَتَّى لَوْ اسْتَوَيَا فَالنِّصْفُ مَهْرٌ وَالنِّصْفُ مَبِيعٌ ، وَإِنْ تَفَاوَتَا تَفَاوُتًا وَهَذَا بِالِاتِّفَاقِ ، ثُمَّ هَلْ تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ لِجَارِ هَذِهِ الدَّارِ فِيهَا مَثَلًا ؟ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا ، وَعِنْدَهُمَا نَعَمْ اعْتِبَارًا لِبَعْضِ الْمَبِيعِ بِالْكُلِّ ، وَهُوَ يَقُولُ مَا ثَبَتَ فِي ضِمْنِ شَيْءٍ يُعْطَى لَهُ حُكْمُ الْمُتَضَمِّنِ لَا حُكْمُ نَفْسِهِ ، وَالْبَيْعُ هَاهُنَا فِي ضِمْنِ 353 النِّكَاحِ إذْ الْعَقْدُ بِلَفْظِ النِّكَاحِ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُ ، وَلَا شُفْعَةَ فِي الدَّارِ الَّتِي يَتَزَوَّجُ عَلَيْهَا فَكَذَا فِي هَذِهِ ، وَلَوْ اُعْتُبِرَ الْبَيْعُ أَصْلًا فَسَدَ ; لِأَنَّهُ نِكَاحٌ فِي ضِمْنِ بَيْعٍ فَيَفْسُدُ الْبَيْعُ ; لِأَنَّهُ يَفْسُدُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ ، وَقَبُولُ النِّكَاحِ صَارَ شَرْطًا فِيهِ . وَفِي فَتَاوَى الْخَاصِّيِّ مِنْ عَلَامَةِ النُّونِ : رَجُلٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يُسَمِّ لَهَا مَهْرًا عَلَى أَنْ تَدْفَعَ إلَيْهِ هَذَا الْعَبْدَ فَإِنَّهُ يَقْسِمُ مَهْرَ مِثْلِهَا عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ وَمَهْرِ مِثْلِهَا ; لِأَنَّهَا بَذَلَتْ الْبُضْعَ وَالْعَبْدَ بِإِزَاءِ مَهْرِ الْمِثْلِ وَالْبَدَلُ يَنْقَسِمُ عَلَى قِيمَةِ الْمُبْدَلِ فَمَا أَصَابَ قِيمَةَ الْعَبْدِ فَالْبَيْعُ فِيهِ بَاطِلٌ ; لِأَنَّهَا بَاعَتْهُ بِشَيْءٍ مَجْهُولٍ وَيَصِيرُ الْبَاقِي مَهْرًا لَهَا . وَذَكَرَ فِي عَلَامَةِ الْوَاوِ قَالَ لِامْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُكِ عَلَى أَنْ تُعْطِينِي عَبْدَكِ هَذَا فَأَجَابَتْهُ بِالنِّكَاحِ جَازَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَلَا شَيْءَ مِنْ الْعَبْدِ ، أَمَّا أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الْعَبْدِ فَلِأَنَّ هَذَا شَرْطٌ فَاسِدٌ ، وَأَمَّا جَوَازُ النِّكَاحِ فَلِأَنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ ا هـ . وَهَذَا اخْتِلَافٌ فِي الْقَدْرِ الَّذِي يَجِبُ لَهَا إذْ مُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ تَمَامُ مَهْرِ الْمِثْلِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ
وَقَالَ زُفَرُ : إنْ كَانَ مَا ضُمَّ إلَى الْمُسَمَّى مَالًا كَالْهَدِيَّةِ وَنَحْوِهَا يَكْمُلُ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ عِنْدَ فَوَاتِهِ وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهَا إلَّا الْأَلْفُ ; لِأَنَّ الْمَالَ يَتَقَوَّمُ بِالْإِتْلَافِ ، فَكَذَا بِمَنْعِ التَّسْلِيمِ إذَا شُرِطَ لَهَا فِي الْعَقْدِ بِخِلَافِ طَلَاقِ الضَّرَّةِ وَنَحْوِهِ لَا يَتَقَوَّمُ فَلَا يَلْزَمُ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : إذَا فَاتَ ثَبَتَ لَهَا الْخِيَارُ فِي الْفَسْخِ ; لِأَنَّهَا لَمْ تَتَزَوَّجْهُ إلَّا عَلَى مِلْكِ الْمَرْغُوبِ فِيهِ فَصَارَ كَمَا إذَا بَاعَ عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ خَبَّازٌ أَوْ كَاتِبٌ وَهُوَ بِخِلَافِهِ ، وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ } .
وَجَوَابُ زُفَرَ أَنَّ إيجَابَ التَّسْلِيمِ لَيْسَ لِلتَّقَوُّمِ فِي الْمَضْمُومِ بَلْ لِعَدَمِ رِضَاهَا بِالْأَلْفِ إلَّا بِهِ فَبِانْتِفَائِهِ ظَهَرَ عَدَمُ رِضَاهَا بِالْمُسَمَّى فَكَانَ كَعَدَمِ التَّسْمِيَةِ وَفِيهِ مَهْرُ الْمِثْلِ . وَجَوَابُ الثَّانِي أَنَّ ذَلِكَ فِي الشَّرْطِ الصَّحِيحِ وَلَيْسَ هَذَا مِنْهُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ إلَّا شَرْطًا 351 أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا } . وَهَذِهِ الشُّرُوطُ تَمْنَعُ التَّزَوُّجَ وَالتَّسَرِّي لَوْ وَجَبَ الْجَرْيُ عَلَى مُوجِبِهَا فَكَانَتْ بَاطِلَةً فَلَا يُؤَثِّرُ عَدَمُهَا فِي خِيَارِ الْفَسْخِ ، بَلْ إنْ وَفَّى تَمَّتْ التَّسْمِيَةُ لِرِضَاهَا بِهَا وَإِلَّا لَا تَتِمُّ لِعَدَمِ الرِّضَا ، وَفَسَادُ الْعَقْدِ لَيْسَ لَازِمًا لِعَدَمِ تَمَامِ التَّسْمِيَةِ وَلَا لِعَدَمِهَا رَأْسًا إذْ لَيْسَ ذِكْرُهَا مِنْ الْأَرْكَانِ وَلَا الشُّرُوطِ ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ .
فَإِنْ قِيلَ : مَا اسْتَدْلَلْتُمْ بِهِ لَا يَمَسُّ مَحَلَّ النِّزَاعِ ; لِأَنَّ مُقْتَضَى الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ مَا دَامَتْ تَحْتَهُ مُخْتَارًا لِعَدَمِ دُخُولِ خِيَارِ الْفَسْخِ فِي يَدَيْهَا وَأَيْنَ عَدَمُ التَّزَوُّجِ مُخْتَارًا لِأَمْرٍ مِنْ تَحْرِيمِهِ شَرْعًا ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الشَّرْطَ الْمُحَرِّمَ لِلْحَلَالِ بَعْدَمَا حَكَمَ بِكَوْنِهِ بَاطِلًا لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا عَلَى إرَادَةِ كَوْنِهِ شَرْطَ تَرْكِ الْحَلَالِ أَوْ فِعْلِ الْحَرَامِ ، إذْ لَوْ أَحَلَّ حَقِيقَةً بِأَنْ ثَبَتَ بِهِ حُكْمُ الْحِلِّ شَرْعًا لَمْ يَكُنْ بَاطِلًا ، وَإِذَا عَارَضَهُ وَجَبَ حَمْلُ الْأَحَقِّيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِيمَا رُوِيَ عَلَى مَا مَنْ أَلْحَقَ فِي نَفْسِهِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِهِ ضِدُّ الْبَاطِلِ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الْوُجُوبِ صَادِقٌ عَلَيْهِ وَعَلَى الْجَائِزِ وَالْمَنْدُوبِ لَا مَا يَخُصُّ الْوَاجِبَ عَيْنًا .
بَقِيَ أَنْ يُقَالَ : إذَا ظَهَرَ عَدَمُ رِضَاهَا بِالْأَلْفِ لَمْ يَلْزَمْ كَوْنُهُ نِكَاحًا بِلَا تَسْمِيَةٍ وَلَا نَظِيرَهُ لِلْقَطْعِ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُفَوِّضَةً ، بَلْ إنَّمَا رَضِيَتْ بِتَسْمِيَةٍ صَحِيحَةٍ مُعَيَّنَةٍ ، وَقَدْ قَالُوا : إذَا سَمَّى لِلْبِكْرِ عِنْدَ اسْتِئْذَانِهَا مَهْرًا فَسَكَتَتْ لَا يَكُونُ رِضًا حَتَّى يَكُونَ الْمَهْرُ وَافِرًا وَلَا يَصِحُّ النِّكَاحُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَلَا بِهِ فَكَيْفَ وَهِيَ مُصَرِّحَةٌ بِنَفْيِهِ ، وَكَوْنُ مَهْرِ مِثْلِهَا أَصْلًا لَا يَسْتَلْزِمُ صِحَّةَ النِّكَاحِ بِهِ مَا لَمْ تَكُنْ مُفَوِّضَةً أَوْ تُصَرِّحُ بِالرِّضَا بِهِ . وَإِلَّا فَقَدْ لَا تَرْضَى بِمَهْرِ الْمِثْلِ تَسْمِيَةً فَلَا يَنْفُذُ النِّكَاحُ عَلَيْهَا بِهِ فَيَجِبُ أَنْ تَخْتَارَ ، كَمَا إذَا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ ثُمَّ يَثْبُتُ لِلْوَلِيِّ خِيَارُ الْفَسْخِ ، وَأَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ حَمْلِ لَفْظِ أَحَقَّ فِي الْحَدِيثِ عَلَى مَا ذُكِرَ فَبِلَا مُوجِبٍ ; لِأَنَّ ذَلِكَ الْمُوجِبَ وَهُوَ تَحْرِيمُ الْحَلَالِ مُنْتَفٍ ; لِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ التَّسَرِّي بِهَذَا الشَّرْطِ بَلْ هُوَ امْتَنَعَ مِنْهُ بِالْتِزَامِهِ مُخْتَارًا لِأَحَبِّ الْأَمْرَيْنِ إلَيْهِ وَهُوَ صُحْبَةُ الزَّوْجَةِ ، وَلِهَذَا لَوْ تَسَرَّى لَا نَقُولُ فَعَلَ مُحَرَّمًا وَهُوَ أَدْنَى مِنْ امْتِنَاعِهِ عَنْ بَعْضِ الْمُبَاحَاتِ بِحَلِفِهِ لَا يَفْعَلُهُ .
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَكَأَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ بِأَنْ أَقَامَ بِهَا أَوْ عَلَى أَنْ لَا يَتَسَرَّى أَوْ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَ ضَرَّتَهَا أَوْ إنْ كَانَتْ مَوْلَاةً أَوْ إنْ كَانَتْ أَعْجَمِيَّةً أَوْ ثَيِّبًا عَلَى أَلْفَيْنِ إنْ كَانَ أَضْدَادُهَا فَإِنْ وَفَّى بِالْأَوَّلِ أَوْ كَانَتْ أَعْجَمِيَّةً وَنَحْوَهُ فَلَهَا الْأَلْفُ وَإِلَّا فَمَهْرُ الْمِثْلِ لَا يُزَادُ عَلَى أَلْفَيْنِ وَلَا يَنْقُصُ عَنْ أَلْفٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَكَذَا إنْ قَدَّمَ شَرْطَ الْأَلْفَيْنِ يَصِحُّ الْمَذْكُورُ عِنْدَهُ حَتَّى لَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ يَجِبُ لَهَا نِصْفُ الْمُسَمَّى أَوَّلًا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا خَطَرَ فِيهَا وَكَذَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى ; لِأَنَّ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ يَسْقُطُ اعْتِبَارُ هَذَا الشَّرْطِ ، وَقَالَا : الشَّرْطَانِ جَائِزَانِ فَلَهَا الْأَلْفُ إنْ أَقَامَ بِهَا وَالْأَلْفَانِ إنْ أَخْرَجَهَا . وَقَالَ زُفَرُ : الشَّرْطَانِ فَاسِدَانِ فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا لَا يَنْقُصُ 352 عَنْ الْأَلْفِ وَلَا يُزَادُ عَلَى الْأَلْفَيْنِ . وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا خَطَرَ فِي التَّسْمِيَةِ الْأُولَى بَلْ هِيَ مُنْجَزَةٌ بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ فَهِيَ مُعَلَّقَةٌ ، فَإِذَا وُجِدَ شَرْطُهَا بِأَنْ أَخْرَجَهَا مَثَلًا ثَبَتَ لَهَا ذَلِكَ الْمُسَمَّى ، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ الْمُسَمَّى الْأَوَّلُ ثَابِتًا ; لِأَنَّ الْمُنَجَّزَ لَا يُعْدِمُ وُجُودَ الْمُعَلَّقِ فَحِينَ وُجِدَ الْمُعَلَّقُ بِوُجُودِ شَرْطِهِ اجْتَمَعَ تَسْمِيَتَانِ فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ لِلْجَهَالَةِ وَوَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّهُمَا مُعَلَّقَانِ فَلَا يُوجَدُ فِي كُلِّ تَقْدِيرٍ سِوَى مُسَمًّى وَاحِدٍ .
وَوَجْهُ قَوْلِ زُفَرَ أَنَّهُ لَا تَعْلِيقَ أَصْلًا بَلْ هُمَا مُنَجَّزَانِ ; لِأَنَّ مَا يُضَمُّ مَعَ الْمَالِ إنَّمَا يُذْكَرُ لِلتَّرْغِيبِ لَا لِلشَّرْطِ فَاجْتَمَعَا فَفَسَدَا لِلْجَهَالَةِ ، وَأَصْلُهَا فِي الْإِجَارَاتِ وَسَتَزْدَادُ هُنَاكَ وُضُوحًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَاعْلَمْ أَنَّهُ نُقِلَ عَنْ الدَّبُوسِيِّ : لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ إنْ كَانَتْ قَبِيحَةً وَأَلْفَيْنِ إنْ كَانَتْ جَمِيلَةً يَصِحَّانِ بِالِاتِّفَاقِ ; لِأَنَّهُ لَا خَطَرَ فِي التَّسْمِيَةِ الثَّانِيَةِ ; لِأَنَّ أَحَدَ الْوَصْفَيْنِ ثَابِتٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ جَزْمًا ، غَيْرَ أَنَّ الزَّوْجَ يَجْهَلُهُ وَجَهَالَتُهُ لَا تُوجِبُ خَطَرًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوُقُوعِ وَعَدَمِهِ .
وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ مُقْتَضَاهُ ثُبُوتُ صِحَّتِهِمَا اتِّفَاقًا فِيمَا إذَا تَزَوَّجَهَا بِأَلْفٍ إنْ كَانَتْ مَوْلَاةً أَوْ لَيْسَتْ لَهُ امْرَأَةٌ وَبِأَلْفَيْنِ إنْ كَانَتْ حُرَّةَ الْأَصْلِ أَوْ لَهُ امْرَأَةٌ أُخْرَى لَكِنَّ الْخِلَافَ مَنْقُولٌ فِيهِمَا ، وَالْأَوْلَى أَنْ تُجْعَلَ مَسْأَلَةُ الْقَبِيحَةِ وَالْجَمِيلَةِ عَلَى الْخِلَافِ ، فَقَدْ نَصَّ فِي نَوَادِرِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَلَى الْخِلَافِ فِيهِمَا . وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ وَعَلَى طَلَاقِ فُلَانَةَ تَطْلُقُ بِمُجَرَّدِ تَمَامِ الْعَقْدِ ، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَذَا وَأَنْ يُطَلِّقَ فُلَانَةَ فَإِنَّهُ مَا لَمْ يُطَلِّقْهَا لَمْ تَطْلُقْ .
وَفِي الْمَبْسُوطِ : لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ وَعَلَى أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ فُلَانَةَ وَعَلَى أَنْ تَرُدَّ عَلَيْهِ عَبْدًا فَقَدْ بَذَلَتْ الْبُضْعَ وَالْعَبْدَ ، وَالزَّوْجُ بَذَلَ الْأَلْفَ وَشَرْطَ الطَّلَاقِ فَيَقْسِمُ الْأَلْفَ عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا وَعَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ ، فَإِنْ كَانَا سَوَاءً كَانَ نِصْفُ الْأَلْفِ ثَمَنًا لِلْعَبْدِ وَنِصْفُهَا صَدَاقًا لَهَا ، وَإِذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَلَهَا نِصْفُ ذَلِكَ ; وَإِنْ دَخَلَ بِهَا نُظِرَ ، إنْ كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا خَمْسَمِائَةٍ أَوْ أَقَلَّ فَلَيْسَ لَهَا إلَّا ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ فَإِنْ وَفَّى بِالشَّرْطِ فَطَلَّقَ فَلَيْسَ لَهَا إلَّا الْخَمْسُمِائَةِ ، وَإِنْ أَبَى أَنْ يُطَلِّقَ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ شَرْطُ الطَّلَاقِ وَإِيقَاعُ الطَّلَاقِ لَا يَصِحُّ الْتِزَامُهُ فِي الذِّمَّةِ فَلَا يَلْزَمُهُ بِالشَّرْطِ شَيْءٌ وَلَهَا كَمَالُ مَهْرِ مِثْلِهَا ، وَلَوْ كَانَ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ وَطَلَاقِ فُلَانَةَ عَلَى أَنْ تَرُدَّ عَلَيْهِ عَبْدًا وَقَعَ الطَّلَاقُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَالزَّوْجُ بَذَلَ شَيْئَيْنِ الْأَلْفَ وَالطَّلَاقَ وَالْمَرْأَةُ الْبُضْعَ وَالْعَبْدَ ، وَالشَّيْئَانِ مَتَى قُوبِلَا بِشَيْئَيْنِ يَنْقَسِمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ ، فَإِنْ كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ وَقِيمَةُ الْعَبْدِ سَوَاءً كَانَ نِصْفُ الْأَلْفِ وَنِصْفُ الطَّلَاقِ صَدَاقًا لَهَا ، فَإِذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ كَانَ لَهَا مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ ، وَالطَّلَاقُ الْوَاقِعُ عَلَى الضَّرَّةِ بَائِنٌ ; لِأَنَّ بِمُقَابَلَتِهِ نِصْفُ الْعَبْدِ وَنِصْفُ الْبُضْعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْعِوَضُ مَشْرُوطًا عَلَى الْمُطَلَّقَةِ ، وَإِنَّمَا جَعَلْنَا نِصْفَ الْعَبْدِ وَنِصْفَ الْبُضْعِ بِمُقَابَلَةِ الطَّلَاقِ ; لِأَنَّ الْمَجْهُولَ إذَا ضُمَّ إلَى الْمَعْلُومِ فَالِانْقِسَامُ بِاعْتِبَارِ الذَّاتِ دُونَ الْقِيمَةِ .
وَلَوْ اسْتَحَقَّ الْعَبْدُ أَوْ هَلَكَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ رَجَعَ بِخَمْسِمِائَةٍ حِصَّةِ الْعَبْدِ وَبِنِصْفِ قِيمَةِ الْعَبْدِ أَيْضًا ; لِأَنَّ نِصْفَ الْعَبْدِ بِمُقَابَلَةِ نِصْفِ الطَّلَاقِ ، وَاسْتِحْقَاقُ الْعَبْدِ أَوْ هَلَاكُهُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ يُوجِبُ قِيمَتَهُ عَلَى مَنْ كَانَ مُلْتَزِمًا تَسْلِيمَهُ فَلِهَذَا رَجَعَ بِقِيمَةِ ذَلِكَ النِّصْفِ . وَهَاهُنَا الْمَسْأَلَةُ الَّتِي تَجَاذَبَهَا بَابَا الشُّفْعَةِ وَالنِّكَاحِ وَهِيَ مَا إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى دَارٍ عَلَى أَنْ تَرُدَّ عَلَيْهِ أَلْفًا تُقْسَمُ الدَّارُ عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا وَعَلَى الْأَلْفِ ، حَتَّى لَوْ اسْتَوَيَا فَالنِّصْفُ مَهْرٌ وَالنِّصْفُ مَبِيعٌ ، وَإِنْ تَفَاوَتَا تَفَاوُتًا وَهَذَا بِالِاتِّفَاقِ ، ثُمَّ هَلْ تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ لِجَارِ هَذِهِ الدَّارِ فِيهَا مَثَلًا ؟ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا ، وَعِنْدَهُمَا نَعَمْ اعْتِبَارًا لِبَعْضِ الْمَبِيعِ بِالْكُلِّ ، وَهُوَ يَقُولُ مَا ثَبَتَ فِي ضِمْنِ شَيْءٍ يُعْطَى لَهُ حُكْمُ الْمُتَضَمِّنِ لَا حُكْمُ نَفْسِهِ ، وَالْبَيْعُ هَاهُنَا فِي ضِمْنِ 353 النِّكَاحِ إذْ الْعَقْدُ بِلَفْظِ النِّكَاحِ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُ ، وَلَا شُفْعَةَ فِي الدَّارِ الَّتِي يَتَزَوَّجُ عَلَيْهَا فَكَذَا فِي هَذِهِ ، وَلَوْ اُعْتُبِرَ الْبَيْعُ أَصْلًا فَسَدَ ; لِأَنَّهُ نِكَاحٌ فِي ضِمْنِ بَيْعٍ فَيَفْسُدُ الْبَيْعُ ; لِأَنَّهُ يَفْسُدُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ ، وَقَبُولُ النِّكَاحِ صَارَ شَرْطًا فِيهِ . وَفِي فَتَاوَى الْخَاصِّيِّ مِنْ عَلَامَةِ النُّونِ : رَجُلٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يُسَمِّ لَهَا مَهْرًا عَلَى أَنْ تَدْفَعَ إلَيْهِ هَذَا الْعَبْدَ فَإِنَّهُ يَقْسِمُ مَهْرَ مِثْلِهَا عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ وَمَهْرِ مِثْلِهَا ; لِأَنَّهَا بَذَلَتْ الْبُضْعَ وَالْعَبْدَ بِإِزَاءِ مَهْرِ الْمِثْلِ وَالْبَدَلُ يَنْقَسِمُ عَلَى قِيمَةِ الْمُبْدَلِ فَمَا أَصَابَ قِيمَةَ الْعَبْدِ فَالْبَيْعُ فِيهِ بَاطِلٌ ; لِأَنَّهَا بَاعَتْهُ بِشَيْءٍ مَجْهُولٍ وَيَصِيرُ الْبَاقِي مَهْرًا لَهَا . وَذَكَرَ فِي عَلَامَةِ الْوَاوِ قَالَ لِامْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُكِ عَلَى أَنْ تُعْطِينِي عَبْدَكِ هَذَا فَأَجَابَتْهُ بِالنِّكَاحِ جَازَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَلَا شَيْءَ مِنْ الْعَبْدِ ، أَمَّا أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الْعَبْدِ فَلِأَنَّ هَذَا شَرْطٌ فَاسِدٌ ، وَأَمَّا جَوَازُ النِّكَاحِ فَلِأَنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ ا هـ . وَهَذَا اخْتِلَافٌ فِي الْقَدْرِ الَّذِي يَجِبُ لَهَا إذْ مُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ تَمَامُ مَهْرِ الْمِثْلِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث