فتح القدير
فتح القدير · الجزء الأول
( قَوْلُهُ مِمَّا إذَا عُصِرَ انْعَصَرَ ) يُخْرِجُ الدُّهْنَ وَالزَّيْتَ وَاللَّبَنَ وَالسَّمْنَ ، بِخِلَافِ الْخَلِّ وَمَاءِ الْبَاقِلَاءِ الَّذِي لَمْ يُثْخَنْ ، فَفِي جَعْلِ الْأَوَّلِ 193 عَلَى الْخِلَافِ كَمَا هِيَ قُوَيْلَةٌ نَظَرٌ ( قَوْلُهُ يَتَنَجَّسُ بِأَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ ) مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ بِحَيْثُ يَخْرُجُ بَعْضُ أَجْزَائِهَا فِي الْمَاءِ أَلَا تَرَى إلَى مَا ذَكَرُوا مِنْ أَنَّهُ لَوْ مَشَى وَرِجْلُهُ مُبْتَلَّةٌ عَلَى أَرْضٍ أَوْ لَبِدٍ نَجِسٍ جَافٍّ لَا يَتَنَجَّسُ ، وَلَوْ كَانَ عَلَى الْقَلْبِ وَظَهَرَتْ الرُّطُوبَةُ فِي رِجْلِهِ تَتَنَجَّسُ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ .
قُلْت : يَجِبُ حَمْلُ الرُّطُوبَةِ عَلَى الْبَلَلِ لَا النَّدْوَةِ ، فَقَدْ ذَكَرَ فِيهَا إذَا لَفَّ الثَّوْبَ النَّجِسَ الرَّطْبَ فِي الثَّوْبِ الطَّاهِرِ الْجَافِّ فَظَهَرَتْ فِيهِ نَدْوَتُهُ وَلَمْ يَصِرْ بِحَيْثُ يَقْطُرُ مِنْهُ شَيْءٌ إذَا عُصِرَ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ ، وَكَذَا لَوْ بُسِطَ عَلَى النَّجِسِ الرَّطْبِ فَتَنَدَّى وَلَيْسَ بِحَيْثُ يَقْطُرُ إذَا عُصِرَ الْأَصَحُّ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ ذَكَرَهُ الْحَلْوَانِيُّ .
وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ بِلَيِّ الثَّوْبِ وَعَصْرِهِ نَبْعُ رُءُوسٍ صِغَارٍ لَيْسَ لَهَا قُوَّةُ السَّيَلَانِ لِيَتَّصِلَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ فَتَقْطُرُ بَلْ تُقَرُّ فِي مَوَاضِعِ نَبْعِهَا ثُمَّ تُرْجَعُ إذَا حُلَّ الثَّوْبُ ، وَيَبْعُدُ فِي مِثْلِهِ الْحُكْمُ بِطَهَارَةِ الثَّوْبِ مَعَ وُجُودِ حَقِيقَةِ الْمُخَالِطِ ، فَالْأَوْلَى إنَاطَةُ عَدَمِ النَّجَاسَةِ بِعَدَمِ نَبْعِ شَيْءٍ عِنْدَ الْعَصْرِ لِيَكُونَ مُجَرَّدَ نَدْوَةٍ لَا بِعَدَمِ التَّقَاطُرِ ( قَوْلُهُ إلَّا أَنَّ هَذَا الْقِيَاسَ تُرِكَ فِي الْمَاءِ لِلضَّرُورَةِ ) مُطْلَقًا عِنْدَ مُحَمَّدٍ سَوَاءٌ أُورِدَ عَلَى النَّجَاسَةِ أَوْ أُورِدَتْ هِيَ عَلَيْهِ وَإِلَّا لَمْ يَحْصُلْ طَهَارَةُ شَيْءٍ بِالْمَاءِ لِأَنَّهُ يُنَجِّسُ الْمَاءَ فَيَحُلُّ الْمَحَلَّ مَاءٌ نَجِسٌ ، وَكَذَا كُلُّ مَا بَعْدَهُ يَتَنَجَّسُ بِمُلَاقَاةِ بَلَلِ السَّابِقِ ، وَفِي الْوَارِدِ فَقَطْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَنَّ الْمَوْرُودَ لَا يَطْهُرُ عِنْدَهُ .
وَلَمَّا سَقَطَ هَذَا الْقِيَاسُ عِنْدَهُ فِي الْوَارِدِ وَبَقِيَ طَاهِرًا حَالَ كَوْنِهِ فِي الثَّوْبِ بَقِيَ كَذَلِكَ بَعْدَ انْفِصَالِهِ بِالْعَصْرِ أَيْضًا مَا لَمْ يَظْهَرْ فِي الْمُنْفَصِلِ أَثَرُ النَّجَاسَةِ لَوْنٌ أَوْ رِيحٌ لِأَنَّهُ كَانَ مَحْكُومًا بِطَهَارَتِهِ حَالَ الْمُخَالَطَةِ فِي الْمَحَلِّ وَلَمْ يُوجَدْ بَعْدَهُ إلَّا الِانْفِصَالُ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُنَجَّسٍ ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَأَثَّرَ لِأَنَّ بَقَاءَ الْأَثَرِ مُخَالَطَةٌ بَعْدَ الِانْفِصَالِ فَيَتَنَجَّسُ ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَصَاحِبَيْهِ هُوَ طَاهِرٌ فِي الْمَحَلِّ نَجِسٌ إذَا انْفَصَلَ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالطَّهَارَةِ مَعَ مُخَالَطَةِ النَّجِسِ إنَّمَا هُوَ لِلضَّرُورَةِ ، فَإِذَا زَالَتْ بِالِانْفِصَالِ ظَهَرَ أَثَرُ الْمُخَالَطَةِ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ بِالضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا وَلَا أَثَرَ لِلْوُرُودِ لِأَنَّهُ لَيْسَ جَارِيًا حَقِيقَةً ، أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ وَضَعَ الثَّوْبَ النَّجِسَ فِي الْإِجَّانَةِ ثُمَّ أُورِدَ عَلَيْهِ تَحْصُلُ فِيهَا مُخَالِطًا لِلنَّجَاسَةِ ، وَهَذَا هُوَ الْمُوجِبُ لِثُبُوتِ قِيَاسِ النَّجَاسَةِ وَهُوَ بِعَيْنِهِ فِي الْمَوْرُودِ فَاتَّحَدَ الْقِيَاسُ فِيهِمَا ثُمَّ سَقَطَ لِلضَّرُورَةِ هَذَا فِي الْمَاءَيْنِ ، أَمَّا الثَّالِثُ فَطَاهِرٌ عِنْدَهُمَا لِأَنَّهُ كَانَ طَاهِرًا وَانْفَصَلَ عَنْ مَحَلٍّ طَاهِرٍ ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ نَجِسٌ لِأَنَّ طَهَارَتَهُ فِي الْمَحَلِّ ضَرُورَةُ تَطْهِيرِهِ وَقَدْ زَالَتْ ، وَإِنَّمَا حُكِمَ شَرْعًا بِطَهَارَةِ الْمَحَلِّ عِنْدَ انْفِصَالِهِ بِدَلَالَةِ الْحَدِيثِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا وَإِلَّا لَمْ تَحْصُلْ طَهَارَةٌ ، وَلَا ضَرُورَةَ فِي اعْتِبَارِ الْمَاءِ الْمُنْفَصِلِ طَاهِرًا مَعَ مُخَالَطَةِ النَّجِسِ فَيَكُونُ نَجِسًا بِخِلَافِ الرَّابِعِ فَإِنَّهُ لَمْ يُخَالِطْ مَا هُوَ مَحْكُومٌ شَرْعًا بِنَجَاسَتِهِ فِي الْمَحَلِّ فَيَكُونُ طَاهِرًا .
[ فَرْعٌ ]
فِي التَّجْنِيسِ غَسَلَ ثَوْبًا ثُمَّ قَطَرَ مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ إنْ عَصَرَهُ فِي الثَّالِثَةِ حَتَّى صَارَ بِحَالٍ لَوْ عَصَرَهُ لَا يَسِيلُ مِنْهُ شَيْءٌ فَالْيَدُ طَاهِرَةٌ وَالْبَلَلُ طَاهِرٌ ، وَإِنْ كَانَ بِحَالٍ يَسِيلُ فَنَجِسَةٌ فَفِي هَذَا أَنَّ بِلَّةَ الْيَدِ طَاهِرَةٌ مَعَ أَنَّهَا بَعْضُ الثَّالِثِ .
194 وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمَّا سَقَطَ ذَلِكَ الْقِيَاسُ لَمْ يُفَرِّقْ مُحَمَّدٌ بَيْنَ تَطْهِيرِ الثَّوْبِ النَّجِسِ فِي الْإِجَّانَةِ وَالْعُضْوِ النَّجِسِ بِأَنْ يَغْسِلَ كُلًّا مِنْهُمَا فِي ثَلَاثِ إجَّانَاتٍ طَاهِرَاتٍ أَوْ ثَلَاثًا فِي إجَّانَةٍ بِمِيَاهٍ طَاهِرَةٍ فَيَخْرُجُ مِنْ الثَّالِثِ طَاهِرٌ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ بِذَلِكَ فِي الثَّوْبِ خَاصَّةً ، أَمَّا الْعُضْوُ الْمُتَنَجِّسُ إذَا غُمِسَ فِي إجَّانَاتٍ طَاهِرَاتٍ نَجَّسَ الْجَمِيعَ وَلَا يَطْهُرُ بِحَالٍ ، بَلْ بِأَنْ يُغْسَلَ فِي مَاءٍ جَارٍ أَوْ يُصَبَّ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَأْبَى حُصُولَ الطَّهَارَةِ لَهُمَا بِالْغَسْلِ فِي الْأَوَانِي فَسَقَطَ فِي الثِّيَابِ لِلضَّرُورَةِ وَبَقِيَ فِي الْعُضْوِ لِعَدَمِهَا ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُتَنَجِّسُ مِنْ الثَّوْبِ قَدْرَ دِرْهَمٍ فَقَرْصٌ لَا يُجِيزُهُ أَبُو يُوسُفَ فِي الْإِجَّانَةِ وَعَلَى هَذَا جُنُبٌ اغْتَسَلَ فِي آبَارِ وَلَمْ يَكُنْ اسْتَنْجَى تَنْجُسُ كُلُّهَا وَإِنْ كَثُرَتْ ، وَإِنْ كَانَ اسْتَنْجَى صَارَتْ فَاسِدَةً وَلَمْ يَطْهُرْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ : إنْ لَمْ يَكُنْ اسْتَنْجَى يَخْرُجُ مِنْ الثَّالِثَةِ طَاهِرًا وَكُلُّهَا نَجِسَةٌ ، وَإِنْ كَانَ اسْتَنْجَى يَخْرُجُ مِنْ الْأُولَى طَاهِرًا وَسَائِرُهَا مُسْتَعْمَلَةٌ كَذَا فِي الْمُصَفَّى ، وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ الِاسْتِعْمَالِ بِمَا إذَا قَصَدَ الْقُرْبَةَ عِنْدَهُ ( قَوْلُهُ وَلَهُمَا ) الْحَاصِلُ الْقِيَاسُ عَلَى الْمَاءِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ مَعْلُولٌ بِعِلَّةِ كَوْنِهِ قَالِعًا لِتِلْكَ النَّجَاسَةِ ، وَسُقُوطُ ذَلِكَ الْقِيَاسِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَلْعَ وَالْحُكْمَ بِالتَّطْهِيرِ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا بِإِسْقَاطِهِ ، وَالْمَائِعُ قَالِعٌ فَهُوَ مُحَصَّلُ ذَلِكَ الْمَقْصُودِ فَيَسْقُطُ فِيهِ ذَلِكَ الْقِيَاسُ وَتَحْصُلُ بِهِ الطَّهَارَةُ .
[ فَرْعٌ ]
غَسْلُ الثَّوْبِ الْمُتَنَجِّسِ بِالدَّمِ بِالْبَوْلِ حَتَّى زَالَ عَيْنُ الدَّمِ ، هَلْ يُحْكَمُ بِزَوَالِ تِلْكَ النَّجَاسَةِ اُخْتُلِفَ فِيهِ .
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلَيْهِ التُّمُرْتَاشِيُّ حَتَّى لَوْ كَانَ مَا غُسِلَ بِهِ بَوْلَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لَا يَمْنَعُ مَا لَمْ يَفْحُشْ .
وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ : الْأَصَحُّ أَنَّ التَّطْهِيرَ بِالْبَوْلِ لَا يَكُونُ انْتَهَى .
وَهُوَ أَحْسَنُ ، وَوَجْهُهُ مَا عَلِمْت أَنَّ سُقُوطَ التَّنَجُّسِ حَالَ كَوْنِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الْمَحَلِّ ضَرُورَةُ التَّطْهِيرِ ، وَلَيْسَ الْبَوْلُ مُطَهِّرًا لِلتَّضَادِّ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ فَيَتَنَجَّسُ بِنَجَاسَةِ الدَّمِ ، فَمَا ازْدَادَ الثَّوْبُ بِهَذَا إلَّا شَرًّا إذْ يَصِيرُ جَمِيعُ الْمَكَانِ الْمُصَابِ بِالْبَوْلِ مُتَنَجِّسًا بِنَجَاسَةِ الدَّمِ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ عَيْنُ الدَّمِ ، وَفِي الْكِتَابِ إشَارَةٌ إلَى 195 مَا اخْتَرْنَاهُ حَيْثُ قَالَ بِالْمَاءِ وَبِكُلِّ مَائِعٍ طَاهِرٍ حَيْثُ أَخْرَجَ الْمَائِعَ النَّجِسَ ( قَوْلُهُ فَلَمْ يُجَوِّزْ فِي الْبَدَنِ بِغَيْرِ الْمَاءِ ) لِأَنَّ حَرَارَةَ الْبَدَنِ جَاذِبَةٌ وَالْمَاءُ أُدْخِلَ فِيهِ مِنْ غَيْرِهِ فَيَتَعَيَّنُ . وَعَنْ طَهَارَةِ الْبَدَنِ بِغَيْرِ الْمَاءِ تُفَرَّعُ طَهَارَةُ الثَّدْيِ إذَا قَاءَ عَلَيْهِ الْوَلَدُ ثُمَّ رَضَعَهُ حَتَّى أَزَالَ أَثَرَ الْقَيْءِ ، وَكَذَا إذَا لَحِسَ أُصْبُعَهُ مِنْ نَجَاسَةٍ بِهَا حَتَّى ذَهَبَ الْأَثَرُ أَوْ شَرِبَ خَمْرًا ثُمَّ تَرَدَّدَ رِيقُهُ فِي فِيهِ مِرَارًا طَهُرَ حَتَّى لَوْ صَلَّى صَحَّتْ .
وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَا تَصِحُّ ، وَلَا يُحْكَمُ بِالطَّهَارَةِ بِذَلِكَ لِعَدَمِ الْمَاءِ ، وَكَذَا عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَهِيَ اشْتِرَاطُ الْمَاءِ فِي الْعُضْوِ ، وَأَمَّا الْمَرْوِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي الْمُسَافِرِ إذَا أَصَابَ يَدَهُ نَجَاسَةٌ يَمْسَحُهَا بِالتُّرَابِ فَمُشْكِلٌ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَبَا يُوسُفَ إنَّمَا جَوَّزَا مِثْلَهُ فِي الْخُفِّ وَالنَّعْلِ بِشَرْطِهِ ، وَمُحَمَّدٌ خَالَفَهُمَا فَكَيْفَ يُتَّجَهُ ذَلِكَ ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِمَسْحِهِ تَقْلِيلًا لِلنَّجَاسَةِ حَالَةَ الِاشْتِغَالِ بِالسَّيْرِ فَلَا يُمْنَعُ لِتَخْفِيفِ الْجِرْمِ بِذَلِكَ ثُمَّ يَغْسِلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ .
قُلْت : يَجِبُ حَمْلُ الرُّطُوبَةِ عَلَى الْبَلَلِ لَا النَّدْوَةِ ، فَقَدْ ذَكَرَ فِيهَا إذَا لَفَّ الثَّوْبَ النَّجِسَ الرَّطْبَ فِي الثَّوْبِ الطَّاهِرِ الْجَافِّ فَظَهَرَتْ فِيهِ نَدْوَتُهُ وَلَمْ يَصِرْ بِحَيْثُ يَقْطُرُ مِنْهُ شَيْءٌ إذَا عُصِرَ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ ، وَكَذَا لَوْ بُسِطَ عَلَى النَّجِسِ الرَّطْبِ فَتَنَدَّى وَلَيْسَ بِحَيْثُ يَقْطُرُ إذَا عُصِرَ الْأَصَحُّ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ ذَكَرَهُ الْحَلْوَانِيُّ .
وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ بِلَيِّ الثَّوْبِ وَعَصْرِهِ نَبْعُ رُءُوسٍ صِغَارٍ لَيْسَ لَهَا قُوَّةُ السَّيَلَانِ لِيَتَّصِلَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ فَتَقْطُرُ بَلْ تُقَرُّ فِي مَوَاضِعِ نَبْعِهَا ثُمَّ تُرْجَعُ إذَا حُلَّ الثَّوْبُ ، وَيَبْعُدُ فِي مِثْلِهِ الْحُكْمُ بِطَهَارَةِ الثَّوْبِ مَعَ وُجُودِ حَقِيقَةِ الْمُخَالِطِ ، فَالْأَوْلَى إنَاطَةُ عَدَمِ النَّجَاسَةِ بِعَدَمِ نَبْعِ شَيْءٍ عِنْدَ الْعَصْرِ لِيَكُونَ مُجَرَّدَ نَدْوَةٍ لَا بِعَدَمِ التَّقَاطُرِ ( قَوْلُهُ إلَّا أَنَّ هَذَا الْقِيَاسَ تُرِكَ فِي الْمَاءِ لِلضَّرُورَةِ ) مُطْلَقًا عِنْدَ مُحَمَّدٍ سَوَاءٌ أُورِدَ عَلَى النَّجَاسَةِ أَوْ أُورِدَتْ هِيَ عَلَيْهِ وَإِلَّا لَمْ يَحْصُلْ طَهَارَةُ شَيْءٍ بِالْمَاءِ لِأَنَّهُ يُنَجِّسُ الْمَاءَ فَيَحُلُّ الْمَحَلَّ مَاءٌ نَجِسٌ ، وَكَذَا كُلُّ مَا بَعْدَهُ يَتَنَجَّسُ بِمُلَاقَاةِ بَلَلِ السَّابِقِ ، وَفِي الْوَارِدِ فَقَطْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَنَّ الْمَوْرُودَ لَا يَطْهُرُ عِنْدَهُ .
وَلَمَّا سَقَطَ هَذَا الْقِيَاسُ عِنْدَهُ فِي الْوَارِدِ وَبَقِيَ طَاهِرًا حَالَ كَوْنِهِ فِي الثَّوْبِ بَقِيَ كَذَلِكَ بَعْدَ انْفِصَالِهِ بِالْعَصْرِ أَيْضًا مَا لَمْ يَظْهَرْ فِي الْمُنْفَصِلِ أَثَرُ النَّجَاسَةِ لَوْنٌ أَوْ رِيحٌ لِأَنَّهُ كَانَ مَحْكُومًا بِطَهَارَتِهِ حَالَ الْمُخَالَطَةِ فِي الْمَحَلِّ وَلَمْ يُوجَدْ بَعْدَهُ إلَّا الِانْفِصَالُ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُنَجَّسٍ ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَأَثَّرَ لِأَنَّ بَقَاءَ الْأَثَرِ مُخَالَطَةٌ بَعْدَ الِانْفِصَالِ فَيَتَنَجَّسُ ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَصَاحِبَيْهِ هُوَ طَاهِرٌ فِي الْمَحَلِّ نَجِسٌ إذَا انْفَصَلَ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالطَّهَارَةِ مَعَ مُخَالَطَةِ النَّجِسِ إنَّمَا هُوَ لِلضَّرُورَةِ ، فَإِذَا زَالَتْ بِالِانْفِصَالِ ظَهَرَ أَثَرُ الْمُخَالَطَةِ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ بِالضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا وَلَا أَثَرَ لِلْوُرُودِ لِأَنَّهُ لَيْسَ جَارِيًا حَقِيقَةً ، أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ وَضَعَ الثَّوْبَ النَّجِسَ فِي الْإِجَّانَةِ ثُمَّ أُورِدَ عَلَيْهِ تَحْصُلُ فِيهَا مُخَالِطًا لِلنَّجَاسَةِ ، وَهَذَا هُوَ الْمُوجِبُ لِثُبُوتِ قِيَاسِ النَّجَاسَةِ وَهُوَ بِعَيْنِهِ فِي الْمَوْرُودِ فَاتَّحَدَ الْقِيَاسُ فِيهِمَا ثُمَّ سَقَطَ لِلضَّرُورَةِ هَذَا فِي الْمَاءَيْنِ ، أَمَّا الثَّالِثُ فَطَاهِرٌ عِنْدَهُمَا لِأَنَّهُ كَانَ طَاهِرًا وَانْفَصَلَ عَنْ مَحَلٍّ طَاهِرٍ ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ نَجِسٌ لِأَنَّ طَهَارَتَهُ فِي الْمَحَلِّ ضَرُورَةُ تَطْهِيرِهِ وَقَدْ زَالَتْ ، وَإِنَّمَا حُكِمَ شَرْعًا بِطَهَارَةِ الْمَحَلِّ عِنْدَ انْفِصَالِهِ بِدَلَالَةِ الْحَدِيثِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا وَإِلَّا لَمْ تَحْصُلْ طَهَارَةٌ ، وَلَا ضَرُورَةَ فِي اعْتِبَارِ الْمَاءِ الْمُنْفَصِلِ طَاهِرًا مَعَ مُخَالَطَةِ النَّجِسِ فَيَكُونُ نَجِسًا بِخِلَافِ الرَّابِعِ فَإِنَّهُ لَمْ يُخَالِطْ مَا هُوَ مَحْكُومٌ شَرْعًا بِنَجَاسَتِهِ فِي الْمَحَلِّ فَيَكُونُ طَاهِرًا .
[ فَرْعٌ ]
فِي التَّجْنِيسِ غَسَلَ ثَوْبًا ثُمَّ قَطَرَ مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ إنْ عَصَرَهُ فِي الثَّالِثَةِ حَتَّى صَارَ بِحَالٍ لَوْ عَصَرَهُ لَا يَسِيلُ مِنْهُ شَيْءٌ فَالْيَدُ طَاهِرَةٌ وَالْبَلَلُ طَاهِرٌ ، وَإِنْ كَانَ بِحَالٍ يَسِيلُ فَنَجِسَةٌ فَفِي هَذَا أَنَّ بِلَّةَ الْيَدِ طَاهِرَةٌ مَعَ أَنَّهَا بَعْضُ الثَّالِثِ .
194 وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمَّا سَقَطَ ذَلِكَ الْقِيَاسُ لَمْ يُفَرِّقْ مُحَمَّدٌ بَيْنَ تَطْهِيرِ الثَّوْبِ النَّجِسِ فِي الْإِجَّانَةِ وَالْعُضْوِ النَّجِسِ بِأَنْ يَغْسِلَ كُلًّا مِنْهُمَا فِي ثَلَاثِ إجَّانَاتٍ طَاهِرَاتٍ أَوْ ثَلَاثًا فِي إجَّانَةٍ بِمِيَاهٍ طَاهِرَةٍ فَيَخْرُجُ مِنْ الثَّالِثِ طَاهِرٌ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ بِذَلِكَ فِي الثَّوْبِ خَاصَّةً ، أَمَّا الْعُضْوُ الْمُتَنَجِّسُ إذَا غُمِسَ فِي إجَّانَاتٍ طَاهِرَاتٍ نَجَّسَ الْجَمِيعَ وَلَا يَطْهُرُ بِحَالٍ ، بَلْ بِأَنْ يُغْسَلَ فِي مَاءٍ جَارٍ أَوْ يُصَبَّ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَأْبَى حُصُولَ الطَّهَارَةِ لَهُمَا بِالْغَسْلِ فِي الْأَوَانِي فَسَقَطَ فِي الثِّيَابِ لِلضَّرُورَةِ وَبَقِيَ فِي الْعُضْوِ لِعَدَمِهَا ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُتَنَجِّسُ مِنْ الثَّوْبِ قَدْرَ دِرْهَمٍ فَقَرْصٌ لَا يُجِيزُهُ أَبُو يُوسُفَ فِي الْإِجَّانَةِ وَعَلَى هَذَا جُنُبٌ اغْتَسَلَ فِي آبَارِ وَلَمْ يَكُنْ اسْتَنْجَى تَنْجُسُ كُلُّهَا وَإِنْ كَثُرَتْ ، وَإِنْ كَانَ اسْتَنْجَى صَارَتْ فَاسِدَةً وَلَمْ يَطْهُرْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ : إنْ لَمْ يَكُنْ اسْتَنْجَى يَخْرُجُ مِنْ الثَّالِثَةِ طَاهِرًا وَكُلُّهَا نَجِسَةٌ ، وَإِنْ كَانَ اسْتَنْجَى يَخْرُجُ مِنْ الْأُولَى طَاهِرًا وَسَائِرُهَا مُسْتَعْمَلَةٌ كَذَا فِي الْمُصَفَّى ، وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ الِاسْتِعْمَالِ بِمَا إذَا قَصَدَ الْقُرْبَةَ عِنْدَهُ ( قَوْلُهُ وَلَهُمَا ) الْحَاصِلُ الْقِيَاسُ عَلَى الْمَاءِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ مَعْلُولٌ بِعِلَّةِ كَوْنِهِ قَالِعًا لِتِلْكَ النَّجَاسَةِ ، وَسُقُوطُ ذَلِكَ الْقِيَاسِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَلْعَ وَالْحُكْمَ بِالتَّطْهِيرِ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا بِإِسْقَاطِهِ ، وَالْمَائِعُ قَالِعٌ فَهُوَ مُحَصَّلُ ذَلِكَ الْمَقْصُودِ فَيَسْقُطُ فِيهِ ذَلِكَ الْقِيَاسُ وَتَحْصُلُ بِهِ الطَّهَارَةُ .
[ فَرْعٌ ]
غَسْلُ الثَّوْبِ الْمُتَنَجِّسِ بِالدَّمِ بِالْبَوْلِ حَتَّى زَالَ عَيْنُ الدَّمِ ، هَلْ يُحْكَمُ بِزَوَالِ تِلْكَ النَّجَاسَةِ اُخْتُلِفَ فِيهِ .
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلَيْهِ التُّمُرْتَاشِيُّ حَتَّى لَوْ كَانَ مَا غُسِلَ بِهِ بَوْلَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لَا يَمْنَعُ مَا لَمْ يَفْحُشْ .
وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ : الْأَصَحُّ أَنَّ التَّطْهِيرَ بِالْبَوْلِ لَا يَكُونُ انْتَهَى .
وَهُوَ أَحْسَنُ ، وَوَجْهُهُ مَا عَلِمْت أَنَّ سُقُوطَ التَّنَجُّسِ حَالَ كَوْنِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الْمَحَلِّ ضَرُورَةُ التَّطْهِيرِ ، وَلَيْسَ الْبَوْلُ مُطَهِّرًا لِلتَّضَادِّ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ فَيَتَنَجَّسُ بِنَجَاسَةِ الدَّمِ ، فَمَا ازْدَادَ الثَّوْبُ بِهَذَا إلَّا شَرًّا إذْ يَصِيرُ جَمِيعُ الْمَكَانِ الْمُصَابِ بِالْبَوْلِ مُتَنَجِّسًا بِنَجَاسَةِ الدَّمِ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ عَيْنُ الدَّمِ ، وَفِي الْكِتَابِ إشَارَةٌ إلَى 195 مَا اخْتَرْنَاهُ حَيْثُ قَالَ بِالْمَاءِ وَبِكُلِّ مَائِعٍ طَاهِرٍ حَيْثُ أَخْرَجَ الْمَائِعَ النَّجِسَ ( قَوْلُهُ فَلَمْ يُجَوِّزْ فِي الْبَدَنِ بِغَيْرِ الْمَاءِ ) لِأَنَّ حَرَارَةَ الْبَدَنِ جَاذِبَةٌ وَالْمَاءُ أُدْخِلَ فِيهِ مِنْ غَيْرِهِ فَيَتَعَيَّنُ . وَعَنْ طَهَارَةِ الْبَدَنِ بِغَيْرِ الْمَاءِ تُفَرَّعُ طَهَارَةُ الثَّدْيِ إذَا قَاءَ عَلَيْهِ الْوَلَدُ ثُمَّ رَضَعَهُ حَتَّى أَزَالَ أَثَرَ الْقَيْءِ ، وَكَذَا إذَا لَحِسَ أُصْبُعَهُ مِنْ نَجَاسَةٍ بِهَا حَتَّى ذَهَبَ الْأَثَرُ أَوْ شَرِبَ خَمْرًا ثُمَّ تَرَدَّدَ رِيقُهُ فِي فِيهِ مِرَارًا طَهُرَ حَتَّى لَوْ صَلَّى صَحَّتْ .
وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَا تَصِحُّ ، وَلَا يُحْكَمُ بِالطَّهَارَةِ بِذَلِكَ لِعَدَمِ الْمَاءِ ، وَكَذَا عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَهِيَ اشْتِرَاطُ الْمَاءِ فِي الْعُضْوِ ، وَأَمَّا الْمَرْوِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي الْمُسَافِرِ إذَا أَصَابَ يَدَهُ نَجَاسَةٌ يَمْسَحُهَا بِالتُّرَابِ فَمُشْكِلٌ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَبَا يُوسُفَ إنَّمَا جَوَّزَا مِثْلَهُ فِي الْخُفِّ وَالنَّعْلِ بِشَرْطِهِ ، وَمُحَمَّدٌ خَالَفَهُمَا فَكَيْفَ يُتَّجَهُ ذَلِكَ ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِمَسْحِهِ تَقْلِيلًا لِلنَّجَاسَةِ حَالَةَ الِاشْتِغَالِ بِالسَّيْرِ فَلَا يُمْنَعُ لِتَخْفِيفِ الْجِرْمِ بِذَلِكَ ثُمَّ يَغْسِلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث