فتح القدير
فتح القدير · الجزء الثالث
الصفحة 1928 · ص. المطبوع 489 · الشرح
( قَوْلُهُ وَطَلَاقُ الْمُكْرَهِ وَاقِعٌ ) وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ ( خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ) وَبِقَوْلِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ فِيمَا إذَا كَانَ الْإِكْرَاهُ بِغَيْرِ حَقٍّ لَا يَصِحُّ طَلَاقُهُ وَلَا خُلْعُهُ ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَشُرَيْحٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ } ; وَلِأَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يُجَامِعُ الِاخْتِيَارَ الَّذِي بِهِ يُعْتَبَرُ التَّصَرُّفُ الشَّرْعِيُّ بِخِلَافِ الْهَازِلِ ; لِأَنَّهُ مُخْتَارٌ فِي التَّكَلُّمِ بِالطَّلَاقِ غَيْرُ رَاضٍ بِحُكْمِهِ فَيَقَعُ طَلَاقُهُ . قُلْنَا : وَكَذَلِكَ الْمُكْرَهُ مُخْتَارٌ فِي التَّكَلُّمِ اخْتِيَارًا كَامِلًا فِي السَّبَبِ إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ رَاضٍ بِالْحُكْمِ ; لِأَنَّهُ عَرَفَ الشَّرَّيْنِ فَاخْتَارَ أَهْوَنَهُمَا عَلَيْهِ ، غَيْرَ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى اخْتِيَارِهِ ذَلِكَ وَلَا تَأْثِيرَ لِهَذَا فِي نَفْيِ الْحُكْمِ ، يَدُلُّ عَلَيْهِ { ۝ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ وَأَبِيهِ حِينَ حَلَّفَهُمَا الْمُشْرِكُونَ ، فَقَالَ لَهُمَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ } فَبَيَّنَ أَنَّ الْيَمِينَ طَوْعًا وَكَرْهًا سَوَاءٌ ، فَعُلِمَ أَنْ لَا تَأْثِيرَ لِلْإِكْرَاهِ فِي نَفْيِ الْحُكْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ عَنْ اخْتِيَارٍ ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ ; لِأَنَّ حُكْمَهُ يَتَعَلَّقُ بِاللَّفْظِ وَمَا يَقُومُ مَقَامَهُ مَعَ الرِّضَا وَهُوَ مُنْتَفٍ بِالْإِكْرَاهِ . وَحَدِيثُ { ۝ رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ } مِنْ بَابِ الْمُقْتَضَى وَلَا عُمُومَ لَهُ ، 489 وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيرُ الْحُكْمِ الَّذِي يَعُمُّ أَحْكَامَ الدُّنْيَا وَأَحْكَامَ الْآخِرَةِ بَلْ إمَّا حُكْمُ الدُّنْيَا وَإِمَّا حُكْمُ الْآخِرَةِ . وَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْآخِرَةِ وَهُوَ الْمُؤَاخَذَةُ مُرَادٌ فَلَا يُرَادُ الْآخَرُ مَعَهُ وَإِلَّا عُمِّمَ . وَرَوَى مُحَمَّدٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو الطَّائِيِّ { ۝ أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُبْغِضُ زَوْجَهَا فَوَجَدَتْهُ نَائِمًا ، فَأَخَذَتْ شَفْرَةً وَجَلَسَتْ عَلَى صَدْرِهِ ثُمَّ حَرَّكَتْهُ وَقَالَتْ لَتُطَلِّقَنِّي ثَلَاثًا وَإِلَّا ذَبَحْتُكَ ، فَنَاشَدَهَا اللَّهَ فَأَبَتْ ، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا ، ثُمَّ جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا قَيْلُولَةَ فِي الطَّلَاقِ } وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : أَرْبَعٌ مُبْهَمَاتٌ مُقْفَلَاتٌ لَيْسَ فِيهِنَّ رَدٌّ النِّكَاحُ ، وَالطَّلَاقُ ، وَالْعَتَاقُ ، وَالصَّدَقَةُ .
وَأَمَّا الْوَجْهُ الْقَائِلُ إنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يُزِيلُ الْخِطَابَ فِيمَا أُكْرِهَ فِيهِ حَتَّى يُبَاحَ مَرَّةً وَيُفْتَرَضَ وَيَحْرُمَ أُخْرَى فَلَيْسَ الْكَلَامُ فِي حِلِّ الْإِقْدَامِ وَحُرْمَتِهِ بَلْ فِي تَرَتُّبِ حُكْمِ مَا حَلَّ أَوْ وَجَبَ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ تَلَفُّظًا ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حِلِّ التَّلَفُّظِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ تَرَتُّبُ حُكْمِهِ إذَا كَانَ مِمَّا يَضُرُّهُ فَالْوَجْهُ مَا تَقَدَّمَ وَجَمِيعُ مَا يَثْبُتُ مَعَ الْإِكْرَاهِ أَحْكَامُهُ عَشَرَةُ تَصَرُّفَاتٍ : النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ ، وَالرَّجْعَةُ وَالْإِيلَاءُ وَالْفَيْءُ ، وَالظِّهَارُ وَالْعَتَاقُ وَالْعَفْوُ عَنْ الْقِصَاصِ وَالْيَمِينُ وَالنَّذْرُ ، وَجَمَعْتهَا لِيَسْهُلَ حِفْظُهَا فِي قَوْلِي : ﴿﴾ يَصِحُّ مَعَ الْإِكْرَاهِ عِتْقٌ وَرَجْعَةٌ ﴿﴾ ﴿﴾ نِكَاحٌ وَإِيلَاءٌ طَلَاقُ مُفَارِقِي ﴿﴾ ﴿﴾ وَفَيْءٌ ظِهَارٌ وَالْيَمِينُ وَنَذْرُهُ ﴿﴾ ﴿﴾ وَعَفْوٌ لِقَتْلِ شَابَ عَنْهُ مَفَارِقِي ﴿﴾ وَهَذَا فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ ، وَإِلَّا فَبِالْإِكْرَاهِ عَلَى الْإِسْلَامِ تَتِمُّ أَحَدَ عَشَرَ ; لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَصِحُّ مَعَهُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث