فتح القدير
فتح القدير · الجزء السادس
الصفحة 3363 · ص. المطبوع 36 · الشرح
( قَوْلُهُ : وَالْخَرَاجُ الَّذِي وَضَعَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى أَهْلِ السَّوَادِ مِنْ كُلِّ 36 جَرِيبٍ يَبْلُغُهُ الْمَاءُ قَفِيزٌ هَاشِمِيٌّ وَهُوَ الصَّاعُ ) ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ . نَصَّ عَلَى أَنَّهُ الصَّاعُ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : حَدَّثَنِي السَّرِيُّ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَرَضَ عَلَى الْكَرْمِ عَشَرَةً وَعَلَى الرَّطْبَةِ خَمْسَةً وَعَلَى كُلِّ أَرْضٍ يَبْلُغُهَا الْمَاءُ عَمِلَتْ أَوْ لَمْ تَعْمَلْ دِرْهَمًا وَمَخْتُومًا . قَالَ عَامِرٌ : هُوَ الْحَجَّاجِيُّ وَهُوَ الصَّاعُ انْتَهَى . وَعَامِرٌ هُوَ الشَّعْبِيُّ . وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ : فَمَا كَانَ مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ مِنْ عَامِرٍ أَوْ غَامِرٍ مِمَّا يَبْلُغُهُ الْمَاءُ مِمَّا يَصْلُحُ لِلزَّرْعِ فَفِي كُلِّ جَرِيبٍ قَفِيزٌ وَدِرْهَمٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ زَرَعَ ذَلِكَ صَاحِبُهُ فِي السَّنَةِ مَرَّةً أَوْ مِرَارًا أَوْ لَمْ يَزْرَعْهُ كُلُّهُ سَوَاءٌ ، وَفِيهِ كُلَّ سَنَةٍ قَفِيزٌ وَدِرْهَمٌ فِي كُلِّ جَرِيبِ زَرْعٍ . وَالْقَفِيزُ قَفِيزُ الْحَجَّاجِ وَهُوَ رُبُعُ الْهَاشِمِيِّ ، وَهُوَ مِثْلُ الصَّاعِ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ ، وَالْمُرَادُ مِنْ الْقَفِيزِ الْمَأْخُوذِ قَفِيزٌ مِمَّا زَرَعَ حِنْطَةً أَوْ شَعِيرًا أَوْ عَدَسًا أَوْ ذُرَةً ، قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ وَاسْتُحْسِنَ . وَالدِّرْهَمُ مَا يُوزَنُ سَبْعَةٌ .
وَالْمُرَادُ مِنْ الْجَرِيبِ أَرْضٌ طُولُهَا سِتُّونَ ذِرَاعًا وَعَرْضُهَا كَذَلِكَ بِذِرَاعِ الْمَلِكِ كِسْرَى وَهُوَ يَزِيدُ عَلَى ذِرَاعِ الْعَامَّةِ بِقَبْضَةٍ فَهُوَ سَبْعُ قَبَضَاتٍ ; لِأَنَّ ذِرَاعَ الْعَامَّةِ سِتٌّ . وَقَوْلُهُ : فِي الْكَافِي مَا قِيلَ الْجَرِيبُ سِتُّونَ فِي سِتِّينَ حِكَايَةٌ عَنْ جَرِيبِهِمْ فِي أَرَاضِيِهِمْ ، وَلَيْسَ بِتَقْدِيرٍ لَازِمٍ فِي الْأَرَاضِي كُلِّهَا ، بَلْ جَرِيبُ الْأَرْضِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبُلْدَانِ ، فَيُعْتَبَرُ فِي كُلِّ بَلَدٍ مُتَعَارَفٍ أَهْلُهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْجَرِيبَ يَخْتَلِفُ قَدْرُهُ فِي الْبُلْدَانِ ، وَمُقْتَضَاهُ أَنْ يَتَّحِدَ الْوَاجِبُ وَهُوَ قَفِيزٌ وَدِرْهَمٌ مَعَ اخْتِلَافِ الْمَقَادِيرِ ، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ عُرْفُ بَلَدٍ فِيهِ مِائَةُ ذِرَاعٍ وَعُرْفُ أُخْرَى فِيهِ خَمْسُونَ ذِرَاعًا ، وَكَذَا مَا قِيلَ الْجَرِيبُ مَا يُبْذَرُ فِيهِ مِائَةُ رِطْلٍ ، وَقِيلَ مَا يُبْذَرُ فِيهِ مِنْ الْحِنْطَةِ سِتُّونَ مَنًّا ، وَقِيلَ خَمْسُونَ فِي دِيَارِهِمْ . وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا .
وَأَمَّا جَرِيبُ الرَّطْبَةِ فَفِيهِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ وَلَا شَيْءَ فِيهِ مِنْ الْخَارِجِ ( وَفِي جَرِيبِ الْكَرْمِ الْمُتَّصِلِ وَالنَّخِيلِ الْمُتَّصِلَةِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ هَذَا هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) فَقَيْدُ الِاتِّصَالِ يُفِيدُ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً فِي جَوَانِبِ الْأَرْضِ وَوَسَطِهَا مَزْرُوعَةً فَلَا شَيْءَ فِيهَا ، بَلْ الْمُعْتَبَرُ وَظِيفَةُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الزُّرُوعِ ، وَكَذَا لَوْ غَرَسَ أَشْجَارًا غَيْرَ مُثْمِرَةٍ ، وَلَوْ كَانَتْ الْأَشْجَارُ مُلْتَفَّةً لَا يُمْكِنُ زِرَاعَةُ أَرْضِهَا فَهِيَ كَرْمٌ ذَكَرَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ . وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ : لَوْ أَنْبَتَ أَرْضُهُ كَرْمًا فَعَلَيْهِ خَرَاجُهَا إلَى أَنْ يُطْعَمَ ، فَإِذَا أُطْعِمَ فَإِنْ كَانَ ضِعْفَ وَظِيفَةِ الْكَرْمِ فَفِيهِ وَظِيفَةُ الْكَرْمِ ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ فَنِصْفُهُ إلَى أَنْ يَنْقُصَ عَنْ قَفِيزٍ وَدِرْهَمٍ ، وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَيْهِ قَفِيزٌ وَدِرْهَمٌ . وَفِي رِوَايَةٍ عَلَيْهِ وَظِيفَةُ الْأَرْضِ إلَى أَنْ يُطْعَمَ الْكَرْمُ .
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الرِّوَايَةَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِذَلِكَ ( فَ ) قَالَ : ( إنَّهُ بَعَثَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ حَتَّى يَمْسَحَ سَوَادَ الْعِرَاقِ ) وَهُوَ الَّذِي آخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا حِينَ آخَى بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ( وَجَعَلَ حُذَيْفَةَ مُشْرِفًا عَلَيْهِ وَكَوَّنَهُ فَبَلَغَ سِتًّا وَثَلَاثِينَ أَلْفَ أَلْفِ جَرِيبٍ ، وَوَضَعَ عَلَى ذَلِكَ مَا قُلْنَا ، وَكَانَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَكَانَ إجْمَاعًا مِنْهُمْ ) قَالَ شَارِحٌ فِي قَوْلِهِ وَوَضَعَ عَلَى ذَلِكَ مَا قُلْنَا : إنَّهُ سَهْوٌ ، بَلْ يُقَالُ وَوَضَعَ ذَلِكَ عَلَى مَا قُلْنَا : أَيْ وَضَعَ الْخَرَاجَ . وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَرْجِعَ اسْمِ الْإِشَارَةِ السِّتُّ وَثَلَاثُونَ أَلْفَ أَلْفٍ : أَيْ 37 وُضِعَ عَلَى الْجِرْبَانِ الْمَقَادِيرَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ، وَلَا سَهْوَ يُنْسَبُ إلَى قَائِلِ هَذَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ رِوَايَةُ أَبِي يُوسُفَ بِهِ ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ ; لِأَنَّ الشَّعْبِيَّ لَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَاعْلَمْ أَنَّ الرِّوَايَةَ عَنْ عُمَرَ اخْتَلَفَتْ كَثِيرًا فِي تَقْدِيرِ الْوَظِيفَةِ ، فَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ أَبِي عَوْنٍ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ : وَضَعَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى أَهْلِ السَّوَادِ عَلَى كُلِّ جَرِيبِ أَرْضٍ يَبْلُغُهُ الْمَاءُ عَامِرٍ أَوْ غَامِرٍ دِرْهَمًا وَقَفِيزًا مِنْ طَعَامٍ ، وَعَلَى الْبَسَاتِينِ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَخَمْسَةَ أَقْفِزَةٍ مِنْ طَعَامٍ ، وَعَلَى الرِّطَابِ عَلَى كُلِّ جَرِيبِ أَرْضٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ وَخَمْسَةَ أَقْفِزَةٍ مِنْ طَعَامٍ ، وَعَلَى الْكُرُومِ عَلَى كُلِّ جَرِيبِ أَرْضٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَعَشَرَةَ أَقْفِزَةٍ ، وَلَمْ يَضَعْ عَلَى النَّخِيلِ شَيْئًا جَعَلَهُ تَبَعًا لِلْأَرْضِ .
ثُمَّ حَدَّثَ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ : بَعَثَ عُمَرُ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ عَلَى مِسَاحَةِ الْأَرْضِ فَوَضَعَ عُثْمَانُ عَلَى الْجَرِيبِ مِنْ الْكَرْمِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ ، وَعَلَى جَرِيبِ النَّخْلِ ثَمَانِيَةَ دَرَاهِمَ ، وَعَلَى جَرِيبِ الْقَصَبِ سِتَّةَ دَرَاهِمَ : يَعْنِي الرَّطْبَةَ ، وَعَلَى جَرِيبِ الْبُرِّ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ ، وَعَلَى جَرِيبِ الشَّعِيرِ دِرْهَمَيْنِ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ : حَدَّثَنَا هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ : أَنْبَأْنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ قَالَ : لَمَّا افْتَتَحَ الْمُسْلِمُونَ فَسَاقَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ إلَى أَنْ قَالَ : فَمَسَحَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ سَوَادَ الْكُوفَةِ مِنْ أَرْضِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَجَعَلَ عَلَى جَرِيبِ النَّخْلِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ ، وَعَلَى جَرِيبِ الْعِنَبِ ثَمَانِيَةَ دَرَاهِمَ ، وَعَلَى جَرِيبِ الْقَصَبِ سِتَّةَ دَرَاهِمَ ، وَعَلَى الْجَرِيبِ مِنْ الْبُرِّ أَرْبَعَةً ، وَعَلَى الْجَرِيبِ مِنْ الشَّعِيرِ دِرْهَمَيْنِ ، وَفِيهِ قَالَ : فَأَخَذَ مِنْ تُجَّارِهِمْ مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَرَضِيَ بِهِ ، فَقَدْ رَأَيْت مَا هُنَا مِنْ الِاخْتِلَافِ . وَمَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ يَعْتَبِرُ إجَارَةَ الْإِمَامِ ; لِأَنَّهَا وَقْفٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عِنْدَهُ فَتُفَوَّضُ إلَى إجَارَتِهِ كَمَا هُوَ الرَّسْمُ الْآنَ فِي أَرَاضِي مِصْرَ ، فَإِنَّ الْمَأْخُوذَ الْآنَ بَدَلُ إجَارَةٍ لَا خَرَاجٍ ; أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَرَاضِيَ لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً لِلزُّرَّاعِ ، وَهَذَا بَعْدَمَا قُلْنَا إنَّ أَرْضَ مِصْرَ خَرَاجِيَّةٌ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، كَأَنَّهُ لِمَوْتِ الْمَالِكِينَ شَيْئًا فَشَيْئًا مِنْ غَيْرِ إخْلَافِ وَرَثَةٍ فَصَارَتْ لِبَيْتِ الْمَالِ ، وَيَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَنْ لَا يَصِحَّ بَيْعُ الْإِمَامِ وَلَا شِرَاؤُهُ مِنْ وَكِيلِ بَيْتِ الْمَالِ لِشَيْءٍ مِنْهَا ; لِأَنَّ نَظَرَهُ فِي مَالِ الْمُسْلِمِينَ كَنَظَرِ وَلِيِّ الْيَتِيمِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ عَقَارِهِ إلَّا لِضَرُورَةِ عَدَمِ وُجُودِ مَا يُنْفِقُهُ سِوَاهُ ، فَلِذَا كَتَبْت فِي فَتْوَى رُفِعَتْ إلَيَّ فِي شِرَاءِ السُّلْطَانِ الْأَشْرَفِ بَرْسَبَاي رَحِمَهُ اللَّهُ لِأَرْضٍ مِمَّنْ وَلَّاهُ نَظَرَ بَيْتِ الْمَالِ هَلْ يَجُوزُ شِرَاؤُهُ مِنْهُ وَهُوَ الَّذِي وَلَّاهُ ؟ فَكَتَبْت : إذَا كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ حَاجَةٌ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ جَازَ ذَلِكَ . وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ كَمَالِكٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ فِي جَرِيبِ حِنْطَةٍ أَوْ شَعِيرٍ دِرْهَمٌ ، وَالْبَاقِي كَقَوْلِنَا . وَقِيلَ كُلُّ الرِّوَايَاتِ عَنْ عُمَرَ صَحِيحَةٌ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ لِاخْتِلَافِ النَّوَاحِي فَوُضِعَ بَعْضُهَا أَقَلَّ وَبَعْضُهَا أَكْثَرَ ; لِتَفَاوُتِ الرِّيعِ فِي نَاحِيَةٍ مَعَ نَاحِيَةٍ ، وَمَا قُلْنَا أَشْهَرُ رِوَايَةً ، وَأَرْفَقُ بِالرَّعِيَّةِ .
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الْمَعْنَى فِي اخْتِلَافِ الْوَظِيفَةِ فَقَالَ : ( وَلِأَنَّ الْمُؤَنَ مُتَفَاوِتَةٌ فَالْكَرْمُ أَخَفُّهَا مُؤْنَةً ) ; لِأَنَّهُ يَبْقَى عَلَى الْأَبَدِ بِلَا مُؤْنَةٍ ، وَأَكْثَرُهَا رِيعًا ( وَالْمَزَارِعُ ) أَقَلُّهَا رِيعًا وَ ( أَكْثَرُهَا مُؤْنَةً ) لِاحْتِيَاجِهَا إلَى الْبَذْرِ وَمُؤَنِ الزِّرَاعَةِ مِنْ الْحِرَاثَةِ وَالْحَصَادِ وَالدِّيَاسِ وَالتَّذْرِيَةِ فِي كُلِّ عَامٍ ( وَالرِّطَابُ بَيْنَهُمَا ) ; لِأَنَّهَا لَا تَدُومُ دَوَامَ الْكَرْمِ وَيَتَكَلَّفُ فِي عَمَلِهَا كُلَّ عَامٍ فَوَجَبَ تَفَاوُتُ الْوَاجِبِ بِتَفَاوُتِ الْمُؤْنَةِ ، أَصْلُهُ قَوْلُهُ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { ۝ مَا سَقَتْ السَّمَاءُ فَفِيهِ الْعُشْرُ ، وَمَا سُقِيَ بِغَرْبٍ أَوْ دَالِيَةٍ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ } 38
( قَوْلُهُ : وَمَا سِوَى ذَلِكَ ) أَيْ مِنْ الْأَرَاضِي الَّتِي فِيهَا أَصْنَافٌ غَيْرُ مَا وَصَفَ فِيهِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( كَالزَّعْفَرَانِ ) وَالنَّخِيلِ الْمُلْتَفَّةِ ( وَالْبُسْتَانِ ) وَهُوَ أَرْضٌ يَحُوطُهَا حَوَائِطُ وَفِيهَا نَخِيلٌ مُتَفَرِّقَةٌ ، وَأَشْجَارٌ ، وَكَذَا غَيْرُ ذَلِكَ كَالنَّخِيلِ الْمُلْتَفَّةِ ( يُوضَعُ عَلَى ذَلِكَ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ ) فَيُوضَعُ عَلَى النَّخِيلِ الْمُلْتَفَّةِ بِحَسَبِ مَا تُطِيقُ ، وَلَا يُزَادُ عَلَى الْكَرْمِ ، وَعَلَى جَرِيبِ الزَّعْفَرَانِ كَذَلِكَ يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إلَى غَلَّتِهَا ، فَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ سِوَى غَلَّةِ الزَّرْعِ يُؤْخَذُ قَدْرُ خَرَاجِ الزَّرْعِ أَوْ الرَّطْبَةِ يُؤْخَذُ خَرَاجُ الرَّطْبَةِ أَوْ الْكَرْمِ فَالْكَرْمُ ، وَإِنَّمَا يُنْتَهَى إلَى نِصْفِ الْخَارِجِ ( لِأَنَّ التَّنْصِيفَ ) بَعْدَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَقْتُلَهُمْ وَنَتَمَلَّكَ رِقَابَ الْأَرَاضِي وَالْأَمْوَالِ ( عَيْنُ الْإِنْصَافِ . قَوْلُهُ : فَإِنْ لَمْ تُطِقْ مَا وُضِعَ عَلَيْهَا )
بِأَنْ لَمْ يَبْلُغْ الْخَارِجُ مِنْهَا ضِعْفَهُ نَقَصَ إلَى نِصْفِ الْخَارِجِ ، كَذَا أَفَادَهُ فِي الْخُلَاصَةِ حَيْثُ قَالَ : فَإِنْ كَانَتْ الْأَرَاضِي لَا تُطِيقُ أَنْ يَكُونَ الْخَرَاجُ خَمْسَةً بِأَنْ كَانَ الْخَارِجُ لَا يَبْلُغُ عِشْرَةً يَجُوزُ أَنْ يَنْقُصَ حَتَّى يَصِيرَ مِثْلَ نِصْفِ الْخَارِجِ انْتَهَى . وَفِي هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَرَضِينَ الَّتِي وَظَّفَ عَلَيْهَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ثُمَّ نَقَصَ نُزُلُهَا وَضَعُفَتْ الْآنَ أَوْ غَيَّرَهَا ، وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى وَظِيفَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْأَرَاضِي الَّتِي وَظَّفَ فِيهَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَوْ إمَامٌ آخَرُ مِثْلَ وَظِيفَةِ عُمَرَ ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي ، وَأَمَّا فِي بَلَدٍ لَوْ أَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يَبْتَدِئَ فِيهَا التَّوْظِيفَ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ لَا يَزِيدُ ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ : لَهُ ذَلِكَ ، وَمَعْنَى هَذَا إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ الَّتِي فُتِحَتْ بَعْدَ الْإِمَامِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تُزْرَعُ الْحِنْطَةُ فَأَرَادَ أَنْ يَضَعَ عَلَيْهَا دِرْهَمَيْنِ وَقَفِيزًا وَهِيَ تُطِيقُهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ . وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَهُ ذَلِكَ اعْتِبَارًا بِالنُّقْصَانِ ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْته مِنْ حَمْلِ الْأَرْضِ فِي قَوْلِهِ فَإِنْ لَمْ تُطِقْ مَا وُضِعَ عَلَيْهَا عَلَى مَا يَشْمَلُ أَرْضَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَمَنَعَهُ أَبُو يُوسُفَ بِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يَزِدْ حِينَ أُخْبِرَ بِزِيَادَةِ طَاقَةِ الْأَرْضِ ، فَفِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ : أَخَافُ أَنْ تَكُونَا حَمَّلْتُمَا الْأَرْضَ مَا لَا تُطِيقُ ، قَالَا : حَمَّلْنَاهَا أَمْرًا هِيَ لَهُ مُطِيقَةٌ مَا فِيهَا كَبِيرُ فَضْلٍ .
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ الْبُنَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ : أَرْضُ كَذَا وَكَذَا يُطِيقُونَ مِنْ الْخَرَاجِ أَكْثَرَ مِمَّا عَلَيْهِمْ ، فَقَالَ : لَيْسَ إلَيْهِمْ سَبِيلٌ ( قَوْلُهُ : وَإِنْ غَلَبَ عَلَى أَرْضِ الْخَرَاجِ الْمَاءُ أَوْ انْقَطَعَ الْمَاءُ عَنْهَا أَوْ اصْطَلَمَ الزَّرْعَ آفَةٌ لَا خَرَاجَ عَلَيْهِ ) 39 أَمَّا فِي غَلَبَةِ الْمَاءِ أَوْ انْقِطَاعِهِ ( فَلِأَنَّهُ فَاتَ التَّمَكُّنُ مِنْ الزِّرَاعَةِ وَهُوَ النَّمَاءُ التَّقْدِيرِيُّ الْمُعْتَبَرُ فِي الْخَرَاجِ ) ، وَأَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ فَلِفَوْتِ ( النَّمَاءِ التَّقْدِيرِيِّ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ ، وَكَوْنُهُ نَامِيًا فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ شَرْطٌ كَمَا فِي مَالِ الزَّكَاةِ ، أَوْ يُدَارُ الْحُكْمُ عَلَى حَقِيقَةِ الْخَارِجِ عِنْدَ الْخُرُوجِ ) ; لِأَنَّ التَّمَكُّنَ مِنْ الزِّرَاعَةِ قَائِمٌ مَقَامَهُ ، فَإِذَا وُجِدَ الْأَصْلُ بَطَلَ اعْتِبَارُ الْخَلَفِ وَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالْأَصْلِ . وَاعْلَمْ أَنَّ أَكْثَرَ الْمَشَايِخِ حَمَلُوا الْمَذْكُورَ فِي الْكِتَابِ مِنْ سُقُوطِ الْخَرَاجِ بِالِاصْطِلَامِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ السَّنَةِ مِقْدَارُ مَا يُمْكِنُ الزِّرَاعَةُ ثَانِيًا ، فَإِنْ بَقِيَ لَا يَسْقُطُ الْخَرَاجُ ; لِأَنَّهُ عَطَّلَهَا . وَفِي الْفَتَاوَى الْكُبْرَى : تَكَلَّمُوا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ زِرَاعَةُ الْحِنْطَةِ أَوْ الشَّعِيرِ أَمْ أَيِّ زَرْعٍ كَانَ ، وَأَنَّ الْمُعْتَبَرَ مُدَّةُ تَرْكِ الزَّرْعِ فِيهَا أَوْ مُدَّةٌ يَبْلُغُ الزَّرْعُ فِيهَا مَبْلَغًا يَكُونُ قِيمَتُهُ ضِعْفَ الْخَرَاجِ . وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَهُوَ لَا يُنَافِي الْوَجْهَ الثَّانِيَ ; لِأَنَّ إدَارَةَ الْحُكْمِ عَلَى حَقِيقَةِ الْخَارِجِ إنْ أُسْقِطَ الْوَاجِبُ مِنْهُ لَا يَمْنَعُ الْإِيجَابَ بِالتَّعْطِيلِ فِيهَا بَعْدَهُ مِنْ الزَّمَانِ .
وَأَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ فَصَرِيحٌ فِي نَفْيِ الْوُجُوبِ ، وَإِنْ بَقِيَ إمْكَانُ الزِّرَاعَةِ إلَى آخِرِ السَّنَةِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ كَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ هَذَا ، وَإِعَادَةُ الزَّرْعِ تَسْتَدْعِي مُؤَنًا كَالْأَوَّلِ ، فَإِنْ أَخْرَجَ شَيْئًا فَقُصَارَاهُ أَنْ يَفِيَ بِالْخَرَاجَيْنِ فَأَخْذُ الْخَرَاجِ إذَا لَمْ يَزْرَعْ ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ تَخَيُّرُ أَصْلِ مَالِ الزَّارِعِ وَكَذَا إنْ زَرَعَ . ( قَوْلُهُ : وَإِنْ عَطَّلَهَا صَاحِبُهَا فَعَلَيْهِ الْخَرَاجُ ; لِأَنَّ التَّمَكُّنَ ) مِنْ الزِّرَاعَةِ ( كَانَ ثَابِتًا وَهُوَ الَّذِي فَوَّتَهُ ) أَيْ فَوَّتَ الزَّرْعَ وَهَذَا بِشَرْطِ التَّمَكُّنِ كَمَا يُفِيدُ قَوْلُهُ ; لِأَنَّ التَّمَكُّنَ كَانَ ثَابِتًا ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ لِعَدَمِ قُوَّتِهِ ، وَأَسْبَابِهِ فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَدْفَعَهَا لِغَيْرِهِ مُزَارَعَةً وَيَأْخُذَ الْخَرَاجَ مِنْ نَصِيبِ الْمَالِكِ وَيُعْطِيَهُ الْبَاقِيَ ، أَوْ يُؤَجِّرَهَا ، وَيَأْخُذَ الْخَرَاجَ مِنْ الْأُجْرَةِ ، أَوْ يَزْرَعَهَا بِنَفَقَةٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَقْبَلُ ذَلِكَ بَاعَهَا ، وَأَخَذَ مِنْ ثَمَنِهَا خَرَاجَ السَّنَةِ الْمُنْسَلِخَةِ وَدَفَعَ بَاقِيَ الثَّمَنِ لِصَاحِبِهَا ثُمَّ اسْتَمَرَّ يَأْخُذُ الْخَرَاجَ مِنْ الْمُشْتَرِي . وَهَذَا وَإِنْ كَانَ نَوْعَ حَجْرٍ فَفِيهِ دَفْعُ ضَرَرِ الْعَامَّةِ بِإِثْبَاتِ ضَرَرٍ وَاحِدٍ وَهُوَ جَائِزٌ كَمَا قُلْنَا فِي الْحَجْرِ عَلَى الْمُكَارِي الْمُفْلِسِ وَالطَّبِيبِ 40 الْجَاهِلِ . وَلَوْ وَقَعَ الْبَيْعُ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ فَإِنْ بَقِيَ مِنْهَا قَدْرُ مَا يَتَمَكَّنُ الْمُشْتَرِي مِنْ الزِّرَاعَةِ فَالْخَرَاجُ عَلَيْهِ ، وَإِلَّا عَلَى الْبَائِعِ ، وَمَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَدْفَعُ لِلْعَاجِزِ كِفَايَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ قَرْضًا لِيَعْمَلَ فِيهَا صَحِيحٌ أَيْضًا .
وَمِنْ فُرُوعِ ذَلِكَ : ( مَا إذَا انْتَقَلَ إلَى أَخَسِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ ) بِأَنْ كَانَتْ مَثَلًا تَزْرَعُ الْكَرْمَ فَزَرَعَهَا حُبُوبًا ( أُخِذَ مِنْهُ خَرَاجُ الْأَعْلَى ) وَهُوَ الْكَرْمُ ( لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي ضَيَّعَ الزِّيَادَةَ ) عَلَى الْمُسْلِمِينَ قَالُوا : لَا يُفْتَى بِهَذَا لِمَا فِيهِ مِنْ تَسَلُّطِ الظَّلَمَةِ عَلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ إذْ يَدَّعِي كُلُّ ظَالِمٍ أَنَّ أَرْضَهُ تَصْلُحُ لِزِرَاعَةِ الزَّعْفَرَانِ وَنَحْوِهِ وَعِلَاجُهُ صَعْبٌ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث