فتح القدير
فتح القدير · الجزء السادس
الصفحة 3317 · ص. المطبوع 12 · الشرح
( قَوْلُهُ : وَإِذَا أَبَقَ عَبْدٌ لِمُسْلِمٍ ) أَوْ ذِمِّيٍّ وَهُوَ مُسْلِمٌ ( وَدَخَلَ إلَيْهِمْ ) دَارَ الْحَرْبِ ( فَأَخَذُوهُ لَمْ يَمْلِكُوهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَقَالَا يَمْلِكُونَهُ ) وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ ; لِتَحَقُّقِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى مَالٍ قَابِلٍ لِلتَّمَلُّكِ مُحْرَزٍ بِدَارِ الْحَرْبِ وَبِهِ يَتِمُّ الْمِلْكُ لَهُمْ ، وَهَذَا ( لِسُقُوطِ عِصْمَتِهِ ; لِأَنَّهَا لِحَقِّ الْمَالِكِ وَقَدْ زَالَتْ ) وَصَارَ كَمَا لَوْ نَدَّتْ إلَيْهِمْ دَابَّةٌ : أَيْ شَرَدَتْ مِنْ بَابِ ضَرَبَ إلَّا أَنَّ مَصْدَرَهُ جَاءَ نُدُودًا كَمَا جَاءَ عَلَى نَدًّا الْقِيَاسِيِّ ، وَكَمَا لَوْ أَخَذُوا الْعَبْدَ الْآبِقَ أَوْ غَيْرَ الْآبِقِ مِنْ دَارِنَا إذَا أَحْرَزُوهُ حَيْثُ يَمْلِكُونَهُ فَكَذَا هَذَا .
( وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْعَبْدَ ظَهَرَتْ يَدُهُ عَلَى نَفْسِهِ ) وَهَذَا ; لِأَنَّهُ آدَمِيٌّ مُكَلَّفٌ فَلَهُ يَدٌ عَلَى نَفْسِهِ ، وَلِهَذَا لَوْ اشْتَرَى نَفْسَهُ لِغَيْرِهِ مِنْ مَوْلَاهُ لَمْ يَكُنْ لِمَوْلَاهُ حَبْسُهُ بِالثَّمَنِ ; لِأَنَّهُ صَارَ مَقْبُوضًا بِمُجَرَّدِ عَقْدِهِ ، وَإِنَّمَا سَقَطَ اعْتِبَارُ يَدِهِ ( لِتَحَقُّقِ يَدِ الْمَوْلَى عَلَيْهِ تَمْكِينًا لِلْمَوْلَى مِنْ الِانْتِفَاعِ ، وَقَدْ زَالَتْ يَدُ الْمَوْلَى ) بِمُجَرَّدِ دُخُولِهِ دَارَ الْحَرْبِ ( فَظَهَرَتْ يَدُ الْعَبْدِ عَلَى نَفْسِهِ ) سَابِقَةً عَلَى يَدِ أَهْلِ الْحَرْبِ ; لِأَنَّ أَخْذَهُمْ 12 إيَّاهُ لَا بُدَّ أَنْ يَتَرَاخَى لَحْظَةً عَنْ دُخُولِهِ ، وَإِذَا سَبَقَتْ يَدُهُ يَدَهُمْ ( صَارَ مَعْصُومًا بِنَفْسِهِ فَلَمْ يَبْقَ مَحِلًّا لِلتَّمَلُّكِ ، بِخِلَافِ الْآبِقِ الْمُتَرَدِّدِ ) فِي دَارِنَا إذَا أَخَذُوهُ ( لِأَنَّ يَدَ الْمَوْلَى قَائِمَةٌ عَلَيْهِ ) مَا دَامَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ حُكْمًا ( لِقِيَامِ يَدِ أَهْلِ الدَّارِ ) فَيُمْكِنُهُ الِاسْتِعَانَةُ عَلَى وُجُودِهِ فَالِاقْتِدَارُ بَاقٍ ( فَمَنَعَ ظُهُورَ يَدِهِ ) عَلَى نَفْسِهِ .
وَلَا كَذَلِكَ الْمَأْذُونُ فِي الدُّخُولِ ; لِأَنَّ دُخُولَهُ بِإِذْنِهِ وَهُوَ عَلَى عَزْمِ الْعَوْدِ إلَيْهِ ، وَبِخِلَافِ الدَّابَّةِ الَّتِي نَدَّتْ فَإِنَّهُ لَا يَدَ لَهَا عَلَى نَفْسِهَا ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ ; لِأَنَّ سُقُوطَ اعْتِبَارِهِ لِلْيَدِ ، وَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَقُولَ اعْتِبَارِهَا ; لِأَنَّ الْيَدَ مُؤَنَّثَةٌ وَقَدْ يُعَادُ عَلَى الظُّهُورِ أَيْ سُقُوطِ اعْتِبَارِ ظُهُورِهِ ( وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ لَهُمْ مِلْكٌ فِيهِ يَأْخُذُهُ الْمَالِكُ الْقَدِيمُ بِغَيْرِ شَيْءٍ سَوَاءٌ كَانَ مَوْهُوبًا ) مِنْهُمْ لِلَّذِي أَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ( أَوْ مُشْتَرًى ) مِنْهُمْ ( أَوْ مَغْنُومًا قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَبَعْدَهَا ) إلَّا أَنَّهُ إذَا أَخَذَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ ( يُؤَدِّي ) الْإِمَامُ ( عِوَضَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ) لِلْمَأْخُوذِ مِنْهُ ( لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إعَادَةُ الْقِسْمَةِ ; لِتَفَرُّقِ الْغَانِمِينَ ، وَتَعَذُّرِ اجْتِمَاعِهِمْ ) وَتَفَرُّقِ الْمَالِ فِي أَيْدِيهِمْ ، وَأَيْدِي غَيْرِهِمْ بِتَصَرُّفِهِمْ وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى مِنْ الْحَرَجِ ، وَبَيْتُ الْمَالِ مُعَدٌّ لِنَوَائِبَ الْمُسْلِمِينَ ، وَهَذَا مِنْ نَوَائِبِهِمْ ; وَلِأَنَّهُ لَوْ فَضَلَ مِنْ الْغَنِيمَةِ شَيْءٌ يَتَعَذَّرُ قِسْمَتُهُ كَلُؤْلُؤَةٍ تُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ ، فَإِذَا لَحِقَ غَرَامَةٌ كَانَ فِيهِ ، وَلَا يُعْطَى الْمُشْتَرِي شَيْئًا إذَا كَانَ اشْتَرَاهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى .
فَإِنْ اشْتَرَاهُ بِإِذْنِهِ رَجَعَ عَلَيْهِ بِمَا اشْتَرَاهُ بِهِ . وَعِنْدَهُمَا يَأْخُذُهُ بِالثَّمَنِ فِي الْمُشْتَرِي وَبِالْقِيمَةِ فِي الْمَوْهُوبِ كَمَا فِي الْمَأْسُورِ غَيْرِ الْآبِقِ . وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا أَوَّلَ الْمَسْأَلَةِ بِكَوْنِ الْعَبْدِ مُسْلِمًا ; لِأَنَّهُ لَوْ ارْتَدَّ فَأَبَقَ إلَيْهِمْ فَأَخَذُوهُ مَلَكُوهُ اتِّفَاقًا ، وَلَوْ كَانَ كَافِرًا مِنْ الْأَصْلِ فَهُوَ ذِمِّيٌّ تَبَعًا لِمَوْلَاهُ ، وَفِي الْعَبْدِ 13 الذِّمِّيِّ إذَا أَبَقَ قَوْلَانِ ذَكَرَهُ فِي طَرِيقِهِ مَجْدُ الْأَئِمَّةِ ( قَوْلُهُ : وَلَيْسَ لَهُ ) أَيْ الْغَازِي أَوْ التَّاجِرِ ( جَعْلُ الْآبِقِ ) ; لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ إذَا أَخَذَهُ ; لِيَرُدَّهُ فَيَكُونُ عَامِلًا لَهُ وَهَاهُنَا إنَّمَا هُوَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث