فتح القدير
فتح القدير · الجزء السادس
( قَوْلُهُ : وَمَنْ أَسْلَمَ وَعَلَيْهِ جِزْيَةٌ ) بِأَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ كَمَالِ السَّنَةِ ( سَقَطَتْ عَنْهُ ، وَكَذَا إذَا مَاتَ كَافِرًا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِيهِمَا ) وَكَذَا لَوْ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ أَوْ أَسْلَمَ . وَفِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ لَا يَسْقُطُ فِيهِمَا أَيْضًا قِسْطُ مَا مَضَى ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافُ لَوْ عَمِيَ أَوْ زَمِنَ أَوْ أُقْعِدَ أَوْ صَارَ شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ الْعَمَلَ أَوْ افْتَقَرَ بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ ( لَهُ أَنَّ الْجِزْيَةَ وَجَبَتْ بَدَلًا عَنْ الْعِصْمَةِ ) الَّتِي ثَبَتَتْ لِلذِّمِّيِّ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ كَمَا هُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ ( أَوْ ) بَدَلًا ( عَنْ السُّكْنَى ) فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَمَا هُوَ قَوْلٌ آخَرُ لَهُ . ( وَقَدْ وَصَلَ إلَيْهِ الْمُعَوَّضُ ) وَهُوَ حَقْنُ دَمِهِ وَسُكْنَاهُ إلَى 53 الْمَوْتِ أَوْ الْإِسْلَامِ وَصَارَ بِذَلِكَ مُسْتَوْفِيًا الْمُبْدَلَ فَتَقَرَّرَ الْبَدَلُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ .
( فَلَا يَسْقُطُ بِهَذَا الْعَارِضِ ) الَّذِي هُوَ مَوْتُهُ أَوْ إسْلَامُهُ كَسَائِرِ الدُّيُونِ مِنْ الْأُجْرَةِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ فِيمَا لَوْ قَتَلَ رَجُلًا عَمْدًا فَصَالَحَ عَلَى مَالٍ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَدَائِهِ . ( وَلَنَا مَا ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ قَابُوسِ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : ( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَيْسَ عَلَى مُسْلِمٍ جِزْيَةٌ } ) قَالَ أَبُو دَاوُد : وَسُئِلَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ هَذَا فَقَالَ : يَعْنِي إذَا أَسْلَمَ فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ ، وَبِاللَّفْظِ الَّذِي فَسَّرَهُ بِهِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْأَوْسَطِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ أَسْلَمَ فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ } وَضَعَّفَ ابْنُ الْقَطَّانِ قَابُوسًا ، وَلَيْسَ قَابُوسٌ فِي مُسْنَدِ الطَّبَرَانِيِّ ، فَهَذَا بِعُمُومِهِ يُوجِبُ سُقُوطَ مَا كَانَ اُسْتُحِقَّ عَلَيْهِ قَبْلَ إسْلَامِهِ ، بَلْ هُوَ الْمُرَادُ بِخُصُوصِهِ ; لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْفَائِدَةِ ، إذْ عَدَمُ الْجِزْيَةِ عَلَى الْمُسْلِمِ ابْتِدَاءً مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الدَّيْنِ ، فَالْإِخْبَارُ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْفَائِدَةِ لَيْسَ كَالْإِخْبَارِ بِسُقُوطِهَا فِي حَالِ الْبَقَاءِ .
وَهَذَا يَخُصُّ السُّقُوطَ بِالْإِسْلَامِ ، وَالْوَجْهُ يَعُمُّ مَوْتَهُ وَإِسْلَامَهُ ، وَبِهَذَا الْحَدِيثِ وَنَحْوِهِ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى سُقُوطِ الْجِزْيَةِ بِالْإِسْلَامِ فَلَا يَرِدُ طَلَبُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْجِزْيَةِ وَبَيْنَ الِاسْتِرْقَاقِ إذْ كُلٌّ مِنْهُمَا عُقُوبَةٌ عَلَى الْكُفْرِ ، ثُمَّ لَا يَرْتَفِعُ الِاسْتِرْقَاقُ بِالْإِسْلَامِ ، وَكَذَا خَرَاجُ الْأَرْضِ ، وَتَرْتَفِعُ الْجِزْيَةُ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَحَلُّ الْإِجْمَاعِ ، 54 فَإِنْ عُقِلَتْ حِكْمَةٌ فَذَاكَ وَإِلَّا وَجَبَ الِاتِّبَاعُ . عَلَى أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ خَرَاجِ الْأَرْضِ وَالْجِزْيَةِ وَاضِحٌ إذْ لَا إذْلَالَ فِي خَرَاجِ الْأَرْضِ ; لِأَنَّهُ مُؤْنَةُ الْأَرْضِ كَيْ تَبْقَى فِي أَيْدِينَا ، وَالْمُسْلِمُ مِمَّنْ يَسْعَى فِي بَقَائِهَا لِلْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِ الْجِزْيَةِ ; لِأَنَّهَا ذُلٌّ ظَاهِرٌ وَشَنَارٌ . وَأَمَّا الِاسْتِرْقَاقُ ; فَلِأَنَّ إسْلَامَهُ بَعْدَ تَعَلُّقِ مِلْكِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ بِرَقَبَتِهِ فَلَا يَبْطُلُ بِهِ حَقُّ الْمُسْتَحِقِّ الْمُعَيَّنِ . بِخِلَافِ الْجِزْيَةِ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا مِلْكُ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ بَلْ اسْتِحْقَاقٌ لِلْعُمُومِ ، وَالْحَقُّ الْخَاصُّ فَضْلًا عَنْ الْعَامِّ لَيْسَ كَالْمِلْكِ الْخَاصِّ ( قَوْلُهُ : وَلِأَنَّهَا ) ، أَيْ الْجِزْيَةَ إنَّمَا ( وَجَبَتْ عُقُوبَةً عَلَى الْكُفْرِ وَلِهَذَا سُمِّيَتْ جِزْيَةً وَهِيَ وَالْجَزَاءُ وَاحِدٌ ) وَهُوَ يُقَالُ عَلَى الثَّوَابِ بِسَبَبِ الطَّاعَةِ وَالْعُقُوبَةِ بِسَبَبِ الْمَعْصِيَةِ ، وَلَا شَكَّ فِي انْتِفَاءِ الْأَوَّلِ ، وَلِذَا أُخِذَتْ بِطَرِيقِ الْإِذْلَالِ بَلْ هَذَا ضَرُورِيٌّ مِنْ الدِّينِ فَتَعَيَّنَ أَنَّهَا عُقُوبَةٌ عَلَى مَعْصِيَةِ الْكُفْرِ دُنْيَوِيَّةٌ لَا بَدَلُ مُعَاوَضَةٍ كَمَا ظَنَّهُ .
( فَتَسْقُطُ بِالْإِسْلَامِ وَلَا تُقَامُ بَعْدَ الْمَوْتِ ) وَلِهَذَا لَا يُضْرَبُ مَنْ سَبَقَ مَوْتُهُ إقَامَةَ حَدٍّ ثَبَتَ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ الْعُقُوبَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ لَا تَكُونُ إلَّا لِدَفْعِ شَرِّهِ فِي الدُّنْيَا بِحَسَبِ مَا يَكُونُ ذَلِكَ الشَّرُّ ، وَالشَّرُّ الَّذِي يُتَوَقَّعُ بِسَبَبِ الْكُفْرِ الْحِرَابَةُ وَالْفِتْنَةُ عَنْ الدِّينِ الْحَقِّ ( وَقَدْ انْدَفَعَ بِالْمَوْتِ وَالْإِسْلَامِ ) وَهَذَا لَا يُنَافِي كَوْنَهَا بَدَلًا : أَيْ خَلَفًا عَنْ النُّصْرَةِ لَنَا فَكَانَتْ عُقُوبَةً دُنْيَوِيَّةً عَلَى كُفْرِهِ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ لِحِرَابَتِهِ دَفْعًا لَهَا بِإِضْعَافِهِ بِأَخْذِهَا مِنْهُ وَبَدَلًا عَنْ نُصْرَتِهِ الْفَائِتَةِ بِكُفْرِهِ ، وَإِذَا كَانَتْ خَلَفًا أَيْضًا عَنْ النُّصْرَةِ انْتَفَتْ بِالْإِسْلَامِ ; لِأَنَّ شَرْطَ الْخَلَفِ عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ ، وَقَدْ قَدَرَ عَلَيْهَا بِالْإِسْلَامِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : إنَّهَا بَدَلٌ عَنْ 55 الْعِصْمَةِ فَهِيَ ثَابِتَةٌ بِالْآدَمِيَّةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ ثُبُوتِهَا ضَرُورَةً تَمَكُّنِهِ مِنْ فِعْلِ مَا كُلِّفَ بِهِ أَوْ لِظُهُورِ خِلَافِهِ مِنْهُ فَلَا يَكُونُ ثُبُوتُهَا بِقَبُولِ الْجِزْيَةِ ، وَقَوْلُهُ بَدَلًا عَنْ السُّكْنَى . قُلْنَا إنَّ الذِّمِّيَّ يَسْكُنُ مِلْكَ نَفْسِهِ فَلَا تَكُونُ أُجْرَةً ; وَلِأَنَّهُ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ صَارَ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ بَدَلُ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْإِقَامَةِ بِهَا ، وَالْأَحْسَنُ تَرْكُ الْكَلَامِ فِي إبْطَالِ الْأَمْرَيْنِ فَإِنَّ الْعِصْمَةَ الْأَصْلِيَّةَ زَالَتْ بِالْكُفْرِ ، وَهَذِهِ عِصْمَةٌ مُتَجَدِّدَةٌ بِالْجِزْيَةِ ، وَيَكْفِي مَا ذَكَرْنَا مِنْ دَلَالَةِ أَنَّهَا عُقُوبَةُ جَزَاءٍ ثُمَّ تَثْبُتُ الْعِصْمَةُ مَعَهَا لِتُمْكِنَ إقَامَتُهَا ، وَهَذَا ; لِأَنَّهَا عُقُوبَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ لِاسْتِمْرَارِ السَّبَبِ وَهُوَ كُفْرُهُ الدَّاعِي إلَى حِرَابَتِهِ ، وَلَا يُتَمَكَّنُ مِنْ إقَامَةِ هَذِهِ الْعُقُوبَةِ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ إلَّا بِعِصْمَتِهِ .
( فَلَا يَسْقُطُ بِهَذَا الْعَارِضِ ) الَّذِي هُوَ مَوْتُهُ أَوْ إسْلَامُهُ كَسَائِرِ الدُّيُونِ مِنْ الْأُجْرَةِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ فِيمَا لَوْ قَتَلَ رَجُلًا عَمْدًا فَصَالَحَ عَلَى مَالٍ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَدَائِهِ . ( وَلَنَا مَا ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ قَابُوسِ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : ( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَيْسَ عَلَى مُسْلِمٍ جِزْيَةٌ } ) قَالَ أَبُو دَاوُد : وَسُئِلَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ هَذَا فَقَالَ : يَعْنِي إذَا أَسْلَمَ فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ ، وَبِاللَّفْظِ الَّذِي فَسَّرَهُ بِهِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْأَوْسَطِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ أَسْلَمَ فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ } وَضَعَّفَ ابْنُ الْقَطَّانِ قَابُوسًا ، وَلَيْسَ قَابُوسٌ فِي مُسْنَدِ الطَّبَرَانِيِّ ، فَهَذَا بِعُمُومِهِ يُوجِبُ سُقُوطَ مَا كَانَ اُسْتُحِقَّ عَلَيْهِ قَبْلَ إسْلَامِهِ ، بَلْ هُوَ الْمُرَادُ بِخُصُوصِهِ ; لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْفَائِدَةِ ، إذْ عَدَمُ الْجِزْيَةِ عَلَى الْمُسْلِمِ ابْتِدَاءً مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الدَّيْنِ ، فَالْإِخْبَارُ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْفَائِدَةِ لَيْسَ كَالْإِخْبَارِ بِسُقُوطِهَا فِي حَالِ الْبَقَاءِ .
وَهَذَا يَخُصُّ السُّقُوطَ بِالْإِسْلَامِ ، وَالْوَجْهُ يَعُمُّ مَوْتَهُ وَإِسْلَامَهُ ، وَبِهَذَا الْحَدِيثِ وَنَحْوِهِ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى سُقُوطِ الْجِزْيَةِ بِالْإِسْلَامِ فَلَا يَرِدُ طَلَبُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْجِزْيَةِ وَبَيْنَ الِاسْتِرْقَاقِ إذْ كُلٌّ مِنْهُمَا عُقُوبَةٌ عَلَى الْكُفْرِ ، ثُمَّ لَا يَرْتَفِعُ الِاسْتِرْقَاقُ بِالْإِسْلَامِ ، وَكَذَا خَرَاجُ الْأَرْضِ ، وَتَرْتَفِعُ الْجِزْيَةُ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَحَلُّ الْإِجْمَاعِ ، 54 فَإِنْ عُقِلَتْ حِكْمَةٌ فَذَاكَ وَإِلَّا وَجَبَ الِاتِّبَاعُ . عَلَى أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ خَرَاجِ الْأَرْضِ وَالْجِزْيَةِ وَاضِحٌ إذْ لَا إذْلَالَ فِي خَرَاجِ الْأَرْضِ ; لِأَنَّهُ مُؤْنَةُ الْأَرْضِ كَيْ تَبْقَى فِي أَيْدِينَا ، وَالْمُسْلِمُ مِمَّنْ يَسْعَى فِي بَقَائِهَا لِلْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِ الْجِزْيَةِ ; لِأَنَّهَا ذُلٌّ ظَاهِرٌ وَشَنَارٌ . وَأَمَّا الِاسْتِرْقَاقُ ; فَلِأَنَّ إسْلَامَهُ بَعْدَ تَعَلُّقِ مِلْكِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ بِرَقَبَتِهِ فَلَا يَبْطُلُ بِهِ حَقُّ الْمُسْتَحِقِّ الْمُعَيَّنِ . بِخِلَافِ الْجِزْيَةِ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا مِلْكُ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ بَلْ اسْتِحْقَاقٌ لِلْعُمُومِ ، وَالْحَقُّ الْخَاصُّ فَضْلًا عَنْ الْعَامِّ لَيْسَ كَالْمِلْكِ الْخَاصِّ ( قَوْلُهُ : وَلِأَنَّهَا ) ، أَيْ الْجِزْيَةَ إنَّمَا ( وَجَبَتْ عُقُوبَةً عَلَى الْكُفْرِ وَلِهَذَا سُمِّيَتْ جِزْيَةً وَهِيَ وَالْجَزَاءُ وَاحِدٌ ) وَهُوَ يُقَالُ عَلَى الثَّوَابِ بِسَبَبِ الطَّاعَةِ وَالْعُقُوبَةِ بِسَبَبِ الْمَعْصِيَةِ ، وَلَا شَكَّ فِي انْتِفَاءِ الْأَوَّلِ ، وَلِذَا أُخِذَتْ بِطَرِيقِ الْإِذْلَالِ بَلْ هَذَا ضَرُورِيٌّ مِنْ الدِّينِ فَتَعَيَّنَ أَنَّهَا عُقُوبَةٌ عَلَى مَعْصِيَةِ الْكُفْرِ دُنْيَوِيَّةٌ لَا بَدَلُ مُعَاوَضَةٍ كَمَا ظَنَّهُ .
( فَتَسْقُطُ بِالْإِسْلَامِ وَلَا تُقَامُ بَعْدَ الْمَوْتِ ) وَلِهَذَا لَا يُضْرَبُ مَنْ سَبَقَ مَوْتُهُ إقَامَةَ حَدٍّ ثَبَتَ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ الْعُقُوبَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ لَا تَكُونُ إلَّا لِدَفْعِ شَرِّهِ فِي الدُّنْيَا بِحَسَبِ مَا يَكُونُ ذَلِكَ الشَّرُّ ، وَالشَّرُّ الَّذِي يُتَوَقَّعُ بِسَبَبِ الْكُفْرِ الْحِرَابَةُ وَالْفِتْنَةُ عَنْ الدِّينِ الْحَقِّ ( وَقَدْ انْدَفَعَ بِالْمَوْتِ وَالْإِسْلَامِ ) وَهَذَا لَا يُنَافِي كَوْنَهَا بَدَلًا : أَيْ خَلَفًا عَنْ النُّصْرَةِ لَنَا فَكَانَتْ عُقُوبَةً دُنْيَوِيَّةً عَلَى كُفْرِهِ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ لِحِرَابَتِهِ دَفْعًا لَهَا بِإِضْعَافِهِ بِأَخْذِهَا مِنْهُ وَبَدَلًا عَنْ نُصْرَتِهِ الْفَائِتَةِ بِكُفْرِهِ ، وَإِذَا كَانَتْ خَلَفًا أَيْضًا عَنْ النُّصْرَةِ انْتَفَتْ بِالْإِسْلَامِ ; لِأَنَّ شَرْطَ الْخَلَفِ عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ ، وَقَدْ قَدَرَ عَلَيْهَا بِالْإِسْلَامِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : إنَّهَا بَدَلٌ عَنْ 55 الْعِصْمَةِ فَهِيَ ثَابِتَةٌ بِالْآدَمِيَّةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ ثُبُوتِهَا ضَرُورَةً تَمَكُّنِهِ مِنْ فِعْلِ مَا كُلِّفَ بِهِ أَوْ لِظُهُورِ خِلَافِهِ مِنْهُ فَلَا يَكُونُ ثُبُوتُهَا بِقَبُولِ الْجِزْيَةِ ، وَقَوْلُهُ بَدَلًا عَنْ السُّكْنَى . قُلْنَا إنَّ الذِّمِّيَّ يَسْكُنُ مِلْكَ نَفْسِهِ فَلَا تَكُونُ أُجْرَةً ; وَلِأَنَّهُ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ صَارَ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ بَدَلُ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْإِقَامَةِ بِهَا ، وَالْأَحْسَنُ تَرْكُ الْكَلَامِ فِي إبْطَالِ الْأَمْرَيْنِ فَإِنَّ الْعِصْمَةَ الْأَصْلِيَّةَ زَالَتْ بِالْكُفْرِ ، وَهَذِهِ عِصْمَةٌ مُتَجَدِّدَةٌ بِالْجِزْيَةِ ، وَيَكْفِي مَا ذَكَرْنَا مِنْ دَلَالَةِ أَنَّهَا عُقُوبَةُ جَزَاءٍ ثُمَّ تَثْبُتُ الْعِصْمَةُ مَعَهَا لِتُمْكِنَ إقَامَتُهَا ، وَهَذَا ; لِأَنَّهَا عُقُوبَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ لِاسْتِمْرَارِ السَّبَبِ وَهُوَ كُفْرُهُ الدَّاعِي إلَى حِرَابَتِهِ ، وَلَا يُتَمَكَّنُ مِنْ إقَامَةِ هَذِهِ الْعُقُوبَةِ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ إلَّا بِعِصْمَتِهِ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث